بنور فاطمة (ع)
التجميع السيدة الزهراء سلام الله عليها
الکاتب السيد عبد المنعم حسن
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404





الاهداء

إلى بضعة المصطفى وقرة عينه

إلى التي ترعرعت في بيت الوحي وتربت في حضن أعظم الأنبياء

إلى الصديقة الطاهرة المطهرة المعصومة ..

وصاحبة المواقف الفاصلة ..

إلى المظلومة المقهورة المهضوم حقها ..

إلى الشمعة التي أخذتني إلى حيث الهداية ..

وفتحت لي آفاق نور الولاية ..

سيدتي ومولاتي فاطمة الزهراء (ع) ..

وإلى حفيدها الأمل المرتجى وكاشف الدجى.

العدل المنتظر المهدي الحجة بن الحسن عجل الله فرجه الشريف الإمام الثاني عشر والخاتم الذي يملأ الأرض عدلا وقسطا

راجيا القبول



المقدمة

فجأة أحسست ببرودة تلفح وجهي وبرعدة تنتاب أوصالي في يوم حار من أيام فصل الصيف الذي يتميز به السودان ، ورغم درجة الحرارة العالية في ذلك اليوم إلا أنني شعرت بأنها تدنت إلى ما دون الصفر.

برهة مرت ثم شعرت بدف ء الحقيقة وبنور ينكشف أمامي وبهالة قدسية تلفني ، وإذا بالحجب التي أثقلت كاهلي قد انزاحت ، ولمع برق الحقيقة أمام ناظري ، وإذا بي أبدأ أول خطواتي في الاتجاه الصحيح.

كانت أصعب لحظات العمر هي وقت اكتشاف عمق المأساة التي كنا نعيشها ، والتي كانت نتاجا طبيعيا للجهل المركب الذي كان يغشى عقولنا خصوصا وأن هذه المأساة كانت متمركزة في اعتقادنا وديننا.

أن يجد الإنسان نفسه مخطئا في تقدير أمور حياته اليومية مثل لون الدراسة التي يجب أن يدرسها أو الوسيلة التي يجب أن يتنقل بها فليس في ذلك كثير أسى وتندم لكن أن يخطئ الطريق إلى الله سبحانه وتعالى أن يسلك طريقا غير الذي وصفه الله تعالى إلى الجنة ، فهذا خطير بل جنون وتهور.

ذلك ما وجدت عليه ـ وللأسف ـ السواد الأعظم من المسلمين أثناء تجربتي هذه والتي لا أدعي أنها الأولى أو الأخيرة ولا حتى المتميزة وهذا ما توصلت إليه بعد بحثي وتنقيبي بين ثنايا تراثنا الديني وتاريخنا الإسلامي.

أسجل هذه التجربة شهادة للتاريخ دون بحث عن منفعة شخصية أنالها سوى رضا الله تعالى ، وحتى أساهم بمجهودي المتواضع هذا في إحقاق الحق ، وحتى يسجل كحلقة جديدة من حلقات انتصار مذهب الحق « مذهب أهل البيت (ع) » ومن سلك منهجهم وتمسك بهداهم وهم « الشيعة ».


وليس المقصود من هذا البحث النيل من شخص معين أو إثارة الفتنة ، أو البحث عن التفرقة بين المسلمين كما يحلو لبعض الجهلة أن يسمونها ، إنما هو نقاش عقائدي القصد منه الكشف عن الحقائق ولفت الانتباه إلى الواقع المأساوي الذي تعيشه الأمة من مرارة الذل والهوان بعد انحرافها عن الصراط المستقيم ونبذها كتاب الله تعالى وسنة رسوله كما إنها خطوة لتوحيد الأمة تحت راية الحق والالتفاف حول محور الدين الحقيقي الأصيل المتمثل في نهج أهل البيت (ع).

وما أنا إلا عبد فقير من عباد الله انكشفت أمامه الحقائق وشعر بمرارة الخداع وذل التجهيل الذي مورس عليه باعتباره أحد أفراد الأمة الإسلامية ، عشت وترعرت في بيئة سنية يتعبد أهلها بمذهب الإمام مالك ـ تلك غالبية أهل السودان ـ كانت أكبر همومي تتمثل في الزواج لكي أنجب أبناء أغذيهم بما ورثته من آبائي من تدين وأربيهم على خلاف ما يجري في البلاد الإسلامية الآن من تكريس لسلبيات الحضارة المادية الزائفة في نفوس أبنائنا.

كنت أحلم أن يكونوا أبناء من خدام شرع الله ودينه ـ ذلك الدين الذي درسناه في مناهجنا الدراسية ـ وكما ألفينا عليه آباءنا في مجتمعنا دون أن نبحث هل هو ما أمرنا الله به أم أن هنالك أنباء وهنبثة خفيت علينا.

أما السودان فهو بلد تأصلت فيه الروح الدينية فامتاز بالفطرية في أخلاق شعبه وكافة جوانب الحياة فيه وبقوة الوازع الديني ، بالإضافة إلى حبه الواضح لأهل البيت (ع) ويظهر ذلك في ثقافته ، وسنتطرق إلى ذلك أثناء بحثنا.

دخل الإسلام السودان عبر الطرق الصوفية ـ هذه الحقيقة التي أنكرها الوهابيون حقدا وحسدا ـ وأعتقد أن للدولة الفاطمية في مصر اليد الطولى في انتشار الإسلام في السودان ، خصوصا وأن الطرق الصوفية تقوم أساسا على محبة أهل بيت النبوة (ع) والولاء لهم ، ولقد انعكس ذلك على ثقافة وتدين الشعب


السوداني. والذي أصبح الآن علما يشار إليه وأملا للمسلمين باعتباره بوابة المسلمين على إفريقيا.

في هذا المجتمع عشت وعلى طبائع أهله وخلقهم الرفيع تربيت ، مسقط رأسي قرية في شرق السودان اسمها مسمار ، هناك ولدت وكانت سنوات عمري الأولى في تلك القرية التي تحتضنها الصحراء المترامية الأطراف.

نشأت وسط أسرة متواضعة انتقلت إلى هذه القرية من قرية أخرى في شمال السودان وتحديدا منطقة الرباطاب التي تتألف من مجموعة من القرى المتناثرة حول نهر النيل. قريتنا الأصلية تسمى « الكربة ».

وقرية مسمار هي في الأساس محطة لقطار السكة الحديد الذي يأتي من العاصمة الخرطوم متوجها إلى الشرق حيث مدينة بورسودان أهم ميناء في السودان

وبالرغم من أن سكان صحراء شرق السودان أغلبهم من قبائل البجا والهدندوة إلا أن « مسمار » كانت مأهولة بالشماليين وتحديدا من الرباطاب الذين انتقلوا من منطقتهم إلى الشرق بسبب أو بآخر ووالدي كان أحد أولئك.

ترعرعت في هذه القرية وأنا صغير يحوطني أبي برعاية واهتمام وكان عندي المثل الأعلى لقد كان إمام المسجد وشيخ القرية له مكانة خاصة عند سكانها كانت تعطيني الاحساس بالأمن والسعادة خصوصا عند ما أذهب معه إلى مسجد القرية المتواضع للصلاة اليومية وصلاة الجمعة. أو صلاة العيد التي تكون عادة خارج القرية ، كانت سعادتي لا تحدها حدود وأنا أرى أبي يجهز نفسه للصلاة في أيام العيد عندما يلبس جلبابه الأبيض وعباءته (والعباءة في السودان لا يلبسها إلا وجهاء البلد). ثم يتعطر بعطره الخاص الذي غالبا ما ينالني منه نصيب ثم نخرج من المنزل وفي الخارج ينتظرنا جمع غفير من أهالي القرية فنمضي


إلى حيث موقع الصلاة في موكب خاشع يرتفع فيه صوت التهليل والتكبير. وعند الوصول إلى الموقع يأخذ أبي مكانه كإمام للجماعة ويصلي بهم صلاة العيد وبعد التسليم يلتف حوله المصلون للاستماع للخطبة وكنت أحرص أن أكون أقرب الناس إليه حتى إذا انتهت الخطبة أسرع الجميع نحوه يتسابقون للتهنئة بالعيد. ويبلغ إحساسي بالنشوة حده ربما لأنني أحظى ببعض الاهتمام وأنا ألاصق أبي في هذه اللحظات وبجواري أخي الصغير.

حفرت في ذاكرتي مثل هذه اللحظات. ربما لأنني كنت أرى في تقديس والدي تقديسا لشخصي ربما ولكن ظلت صورة والدي واهتمام الناس به في ذهني دونما أن أحاول إخراجها عبر التحدث مع الآخرين.

ولم أعرف سر تقديس الآخرين لوالدي إلا بعدما بدأت أفهم الحقائق شيئا فشيئا. والدي من نسل العباس عم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ويقال لمجموعة من ينتسب إليه « عبابسة » باعتبار أن العباس عم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وكانت له عند الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله حظوة ، ويروون أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله قال « الفضل كله لي ولعمي العباس » وعند العبابسة كان والدي وإخوانه هم الخلفاء المتصدون للقضايا والأمور الدينية. إضافة إلى شيء آخر كان يتمتع به الوالد جعل له تلك المكانة في أفئدة الناس وهو ارتباطه بالطريقة الختمية التي تعتبر من الطوائف الصوفية الكبرى في السودان وكان والدي من المقربين والمساعدين لمرشد هذه الطائفة في منطقتنا وهو من الأشراف الذين ينتسبون إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله . وأبناء الشرق عموما كبقية أهل السودان من المحبين لأهل بيت النبوة. وكل من يتقرب إلى الرسول بجهة من الجهات يحترمونه ويعظمونه تعظيما للرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله لذلك تجدهم كثيرا ما ينخرطون في الطرق الصوفية التي تعتمد


كثيرا على الإخلاص في المودة لأهل البيت كما يرون.

اجتمعت لوالدي هذه الأشياء مع قوة شخصيته ، وتدينه ، والتزامه. فكنت أحس بهيبته وأنا بعد صبي ربما لا أميز جيدا لكن شخصيته وكينونته نقشت على قلبي وتركت أثرا بالغا علي ، حتى أنني كنت أقلده في كلشيء. لقد كان يعطي أوراقاكتبت عليها أدعية وآيات قرآنية للعلاج تسمى (محاية) لشرب مائها أو التبخر بها فصرت أفعل مثله وأمسك الورقة والقلم وأكتب عليها أحرفا غير مفهومة وأعطيها لإخواني إذا اشتكى أحدهم مرضا.

دخلت المدرسة وكان ترتيبي الأول دوما وطيلة بقائي في هذه القرية وكانت تكتمل فرحتي عندما أرى أثر السعادة في وجه والدي فأسرع إليهما كل مرة بالبشرى. وأبي يشجعني للمحافظة على هذا المستوى دون الوصول إلى الغرور مع تحذيره الدائم من حسد الآخرين والإصابة بالعين.

كنت قد بلغت التاسعة من عمري حين مرض والدي مرضا شديدا نقل على أثره إلى مدينة بورتسودان للعلاج هناك تصحبه أمي.

حينها شعرت بفراغ كبير لقد فقدت شيئا عظيما داخل قلبي. كما افتقده بيتنا ، فوهج نوره ووجوده كان يملأ البيت كأي رب أسرة يفيض بعاطفته على أهله وأولاده فيكسوهم بحنانه بات إخوتي وأهل القرية جميعا ، يترقبون العودة يعدون الليالي والأيام.

وبعد فترة ترقب وانتظار جاءنا الخبر يحمله عمي شقيق أبي لقد انطفأ ذلك السراج المضئ وانقلب بيتنا إلى بيت حزن يضج بالبكاء والنحيب وتوافدت جموع المعزين من أهل القرية بسرعة غريبة وتجمهروا أمام البيت. كنت مذهولا وكلما اقترب منا شخص يزداد نحيبا ويضمني وأخي الصغير إليه

لم نبق كثيرا في مسمار بعد وفاة الوالد وانتقلنا إلى منطقتنا الأصلية


« الكربة » وهنا أتممت دراستي الابتدائية ، ثم انتقلنا إلى مدينة بورتسودان لظروف الدراسة والمعيشة فإخوتي بعضهم يعمل وبعضهم يدرس في المدارس فكان لا بد من الانتقال إلى مدينة تتوافر فيها مقومات هذه الأمور.

بدأت في بورتسودان مرحلة جديدة من حياتي بين صخب المدينة وأجوائها التي تختلف تماما عن القرية. درست المتوسطة والثانوية ولم يكن لي هم في هذه الفترة سوى إنهاء الدراسة الجامعية والتخرج والانطلاق في الحياة حتى أستطيع مساعدة إخوتي في إعالة الأسرة.

مضت السنوات سراعا وأصبحت على أعتاب التخرج من الثانوية. امتحنت للشهادة فأحرزت نتيجة تؤهلني لدخول جامعة القاهرة بالخرطوم التي أصبحت فيما بعد جامعة النيلين. واخترت كلية الحقوق. كان اهتمامي الاجتماعي يفوق اهتمامي الأكاديمي ووجدت نفسي في هذا الجانب حيث تعرفت على الكثيرين واستفدت من التجارب.

بعد ذلك أصبحت رئيسا للاتحاد العام للطلاب السودانيين بالولاية الشمالية وكنت سعيدا بذلك لعلي أخدم الطلاب وأقدم شيئا يكون ذخرا لي في آخرتي خصوصا وأن أغلب الناس باتوا يعيشون في غفلة والساعة تقترب ولا ندري متى يدركنا الموت حينها لن تنفعنا تقوى آبائنا إلا بمقدار ما استفدنا مما قدموه لنا من نصح وإرشاد وتربية قويمة.

استقر بي المقام في العاصمة « الخرطوم » لأبدأ الدراسة الجامعية وفي أحد أحيائها حيث اخترت أن أسكن مع أقربائي كان يسكن أحد أبناء عمومتي وحيدا يكافح في الحياة بين الدراسة والعمل كان متدينا يعيش حياة سعيدة رغم أنه لا يملك شيئا من الوسائل المادية للسعادة وربما يختصر طعامه في اليوم بوجبة واحدة.


كنا نزوره باستمرار ـ لإعجابنا الكثير به وبخلقه وزهده ـ ونجلس معه ونحاوره كثير من قضايا الدين والموت والآخرة ، كان ينبوعا من العلم ، وحديثه معنا كان يخلق فينا روحا إيمانية ودفعة معنوية مضاعفة وذلك لمواجهة الحياة والزهد في الدنيا كنا نعجب من تدينه الذي ينبع من إخلاص قلما تجده عند أحد خصوصا في هذا الزمن الذي غلبت عليه المادية وأصبح الدين لعقا على ألسنة الناس يحوطونه ما درت معايشهم فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون ..

إحساسنا ونحن نتحدث إليه أننا نقف مع أحد أولئك الذين جاهدوا مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في بدر وأحد وحنين تخرج الكلمة من قلبه فنشعر بها في أعماق وجداننا ، كان كثير الصوم دائم العبادة لله تعالى أحيانا نبيت معه ليالي كاملة فنراه بالليل قائما قانتا يدعو الله ويتلو كتابه وفي الصباح يدعو الله بكلمات لم نسمع بها من قبل ، كلمات يناجي بها ربنا عز وجل هي بلا شك ليست لبشر عادي ، لأبدأنها من قول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ولكن عجبا لم نسمع بها من قبل ، ولم نقرأها ضمن مناهجنا الدراسية ولا في كتبنا الإسلامية فنضطر إلى سؤاله ما هذا الذي تقرؤه؟! فيجيبنا بأنه دعاء الصباح لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) فنوجم مبهوتين.

كثيرا ما كان يثير الحديث عن أهمية التدين والدين والبحث عن سبل النجاة قبل أن يأتي الأجل المحتوم وهذا الحديث كان يثير فينا إحساسا بالمسؤولية يؤرقنا فكنا نتحاشى فتح الحوار معه من الأساس. إلى أن جاء يوم ابتدأنا معه حوارا صريحا ـ بعد أن لاحت لنا في الأفق أشياء استغربناها ـ حول هذا الدين الذي يتعبد به إلى الله تعالى ، وأول معلومة ثبتت لدينا أنه جعفري إمامي اثنا عشري « شيعي »! وانطلقنا معه في حوارات قوية باعتبارنا متمسكين بمذهب أهل السنة والجماعة أولاً أقل (ذلك ما عليه آباؤنا ونحن على آثارهم سائرون) وكان


النقاش يمتد لساعات طويلة وكانت حجته قوية بينة مدعمة بالأدلة والبراهين العقلية والنقلية ، ولم يعتمد في طول حواره معنا على كتاب أو مصدر شيعي مما يعملون به بل كان يرشدنا إلى مصادر أهل السنة والجماعة لنجد صدق ادعائه ، ورغم أن حديثه وأدلته وبعض الكتب التي قرأناها كانت تحدث فينا هزة داخلية إلا أننا كنا نكابر ولا نظهر له من ذلك شيئا وعندما نجتمع بعيدا عنه كنا نأسف لحاله ونصفه بأنه مسكين ـ رغم تدينه المخلص ـ بدأ أول خطواته نحو هاوية الجنون لكونه شيعي إلى أنه أثبت لنا بعد حوار دام سنتين تقريبا بأننا كنا من المجانين الغافلين وأقام علينا الدليل والحجة بصحة ما هو عليه ، فما كان منا في النهاية إلا التسليم بعد البحث والتنقيب وانكشاف الحقائق.

( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) .


الفصل الأول

لماذا هذا الكتاب



ذهبت في يوم من الأيام إلى أحد أصدقائي لزيارته فأخذنا الحديث إلى حيث الشيعة والتشيع ، فتجاذبنا أطراف الحديث حول هذا الموضوع

وفي أثناء تداولنا للموضوع دخل علينا شاب في مقتبل العمر ألقى علينا تحية الإسلام ثم جلس وبدأ يستمع ونحن نواصل الحوار ، انتبهت إليه وقد بدت عليه علامات الحيرة ، ثم تدخل في النقاش بقوله : ـ يبدو أن بعض الفرق الضالة أثرت عليك يا أخي! وأخذ يتفنن في المهنة التي يجيدها وأمثاله من توزيع أصناف الكفر والضلال والزندقة على كل الطوائف الإسلامية عدا الوهابية ، كنت منذ دخوله قد علمت أنه وهابي وذلك من ثوبه الذي كاد أن يصل إلى ركبتيه من القصر قبل أن يتم كلامه ارتفع أذان المغرب توقفنا عن النقاش حتى نصلي ثم نعود بعد الصلاة.

بعد الصلاة بادرني قائلا : ـ من أي الفرق أنت؟! يبدو أنك من جماعة الشيعة!.

قلت : تهمة لا أنكرها وشرف لا أدعيه.

فما كان منه إلا أن أرعد وأزبد وثارت ثائرته.

قلت له ـ وقد تجمع بعض أقارب صديقي حولنا ـ إذا كان لديك إشكال تفضل بطرحه بأدب ولنجعله مناظرة مصغرة أو حوارا ـ وهو سلاحهم الذي يهددون به الآخرين اغترارا منهم بقوة مقدرتهم على الاحتجاج ـ.

وافق المغرور ، فقلت له : ـ من أين نبدأ؟ ما رأيك أن نبدأ بالتوحيد الذي تتمشدقون به وبسبب فهمكم الخاطئ له تضعون كل الناس في جبهة المشركين؟

فوافق أيضا وبدأ الحوار والجميع يستمع.

قلت : ـ ما تقولون في الله خالق الكون وصفاته.

قال : ـ نحن نقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ولا تجوز عبادة غيره.


قلت : ـ وهل يختلف اثنان من المسلمين في ذلك؟.

قال : ـ الجميع يقول بذلك ولكن تطبيقهم خلاف قولهم إذ أنهم في الواقع مشركون لأنهم يتوسلون بالأموات ويخضعون لغير الله ويشركون به في طلب الحاجات ، والخضوع لغير الله وغيرها من الأشياء التي ذكرتها تعني عبادة غيره تعالى.

قلت : حسنا طالما الجميع يقول بأن الله واحد أحد فرد صمد ولا يجوز عبادة غيره بأي حال من الأحوال فهذا جيد ويخرج الجميع من دائرة الشرك ، إلا إذا ثبت لدينا بالدليل القاطع أنهم يعبدون غير الله أو يشركون بعبادته أحدا حينها يكونون مشركين.

أما ما يفعلونه من أفعال مثل التوسل وتعظيم الأولياء واحترامهم فهذا ليس من الشرك فيشيء ، لأن العبادة تعني الخضوع والتذلل لمن نعتقد أنه إله مستقل في فعله لا يحتاج إلى غيره ، أما مجرد الخضوع والتذلل والاحترام فلا يعتبر عبادة وقد أمرنا به القرآن كالتذلل للوالدين والمؤمنين ، بل إن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم ، بناء على ذلك لا يكون احترام الأولياء وزيارة قبورهم والتوسل بهم وتعظيمهم شركا بالله لأنهم لا يرون أن هؤلاء آلهة مستقلون عن الله ، بل هم عباد أكرمهم الله بفضله ، فعطاؤهم من الله وليس لهم قدرة ذاتية مستقلة.

قال : ـ ولماذا يسألون الله مباشرة؟ هل هناك مانع وهو القائل ( أدعوني أستجب لكم ) ؟

قلت : ـ أيضا قال تعالى ( وابتغوا إليه الوسيلة ) (١) ثم إنك عندما تمرض لماذا تذهب إلى الدكتور؟ ألم يقل الله تعالى في كتابه ( وإذا مرضت فهو

ــــــــــ

(١) سورة بوسف : آية / ٣.


يشفين ) (١) أليس من أسمائه الشافي؟.

قال : ـ هذه ضرورة في الحياة.

قلت : ـ أيضا تلك سنة وسبب به تبتغي الحاجات والتفت إلى الحاضرين وقلت : ـ هل تجدون في كلامي هذا خطأ ، فأقروا بما قلت وزاد أحدهم وكان صوفيا : ـ هذه الأشياء موجودة من زمن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وسار عليها الصحابة والتابعون وكل المسلمين إلى أن جاء ابن تيمية وتلميذه محمد بن عبد الوهاب ببدعهم الجديدة هذه.

قال الوهابي : ـ إنكم تتحدثون بلا علم ، والوقت ضيق الآن فلنأخذ من الموضوع شيئا نتناقش حوله وفي وقت آخر أكون مستعدا لنتحاور أكثر من ذلك.

قلت : ـ عندي سؤال أخير حول التوحيد ماذا تقولون في صفات الله؟

قال : ـ نحن لا نقول إنما نصفه بما وصف به نفسه في القرآن.

قلت : ـ وبماذا وصف نفسه؟ هل قال بأنه جسم يتحرك أو أن له يدا وساقا وعينان؟.

قال : ـ نحن نقول بما جاء في القرآن لقد قال تعالى : ( يد الله فوق أيديهم ) وكثير من الآيات الأخرى التي تصف الله لنا فنقول إن لله يدا بلا كيف.

قلت : ـ إن قولك هذا يستلزم التجسيم والله ليس بجسم وهو ليس كمخلوقاته ، ثم ما هو الفرق بينكم وبين مشركي مكة أولئك نحتوا أصنامهم بأيديهم وعبدوها وأنتم نحتم أصناما بعقولكم وظلت في أذهانكم تعبدونا لقد جعلتم لله يدا وساقا وعينين ومساحة يتحرك فيها ( ما لكم لا ترجون لله

ـــــــــــ

(١) سورة طه : آية / ٩٩.


وقارا ) وبكلمة إن الآيات التي ذكرتها مجازية وترمز لمعان أخرى.

قال : ـ نحن لا نؤمن بالمجازات والتأويلات في القرآن.

قلت : ـ ما رأيك في من يكون في الدنيا أعمى هل يبعث كذلك أعمى؟

قال : ـ لا!.

قلت : ـ كيف وقد قال تعالى ( ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى ) وأنتم تقولون لا مجاز في القرآن. ثم إنه بناء على كلامك إن يد الله ستهلك وساقه وكلشيء مما زعمتموه ـ والعياذ بالله ـ عدا وجهه ألم يقل البارئ جل وعلا ( كلشيء هالك إلا وجهه ) و ( كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ) .

قال : ـ هذه الأشياء لا ربط بينها وبين ما نقوله.

قلت : ـ كلام الله وحدة واحدة لا تتجزأ ، وإذا استدللتم به على صحة قولكم ، يحق لي أن أنطلق منه لتفنيد هذا القول ، وأنتم تستدلون على مجئ الله مع الملائكة صفا يوم القيامة كما فهمتم من القرآن.

قال : ـ ذلك ما قاله الله تعالى في القرآن.

قلت : ـ المشكلة تكمن في فهمك للقرآن ، إن في القرآن آيات محكمات وأخر متشابهات فلا تتبع المتشابهات فتزيغ ، وإلا أين كان الله حتى يأتي؟

قال : ـ هذه أمور لا يجب أن تسأل عنها.

قلت : ـ دعك من هذا ألا تقولون أن الله ينزل في الثلث الأخير من الليل ليستجيب الدعاء.

قال : ـ نعم ذلك ما جاءنا عبر الصحابة والتابعين من أحاديث.

قلت : ـ إذا أين هو الله الآن؟!!

قال : فوق السماوات.


قلت : وكيف يعلم بنا ونحن في الأرض.

قال : بعلمه.

قلت : ـ إذا الذات الإلهية شيء وعلمه شيء آخر.

قال : ـ لا أفهم ماذا تقصد!

قلت إنك قلت إن الله في السماء وبعلمه يعلم بنا ونحن في الأرض ، إذا الله شيء وعلمه شيء آخر.

سكت متحيرا

واصلت حديثي : ـ أو تدري ماذا يعني ذلك إنه يعني الشرك الذي تصفون به الآخرين ، لأن الفصل بين الذات الإلهية والعلم واحد من اثنين إما أن العلم صفة حادثة فأصبح الله عالما بعد أن كان جاهلا وإما أنها صفة قديمة وهي ليست الذات كما تدعون فيعني الشرك لأنكم جعلتم مع الله قديما ، أو يأخذنا قولكم هذا إلى أن الله مركب ، والتركيب علامة النقص والله غني كامل سبحانه وتعالى عما يصفه الجاهلون.

عندما وصلت إلى هذا الموضع من الكلام قال أحد الحاضرين : ـ إذا كانوا يقولون بذلك فالله ورسوله منهم براء ، ثم التفت إلي قائلا : ـ ما تقول أنت حول هذا الموضوع ومن أين لك بذلك.

بينت لهم أن ما أقوله هو كلام أهل البيت (ع) وهو كلام واضح تقبله الفطرة ولا يرفضه صاحب العقل السليم ويؤكد عليه القرآن ، وأتيتهم ببعض خطب الأئمة حول التوحيد منها خطبة الإمام علي (ع) يقول : أول الدين معرفته ، وكمال معرفته التصديق به ، وكمال التصديق به توحيده ، وكمال توحيده الإخلاص له ، وكما الإخلاص له نفي الصفات عنه ، لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة ، فمن وصف الله فقد


قرنه ومن قرنه فقد ثناه ، ومن ثناه فقد جزأه ، ومن جزأه فقد جهله ، ومن جهله فقد أشار إليه ، ومن أشار إليه فقد حده ، ومن حده فقد عده ومن قال « فيم » فقد ضمنه ومن قال « علام » فقد أخلى منه » ثم شرحت لهم مقصود الخطبة.

قال بعض الحاضرين : والله إنه كلام بليغ سلس ومحكم. ثم اتفقت كلمتهم حول هذا الشاب المسكين أنه مخطئ في اعتقاده ويجب عليه مراجعة حساباته حتى لا يذهب إلى نار جهنم.

ثم دار النقاش حول الرسالة والرسول محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله والذي يدعون أنهم أولى الناس به وقد ثبت لي أنهم أبعد ما يكون عن نبي الرحمة صلى‌الله‌عليه‌وآله وعن معرفته فكيف يكونون أولى الناس به؟ وبالحوار انقطعت حجته وأصبح محل تهكم الآخرين ، وقبل أن نختم الحوار سألني محأولاً استفزازي : شيخنا ما رأيكم في الصحابة الذين نعتبرهم نحن من أولياء الله الصالحين؟ فقلت له : يا شيخ أول الدين معرفته ، وأنت لم تعرف الله فكيف تعرف أولياءه؟! وتواعدنا لمواصلة الحوار يوما آخر ، وفي ذلك اليوم جاء بوجه آخر ويبدو أنه أخذ جرعة قوية من مشايخه ـ وابتدأ هذه المرة بالشتم والسب أمام جمع من الحاضرين ، وطالبهم بعدم الجلوس معي ، ولا أبالغ إذا قلت أنه ظل ما يقارب الساعتين يسب ويشتم ويصرخ ويلوح بيده مهددا ومتوعدا بقتلي جهادا في سبيل الله ، ولا أدري من أين تعلم الجهاد وهو عمليا محرم عندهم خصوصا ضد الطواغيت ، ولعله لم يكن ملتفتا إلى أن دم الحسين (ع) ما زال يغلي في عروق الشيعة مع ذلك ـ ويعلم الله ـ فإنني لم أرد عليه لأنني على بصيرة من ديني وتعلمت من سيرة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله كيف أنه صبر على أذى كفار قريش ، وكيف أمروا صبيانهم بملاحقته وإيذائه وطلبوا من الناس ألا يستمعوا إليه وهكذا التاريخ يعيد نفسه.


لأجل ذلك عزيزي القارئ أقدم كتابي هذا إنه الحق يصرخ لنصرته ، لقد رأيت في عيون الذين حضروا حواري هذا التلهف لمعرفة الحقيقة ، وما زلت أراها في عيون كل الأحرار الذين يدفعون ثمن التضليل الإعلامي وتزييف الحقائق.

وعندما يشعر الإنسان قبل ذلك بلذة الانتصار على النفس الأمارة بالسوء ويبصر نور الحق شعلة براقة أمام ناظريه يتمنى أن يشاركه الآخرون هذا النور فيبين لهم طريق ذلك

وهذا الكتاب ما هو إلا إثارة لدفائن العقول وتحفيز الآخرين للبحث عن الحقيقة التي كادت أن تضيع بين مطرقة اقتفاء آثار الآباء ، والأجداد وسندان سياسة التجهيل التي مارسها العلماء في حق الأبرياء مثل هذا الشاب الذي أجريت معه الحوار ، إن هنالك الكثير ما يزال على فطرته يريد الحق ولكن يلتبس عليه الأمر فيتمسك بما اعتقده من باطل وأصبح جزء من كيانه يدافع عنه بتعصب مانعا الحقيقة أن تتسرب إلى عقله.

لقد من الله علي بالهداية بفضله وأدخلني برحمته إلى حيث نور الحق ، وشكرا لهذه النعمة يجب علي أن أبلغ للناس ما توصلت إليه.

لذلك أسطر هذه المباحث وأكتب هذا الكتاب إنه شعلة حق أخذتها من فاطمة الزهراء (ع) وأقدمها لكل طالب حق ، ولكل باحث عن الحقيقة.

ومن الأشياء التي ملأتني حماسا أكثر للكتابة ما أراه وأسمع به يوميا من هجوم شرس يشنه أعداء الإسلام على الأمة ، ومحاولاتهم المستمرة لتشويه صورة الدين الإسلامي النقية البيضاء التي أنزلت من قبل الله تعالى للبشرية وذلك بإثارة الفتن بين الطوائف الإسلامية ودعم الطفيليات الشيطانية التي غرست في جسد الأمة على حين غفلة ، فكانت وبالا عليها. وستري عزيزي القارئ ذلك واضحا إذا تعرفت على سر الافتراءات التي يرو جونها ضد أنصار الحق (الشيعة).


وحتى تضيع هوية المسلمين كما يريد أعداؤهم كان لا بد من وجود بعض أدعياء الدين في أوساطنا ، يتحدثون به وهم أبعد الناس عنه ، ويحملون المعاول لهدم الأمة من الداخل ومن أبرز هؤلاء ما يسمون بالوهابية « قرن الشيطان الذي خرج من نجد كما تقول الأحاديث الشريفة » بثقافتهم التي تقوم على تكفير الجميع إلا أذيالهم ، والمتتبع لسياستهم في تعاطيها مع واقع الأمة يدرك أنها ما كانت إلا لضرب الإسلام وتجريده من روحه وخصوصياته ، لقد رأيناهم في السودان وهم يحرمون العمل السياسي في فترة زمنية معينة ، ويلخصون كل شريعة السماء في حدود لا تتجاوز إطالة اللحية واللبس القصير وما أشبه ، مع وضع كل أعمال المسلمين في قائمة الشرك كان هذا هو مشروعهم الحضاري للأمة ولكن عندما رفعت الشعارات الإسلامية كمنهج للحكم ، وأصبحت هنالك جماعة إسلامية تتبنى العمل السياسي كضرورة دينية ملحة التفتنا ، فإذا بنا نرى المنابر السياسية المعارضة تنصب في مساجد الوهابية بالسودان والعمل الذي كان حراما أصبح واجبا ، بينما كنا في فترة سابقة نرى حانات الخمر أكثر من أفران الخبز دون أن تحرك الوهابية ساكنا ، ولكن قوى الاستكبار تعرف كيف تحرك خيوطها التي جعلتها متشابكة داخل الأمة.

ونراهم اليوم تركوا كل شيء وصاروا يلفقون التهم والافتراءات على شيعة أهل البيت (ع) ويسخرون كل إمكانياتهم ضد الشيعة  يكذبون عليهم يؤولون كلامهم يخفون حقيقتهم ، ولا أدري أين هم من القرآن الحكيم الذي نراهم يلقلقون به دائما وهم أبعد الناس عنه لأنهم لم يتدبروا آياته. كما لم يسعوا إلى إنزال الفكر القرآني إلى أرض الواقع فها هو القرآن يصدح ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ) .


ويقول تعالى ( قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) فأين هم من هذا الأدب الرفيع ، ولا نجد لهم هما وهم يمارسون الدعوة سوى التكفير والتشهير والكذب والافتراء ، والحديث حول الوهابية يطول ولنا معهم وقفة في مجال آخر إن شاء الله.

لهذه الأسباب وغيرها ارتأيت أن أكتب هذا الكتاب لأساهم في دفع الشبهات التي علقت في أذهان البعض ضد التشيع باعتباره الإسلام الصافي الذي به فقط تكون النجاة أمام الله سبحانه وتعالى ، وهو بحث للجميع لم أبحث فيه عن التكلف وتركيب المصطلحات التي يصعب على فئة من الناس فهمها وليس القصد منه استعراض العضلات بقدر ما هو مشعل نور لمن أراد الاستبصار والوصول إلى الحقيقة وإخراج العقل من سجن الأوهام إلى حيث حلاوة الإيمان ولذته.



الفصل الثاني

البحث في التاريخ ضرورة



البحث في التاريخ ضرورة

ونحن ندخل في خضم هذا البحث لا بد من سبر أغوار التاريخ والتعرف على مجريات الحوادث فيه لكن هنالك بعض الفئات التي تعتقد أنها بلغت مرحلة من التقوى والورع تثير شبهة تبلورها في شكل أسئلة تبرر التقاعس في البحث عن الحقيقة! وهي لماذا نبحث في شيء مضى وما هي الفائدة من إثارة مواضيع من زمان غابر؟ وأين هي الخلافة التي اختلف فيها علي (ع) مع أبي بكر؟! وأسئلة أخرى تصب في هذا الاتجاه توحي بأحد أمرين إما انحراف فكري عند صاحبها ، أو غبار وجهل يلفه وحتى تنقشع حجب الشبهات عن البعض سأتحدث في محورين : الأول التاريخ في القرآن ، والثاني تأثير التاريخ على حاضرنا ومستقبلنا كأمة إسلامية الواجب عليها بناء حضارة تقارع الحضارة المادية المهيمنة ثم أعقب بنماذج من انحرافات الأمم السابقة في القرآن الحكيم.

أولاً : ـ التاريخ في القرآن :

المتأمل في القرآن الحكيم يجد أنه كثيرا ما يتحدث عن قصص الماضين وبلا شك هذا ليس لغوا زائدا ولا هو كما يدعي البعض لتسلية النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله فقط ، بل هو بيان لثبات السنن الإلهية فيما يخص الصراع بين الحق والباطل ، ولو كانت هذه القصص خاصة بالرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله فقط لما كان منها فائدة تذكر بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى.

والله تعالى يقول ( نحن نقص عليك أحسن القصص ) (١) ويقول ( كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق ، وقد آتيناك من لدنا ذكرا ) (٢)

ـــــــــــ

(١) ـ سورة الأعراف : آية / ١٧٦.

(٢) ـ سورة يوسف : آية / ١١١.


ويقول ( فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ) (١) ويقول عز وجل ( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ) (٢) .

وغيرها من الآيات الواضحة التي تلفت انتباهنا للتفكر والتدبر في التاريخ ، وهذه النتيجة لا تحتاج إلى تفكر بل هي من البديهيات المسلمة ولكن البعض يرفضها بحجة أنها إثارة للفتن وكأنما القرآن هو المثير للفتنة ( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ) (٣) .

وإنني على يقين بأنه لو كان هنالك كتاب منزل من السماء بعد القرآن لقص علينا ما جرى بعد وفاة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله على أهل بيته من ظلم واضطهاد وتنحية عن مراتبهم التي رتبهم فيها الله عز وجل ، ولكن شاء الله بحكمته وإرادته أن يكون محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله خاتم الأنبياء والمرسلين والقرآن هو الدستور الحاكم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وبما أن الأمة تفرقت شيعا وطوائف وجب البحث في قضايا التاريخ عن جذر هذه الانحرافات الموجودة في الأمة ، وفي نهاية هذا الفصل سنذكر أمثلة من الانحرافات التي حدثت في الأمم السابقة والتي يمكن أن نجد لها مصداقا في واقع الأمة الإسلامية.

ثانياً : ـ التاريخ ضرورة للحاضر.

تفصل بيننا وبين النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله حقبة زمنية طويلة نحتاج فيها للتاريخ شيء نا أم أبينا فهو ضروري لفهم شريعة السماء ، وكل ما نتعبد به وصل إلينا عبر التاريخ ، القرآن والسنة والحديث والسيرة والفقه وغيرها فكيف

ــــــــــــــــ

(١) ـ سورة محمد : آية / ٢٤.

(٢) ـ سورة يونس : آية / ٣٢.

(٣) ـ سورة البقرة : آية / ٢٥٣.


يتسنى لنا طي هذه المسافة الزمنية التي تجاوزت الأربعة عشرة قرنا إذا لم نبحث التاريخ بلا شك إن العقلاء لا يقرون إهمال التاريخ وطيه وإغفال العبر والدروس التي يمكن استخلاصها منه.

ونحن أمة تهئ نفسها للانطلاق فلا بد لنا من النظر إلى التاريخ بعقل مستبصر ببصائر الوحي لا نقبله بعلاته على أساس أنه مقدس فنقدسه بأجمعه تقديسا أعمى ولا نرفضه كليا ، لأن تقديس التاريخ يقودنا إلى تكريس سلبيات السابقين لأننا نقدسهم فنتأسى بهم كما فعلت السلفية وهي نظرية لكنها في الواقع تصبح منهجا للعمل ينعكس على سلوكنا.

كيف يمكننا أن نقدس معاوية مع تقديسنا لعلي (ع) وهل يعقل أن نجعل الحسين بن علي ويزيد بن معاوية في كفة واحدة؟ إن التقديس الأعمى للتاريخ يجعلنا لا نفرق بين الظالم والمظلوم ، بين القاتل والمقتول ولا بين الطاغية والمجاهد. وبما أننا عرضة للخطأ ونحن نسعى لحمل أمانة السماء يجب علينا أن نتلافى المزالق التي وقع فيها السالفون ، ولا يمكن لنا أن نتلافاها إلا بتشخيصها وهذا يتطلب وضعها تحت مجهر البحث والتنقيب

ولأن تقديسنا ليزيد يعني إعطاءنا الشرعية له وبالتالي لكل طاغية في كل زمان ، لا بد لنا من رفض يزيد ليس لأنه ابن معاوية إنما لانحرافه عن الجادة فوجب علينا أن نفترق عنه وننزع قناع العظمة الذي ألبسه له من قدسه.

كما لا يمكننا إلغاء كل التاريخ أو الانتقاء منه بأهوائنا وشهواتنا ورغباتنا لأننا بإلغائه نلغي سنن القرآن والسنة بل كل الإسلام.

إذا عزيزي القارئ يجب علينا أن نتبصر أحداث ونقف على المنعطفات التي مرت عليها الأمة وأن نحدد من يصلح لنا قدوة من غيره حتى نستفيد لحاضرنا فنتقدم لمستقبل مشرق ، وبلا شك أمة لا تفرق بين معاوية


وعلي (ع) ولا بين الحسين (ع) ويزيد أمة لن تتقدم بل هذا أحد أهم الأسباب لتخلفنا الراهن.

وفيما أنا بصدده لا استغناء عن التاريخ الذي له المدخلية الأولى في فهم الانحراف الذي حدث في الأمة فتنكبت الطريق وبعدت عن الصواب أما أولئك الذين ينادون بعدم البحث في التاريخ بحجة إثارة الفتن وعدم جدوائية ذلك يخافون من انكشاف الواقع وفضح مأسي الأمة التي اختارتها بكامل إرادتها وهي تبتعد عن نهج الحق.

ولا يهمنا ونحن نبحث عن الحقيقة في صفحات التاريخ أن تتساقط الشخصيات ويتعرى البعض من هالته القدسية المصطنعة حوله ، لأنه لا ترجيح للشخصيات في ميزان الحق إلا لمن أخلص له والتزم به وحجتي إن شاء الله مما حفظه لنا التاريخ.

ثالثا ـ نماذج من انحرافات الأمم السابقة في القرآن الحكيم :

ذكر القرآن الكريم مرارا وتكرارا قصص الأنبياء والرسل السابقين لعلم الله تعالى بما سيجري في هذه الأمة كما جرى في الأمم السالفة وأكد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ذلك بحديثه الصحيح « لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم. قالوا : يا رسول الله : اليهود والنصارى؟ قال : فمن! ».

وعندما تتجول عزيزي القارئ في ربوع الآيات الكريمة وهي تقص عليك قصص السالفين ستجدها تتحدث في إطارين رئيسيين :


الاطار الأول : ـ تثبيت أن سنة الصراع بين الحق والباطل مستمرة ما دامت السماوات والأرض. ومما لا يخفى على الجميع خصوصا أولئك الذين استناروا ببصائر الوحي من القرآن الحكيم أن هنالك حقا وباطلا فلا يوجد حق نسبي ولا باطل نسبي إما حق أو باطل وما بينهما مساحة للباطل ( فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون ) (١) خصوصا وأن الصراعات التي تدور تكون بعد تبيين الحق ، وكما سنرى فإن القرآن بدقته وبلاغته يبين لنا هذه الحقائق. وإليك بعض الآيات الواردة في هذا الشأن :

( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ، ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ، ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد ) (١) .

تتحدث الآية الكريمة عن عدة أمور :

١ ـ عن الرسل والرسالات عموما :

إن كلمة رسول ورسل عندما تأتي في سياق الآيات المباركة غالبا ما يدور حديثها حول أمر يرتبط بالرسالة ، والاقتتال الذي يحدث بعد الرسل بين قومهم إنما هو انقلاب على الرسالة ، وظلال كلمة الرسول في مثل هذه الآية توحي بأن ظاهر الاختلاف ليس حول شخص الرسول إنما في رسالته يقول تعالى ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على

ــــــــــــ

(١) ـ سورة يونس : آية / ٣٢.

(٢) ـ سورة البقرة : آية / ٢٥٣.


أعقابكم ) (١) وبما أن رسولنا الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يدخل ضمن دائرة الرسل فإن الآية التي يدور الحديث حولها تشمل سيدنا محمدا صلى‌الله‌عليه‌وآله . خاصة وأن الآية السابقة تؤكد على صفة الرسالية وأنه صلى‌الله‌عليه‌وآله مرسل كما كان غيره مرسلين ( وإنك لمن المرسلين ) (٢) ويقول تعالى حاكيا عن لسان حبيبه محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله ( قل ما كنت بدعا من الرسل ) (٣) وبتقريب أكثر فإن السنن التي كانت في السابقين لن تتوقف عند أمة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله .

٢ ـ وعن التفضيل بين الرسل حتى لا يدعي مدع بأن الأفضلية لها دور في حماية الناس من الاختلاف بعد أفضل الأنبياء والمرسلين ، وكثيرا ما أسمع من البعض أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله خاتم الأنبياء وأفضلهم فكيف تختلف أمته من بعده.

صحيح أن نبينا الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله هو أفضل الأنبياء وأكملهم ولكن ذلك لا يجعل أمته خارج دائرة السنن الإلهية وهذا ما أكد عليه القرآن يقول تعالى ( سنة من قد أرسلنا من قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا ) (٤) ويقول ( فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا ) (٥) .

إن حدوث الاختلاف من بعده لا يقدح في أفضليته ، إنه كغيره من الرسل

ـــــــــــــــــ

(١) ـ سورة آل عمران : آية / ١٤٤.

(٢) ـ سورة البقرة : آية / ٢٥٢.

(٣) ـ سورة الأحقاف : آية / ٩.

(٤) ـ سورة الإسراء : آية / ٧٧.

(٥) ـ سورة فاطر : آية / ٤٣.


 الذين جاؤوا لأقوامهم حتى يخرجوهم من الظلمات إلى النور ولكن كل قوم كذبوا رسولهم وانقلبوا على رسالته من بعده وهو صلى‌الله‌عليه‌وآله ليس بدعا من الرسل كما أوضحنا بل إن نبينا صلى‌الله‌عليه‌وآله ، أوذي أكثر من غيره كما جاء عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلماذا لا يكون الاختلاف من بعده أكبر وأخطر من الاختلاف الذي كان في أقوام الرسل السابقين.

يقول ابن كثير (وقال هاهنا تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله) يعني موسى (ع) ومحمد صلى‌الله‌عليه‌وآله (١) وبناء على قوله هذا يكون الاختلاف بعد الرسل يشمل أمة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله .

من خلال الآية الكريمة نرى أن الاختلاف دائما ما يكون بعد أن تأتيهم البينات ويعرفوا الحق ويتبينوا الأمر بواسطة الرسول ، ومعنى ذلك أنه لا يجدي التمسك بشماعة التبرير المعروفة باسم « الاجتهاد ». والواقع العملي في أمة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله يرينا أن الاختلاف وقع فيها كالأمم السابقة وبعد أن بين لهم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله معالم الصراط المستقيم ونصحهم وهو القائل « ما منشيء يقربكم إلى الجنة ويبعدكم عن النار إلا وأمرتكم به ». يقول سيد قطب في تفسير الآية (ولم تغن وحدة جماعة الرسل في طبيعتهم ووحدة الرسالة التي جاؤوا بها كلهم لم تغن هذه الوحدة عن اختلاف أتباع الرسل حتى ليقتتلون من خلاف)(٢) .

٣ ـ وأن نتيجة هذا الاختلاف أن فريقا تمسك بالحق فآمن وآخر كفر ،

ــــــــــــــ

(١) ـ تفسير ابن كثير ج ١ ص ٢٦٣.

(٢) ـ في ظلال القرآن ج ١ ص ٢٨٤.


 وذلك يعني أنهم ليسوا في مرتبة واحدة أو أنهم جميعا على الحق.

لكن لماذا يكون الاختلاف بعد البينات؟ هذا ما تكفلت بالإجابة عليه مجموعة من الآيات التي تكررت في القرآن الكريم ليؤكد الله سبحانه وتعالى استمرار السنن في الأرض ويبين طبيعة الإنسان الظلمانية التي تنجذب دائما لرغباته وأهوائه وجهله

يقول تعالى : ( وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم ) (١) ، ( وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ) (٢) ، ( وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ) (٣) ، ( وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ) (٤) .

نجد أن الآيات القرآنية تربط دائما بين الاختلاف والبغي ، و (معناه) في اللغة كما جاء في لسان العرب لابن منظور : التعدي ، وبغى الرجل علينا بغيا : عدل عن الحق واستطال ومعان أخرى تدل على سوء النية وهي كما لا يخفى مغايرة لمعنى الاجتهاد الذي أصبح صكا يعصم كل المنحرفين عن المسألة والمحاسبة ٤ ـ كما نجد في هذه الآيات :

أن الاختلاف يكون بين الذين أوتوا الكتاب أي أنهم عالمون بالحق ويدركون جهته ولكنه البغي فتأمل أيها المؤمن وتدبر ، تلك آيات الله ( ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب ) (٥) .

الاطار الثاني : كثيرا ما يضع الفرد منا مباني يبني عليها طريقة تفكيره

ـــــــــــــــــ

(١) ـ سورة البقرة : آية / ٢١٣.

(٢) ـ سورة آل عمران : آية / ١٩.

(٣) ـ سورة الشورى : آية / ١٤.

(٤) ـ سورة الجاثية : آية / ١٧.

(٥) ـ سورة البقرة : آية / ١٩.


وتقييمه للأحداث وفي الغالب يكون نقاشنا لأي قضية من زاوية عاطفية أو بمنطق موروث مقدس لا يعطي للآخرين فرصة للحوار والنقاش ، ومثال ذلك الحديث الذي يدور حول الصحابة الذين عاشوا مع الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وبقوا حتى وفاته وامتدت أعمار بعضهم إلى أمد طويل هل يمكن وضعهم في ميزان العدالة لتصنيفهم أم أنه لا يجوز لنا ذلك باعتبارهم عاشوا مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وأخذوا منه الدين ولا يمكن نقدهم؟! لا أريد مناقشة نظرية عدالة الصحابة عند أهل السنة والجماعة الآن إنما ذلك متروك للأبواب الآتية التي سنناقش فيها ما حدث منهم بعد وفاة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله أما الآن فنحن بصدد أخذ بصائر من القرآن الكريم تفيدنا في بحثنا هذا ونستدل بقصتين تفصيليتين من الأمم السابقة ذكرتا في القرآن ثم نحاول أن نتدبر فيهما لنخرج بقاعدة كلية تعيننا في مسيرتنا هذه.

القصة الأولى : بلعم بن باعوراء مع نبيه موسى (ع).

يقول تعالى ( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ، ولوشيء نا لرفعناه بها لكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ) (١) .

يقول ابن كثير في تفسيره لهذه الآيات « هو رجل من بني إسرائيل يقال له بلعم بن باعوراء كان يعلم الاسم الأكبر وآتاه الله آياته وهو من العلماء من أتباع موسى (ع) بعثه إلى ملك مدين يدعوه إلى الله فأقطعه وأعطاه ، فتبع دينه

ــــــــــــ

(١) ـ سورة آل عمران : آية / ١٧٥ ـ ١٧٦.


 وترك دين موسى (ع)! » ويواصل ابن كثير في سرد قصته ويقول : « إن بني عمه أتوا إلى بلعم وقالوا له إن موسى رجل حديد ومعه جنود كثيرة وإنه إن يظهر علينا يهلكنا فادع الله أن يرد موسى ومن معه قال إن دعوت الله أن يرد موسى ومن معه ذهبت دنياي وآخرتي فلم يزالوا به حتى دعا عليهم » موسى وأتباعه « فسلخه الله مما كان عليه » وفي قوله تعالى ( لوشيء نا لرفعناه بها ) يقول ابن كثير « أي لرفعناه من الدنس عن قاذورات الدنيا بالآيات التي أتيناه إياها (ولكنه أخلد إلى الأرض) أي مال إلى زينة الحياة الدنيا وزهرتها وأقبل على لذاتها ونعيمها وغرته كما غرت غيره من ( أولى البصائر والنهي )»(١) .

يظهر جليا من خلال الآيات وكلام ابن كثير حولها أن بلعم هذا بلغ درجة من الإيمان والتقوى والورع حتى أعطي آيات الله والاسم الأعظم وذلك يعني أنه عالم كبير وكان من أتباع موسى (ع) ولكنه مال إلى أهوائه وشهواته واغتر بالدنيا فأضحى كالكلب.

هذه القصة ذات الأسلوب البليغ في السرد تعطينا بصيرة مهمة جدا نستطيع من خلالها أن نبدأ التوغل في عمق التاريخ بلا وجل ، فها هو القرآن ينسف قاعدة العدالة المطلقة والقدسية لغير المعصوم ، وهذه الآيات دلالتها واضحة على أن الإنسان مهما بلغ في العلم والتقوى بإمكانه في أي لحظة أن يخلد للأرض ويكفر بنعم الله تعالى وهذه نقطة مهمة إذ كثيرا ما تثار قضية عدالة الصحابة وأنهم لا يمكن أن يخونوا أمانات الله والرسول! وإذا سألتهم ما الدليل؟ قالوا : عاشوا مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وجاهدوا معه ، ولكن القرآن الحكيم الذي فيه نبأ من كان قبلنا وفصل الذي بيننا وخبر ما بعدنا بين هذا

ــــــــــــــــــ

(١) ـ تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج ٢ ص ٢٣.


 الأمر ، حتى ولو فرضنا محالا أن جميع الصحابة بلغوا مرحلة من التقوى والورع فإنه يبقى هنالك إمكان بعدم التزامهم بالحق حتى آخر نفس في حياتهم والحال أننا لم نسمع بأن أحدهم كان يملك الاسم الأعظم!!.

يبقى الأصل القرآني « إن جميع الخلق ما عدا المعصومين معرضون للزلزلة والابتلاء ومن ثم النجاح أو الفشل فيه فالانتقال من جهة الحق إلى الباطل حتى ولو بلغوا أعلى درجة من التقوى والمقياس الحقيقي هو الاستقامة في طريق الحق والالتزام به كاملا ».

بعد هذا لا أظن أن أحدا يحتاج أن يمد عنقه قائلا بعدم إمكان تخلي بعض الصحابة عن الحق في أي لحظة من دون أن ينكر حقيقة وقاعدة قرآنية ، ولكن بالإمكان السؤال عن مصداق ذلك في أمة نبينا محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله والتفصيل متروك لمحله.

يقول محمد علي الصابوني في تفسير آخر هذه الآية ( فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ) أي أقصص على أمتك ما أوحينا إليك لعلهم يتدبرون فيها ويتعظون)(١) فهلا تدبرنا واتعظنا.

 القصة الثانية : السامري وهارون مع بني إسرائيل :

قال الله تعالى ( قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى ، قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ، ألا تتبعن أفعصيت أمري ، قال يا بن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي ، قال فما خطبك يا سامري ، قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي ) (طه / ٨٣ ـ ٩٧).

ـــــــــــــــــ

(١) ـ صفوة التفاسير ج ١ ص ٤٨٢.


قبل أن نبدأ في شرح قصة السامري الذي انقلب على خليفة موسى « هارون (ع) » هنالك ملاحظة هامة نلحظها في القرآن الكريم وهي (التركيز على قصص بني إسرائيل) ترى لماذا هذا التركيز؟ لا بد من وجود حكمة تقتضي ذلك.

في الواقع هناك شبه كبير بين بني إسرائيل وأمة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولعل أبرز نقاط التشابه كما سيتضح من خلال الأحداث التاريخية ما جرى لموسى وهارون (ع) من بني إسرائيل وما جرى لمحمد صلى‌الله‌عليه‌وآله وعلي (ع) من هذه الأمة وقول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لعلي « أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي » له مغزى ودلالات عظيمة ، وما أورده ابن قتيبة في تاريخه الإمامة والسياسة يبين لنا جانبا من التشابه بين الأمتين يقول في معرض قصة طلب عمر من علي (ع) البيعة لأبي بكر بقي عمر ومعه قوم أمام بيت فاطمة (ع) فأخرجوا عليا فمضوا به إلى أبي بكر فقالوا له : بايع فقال : إن لم أفعل فمه؟ قالوا : إذا والله الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك. فقال : إذا تقتلون عبد الله وأخا رسوله إلى أن قال ابن قتيبة : فلحق علي بقبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يصيح ويبكي وينادي : يا بن أم إن القوم استضعفوني وكادوا أن يقتلوني(١) وهذا ما قاله هارون لموسى (ع).

أما السامري كما ورد في التفاسير ومجمل الكتب التي أوردت قصص الأنبياء فإنه ربيب جبرائيل تعهده منذ الصغر حينما كان فرعون يقتل كل ذكر يولد في بني إسرائيل ، ويوم نزل جبرائيل (ع) حتى يأخذ موسى إلى الميقات أخذ السامري قبضة من أثره وألقى به في جسد العجل المصنوع من الحلي فأصبح له

ــــــــــــــــــــــ

(١) ـ الإمامة والسياسة تاريخ الخلفاء : ج ١ ص ١٢.


 خوار. وما يهمنا من القصة أن السامري كان من أصحاب موسى (ع) وكما هو واضح بلغ مرتبة عظمي حتى قال (بصرت بما لم يبصروا به) وكان له من العلم ما لم يكن لغيره وحظي بمشاهدة جبرئيل واستطاع بكل ذلك أن يضل بني إسرائيل الذين اتبعوه باعتبار أنه ذو مكانة فسولت له نفسه الأمارة بالسوء فكان عمله الباطل الذي أضل به القوم

السؤال الآن ، هل يمكن أن نجد في تاريخ الأمة الإسلامية وواقعها بعد وفاة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله مصداقا لمثل هذا الانحراف؟ مع علمنا التام بأنه لا يوجد أحد من صحابة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كان يحلم برؤية جبرئيل على حقيقته ومعرفته وامتلاك بعض الأسرار الإلهية المكنونة في أثره صحيح أن جبرئيل كان يأتي للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في صورة رجل يسأله عن أمور الدين ولكن ما كان الصحابة يعرفونه إلا بعد مغادرته وبيان الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله فأين كان السامري وأين هم الصحابة؟.

وعند البحث في جذور انحراف الأمة بعد وفاة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله سترى مدى تطابق الأحداث التاريخية مع القصص القرآنية خصوصا قصة بني إسرائيل.

وفي ختام هذا الفصل (أعرض عليك عزيزي القارئ سببين رئيسيين يذكرهما القرآن لأنهما يمنعان الإنسان من الاهتداء إلى الحق ، أو الالتزام به بعد معرفته ، وهذان السببان يعترضان أي إنسان في أي مكان وأي زمان.

أولاً :

تقديس ما توارثناه عن آبائنا وأجدادنا وهي مشكلة كبيرة ذمها القرآن


باعتبارها عائقا وحائط صد منيع يجب تجاوزه خصوصا في مسألة الاعتقاد والتي نسأل عنها باعتبارها تكليفا عينيا بعيدا عن الانتماءات الأسرية والاجتماعية وغيرها

يقول تعالى : ( وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ) (١) .

( وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ، قل أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين ) (٢) .

( وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير ) (٣) .

وغيرها من الآيات التي تتحدث حول هذا الموضوع.

ثانياً :

الاستكبار بعد معرفة الصواب وهذه المشكلة كانت السبب الرئيسي في عدم اتباع الأمم لرسلهم وهي التي أخرجت إبليس من رحمة الله تعالى

يقول تعالى : ـ

( ويل لكل أفاك أثيم ، يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم ) (٤) .

ـــــــــــــــــــ

(١) ـ سورة البقرة آية / ١٧٠.

(٢) ـ سورة الزخرف : آية / ٢٣ ـ ٢٥.

(٣) ـ سورة لقمان : آية / ٢١.

(٤) ـ سورة الجاثية : آية / ٧ ـ ٨.


( أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون ) (١) .

( والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) (٢) .

( إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين ) (٣) .

هذه بعض العوائق التي تقف حائلا بيننا وبين معرفة الحق واتباعه والبحث الآتي بين طيات هذا الكتاب يحتاج لإزاحة مثل هذه الحجب وغيرها حتى يرى الإنسان الحقيقة كرؤيته للشمس في واضحة النهار والله المستعان.

ــــــــــــــ

(١) ـ سورة البقرة : آية / ٨٧.

(٢) ـ سورة الأعراف : آية / ٣٦.

(٣) ـ سورة الأعراف : آية / ٤٠.



الفصل الثالث

الشيعة والتشيع



الشيعة والتشيع

مجرد كلمة شيعي تعني لدى الكثير من الناس السب والشتم والضلال هكذا علموهم وهكذا فرضوا عليهم سياجا من الجهل ، يقولون لا تبحث عنهم لا تقرأ لهم. وعدنا إلى عهد معاوية حيث سب علي (ع) على المنابر سنة ، وتزداد المكافأة الملكية كلما أمعنت في لعن أبي الحسن وأهل بيته (ع) كلا نحن لم نعد ولكن الصراع الأيديولوجي هو الذي امتد إلى يومنا هذا ، ما زال علي يسب ، فقط تغير العنوان فأصبح الشيعة أما عوام الناس فدورهم فقط تلقي الأوامر « من أحبارهم » ، وهم تحت مظلة السنة والجماعة وهل هنالك من يرفض أن يكون مع السنة والجماعة ولكن أي سنة هي وأي جماعة؟ هل هي سنة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله أم أنها سنة من غير وبدل سنة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ وحتى لانتوه نتوقف قليلا لمعرفة هذه العناوين والمسميات ، ماذا تعني الشيعة ومن هم وما هي السنة والجماعة وذلك في لمحة موجزة

١ ـ التشيع لغة هو المشايعة أي المتابعة والمناصرة والموالاة(١) في القرآن الكريم : ( وإن من شيعته لإبراهيم ) .

واصطلاحا يراد بهم أتباع وأنصار آل البيت (ع) وهم الذين ناصروهم في كل محنهم وسلكوا مسلكهم ووالوهم ، يقول ابن خلدون « اعلم أن الشيعة لغة هم الصحب والاتباع ويطلق في عرف الفقهاء والمتكلمين من الخلف والسلف على أتباع علي وبنيه »(٢) .

تضاربت الآراء والأقوال لدى البعض حول بداية التشيع فهنالك من يرى

ـــــــــــــ

(١) ـ تاج العروس ولسان العرب مادة شيع.

(٢) ـ تاريخ ابن خلدون الفصل ٢٧ في مذهب الشيعة ص ٣٤٨.


 أن الشيعة تكونوا بعد وفاة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وممن يذهب إلى هذا ابن خلدون في تاريخه فقد قال : إن الشيعة ظهرت لما توفي الرسول وكان أهل البيت يرون أنفسهم أحق بالأمر وأن الخلافة لرجالهم دون سواهم من قريش ولما كان جماعة من الصحابة يتشيعون لعلي ويرون استحقاقه على غيره ولما عدل به إلى سواه تأففوا من ذلك الخ(١) ومنهم أيضا اليعقوبي في تاريخه وهو يقول ويعد جماعة المتخلفين عن بيعة أبي بكر هم النواة الأولى للتشيع ومن أشهرهم سلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري والمقداد بن الأسود والعباس بن عبد المطلب(٢) .

وهناك من يرى أن التشيع نشأ أيام الخليفة الثالث عثمان ومنهم من يقول أنه تكون أيام خلافة علي (ع) ورأي آخر يقول بظهور التشيع بعد واقعة الطف.

كل هذه الأقوال لا تثبت أمام التحقيق في كتب التاريخ والحديث والتفسير ، وربما يكون أقربها إلى الصواب الرأي القائل بأن التشيع بدأ بوفاة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ولكن يواجه هذا الرأي بسؤال وهو كيف يمكن أن تتبلور هذه الفكرة في ظرف أقل من أسبوع؟ إلا إذا كانت موجودة بالفعل ولكن الأحداث هي التي جعلتها تأخذ مكانها في الواقع الخارجي.

أما الشيعة وغيرهم من المحققين من المذاهب الأخرى فإنهم يذهبون إلى أن التشيع ولد حينما ولدت الرسالة على عهد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وإنه هو الذي غرسه في النفوس عن طريق الأحاديث التي وردت على لسانه صلى‌الله‌عليه‌وآله وكشفت عما لعلي (ع) من مكانة في مواقع متعددة رواها إضافة إلى الشيعة ثقاة أهل السنة ، ولقد وردت كلمة شيعة على لسان

ـــــــــــــــ

(١) ـ المصدر السابق ج ٣ ص ٣٦٤.

(٢) ـ تاريخ اليعقوبي.


 الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وإليك نماذج من النصوص التي وردت :

١ ـ في الدر المنثور للسيوطي ج ٨ ص ٥٨٩.

 روى عن ابن عساكر بسنده عن جابر بن عبد الله قال كنا عند النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله فأقبل علي (ع) فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : « والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة » فنزل قوله تعالى ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ) .

٢ ـ ابن حجر في الصواعق المحرقة الباب(١١) الفصل الأول الآية الحادية عشر : ـ

عن ابن عباس قال : ـ لما أنزل الله العالي ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية ) قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لعلي (ع) « هم أنت وشيعتك تأتون يوم القيامة راضين مرضيين ويأتي عدوك غضابا مقمحين ».

٣ ـ القندوزي الحنفي في ينابيع المودة ج ٢ ص ٦١.

عن أم سلمة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : « علي وشيعته هم الفائزون يوم القيامة ».

ومن المصادر التي ذكرت هذه الرواية في تفسير قوله ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) الخ الآية :

أ ـ تفسير الطبري ج ٣ / ١٤٦.

ب ـ روح المعاني للآلوسي ج ٣.

ج ـ كفاية الكنجي الشافعي ص ٢٤٤ ـ ٢٤٦.

وغيرها من المصادر.

والشواهد التاريخية كثيرة على ذلك ، فكل الحوادث التي شارك فيها علي (ع) أو الحسن والحسين (ع) تصف أصحابهم بأنهم من شيعتهم.


والشيعة الآن هم الذين يوالون أهل البيت (ع) ويأخذون منهم معالم دينهم أصولا وفروعا باعتبار أنهم حملة السنة ، والامتداد الطبيعي لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وبذلك يكونون هم الذين اتبعوا سنة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله والتزموا بتمسكهم بأئمة أهل البيت (ع) كما أمرهم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، والخلاف بينهم وبين أهل السنة ليس خلافا حول المسميات إنما القضية تختص بمنهج كل منهما وأيهما يمثل رسالة السماء.

أما بالنسبة لأهل السنة والجماعة فالسنة في اللغة تعني الطريقة والمنهاج.

واصطلاحا تعني كل ما صدر عن الرسول من قول أو فعل أو تقرير ويسمي السنة مذهبهم « أهل السنة والجماعة » ويقصدون بذلك أنهم أصحاب الطريقة المحمودة ولم يعرف هذا الاسم إلا مؤخرا حيث كان يعبر عن منهج أصحاب السقيفة في مقابل المناوئين لهم وهم علي وشيعته. وظلال اسم أهل السنة والجماعة توحي بأن الشيعة هم المخالفون للسنة الشريفة ولكن سنرى من الذي اتبع سنة المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآله حقا ومن الذي حرف وبدل وغير.

التشيع والفرس :

رغم أن التشيع هو عمق الإسلام وجوهره إلا أننا نجد بعض المأجورين يحاولون ربط التشيع بالفرس على نحو يحمل في طياته أنهشيء طارئ في الجسد الإسلامي اختلط بثقافة أهل فارس قبل الإسلام وفات هؤلاء أن التشيع كان قبل أن يدخل الإسلام إلى فارس كما سبق وأن بينا أن ولادة التشيع كانت مع بزوغ فجر الرسالة المحمدية ، ودخل إلى بلاد فارس من العراق ولبنان وغيرها من الدول العربية. ووجد فيها رجالا حملوا الأمانة كما كان سلمان الفارسي (رض).


وحتى تعم الفائدة نذكر لإخواننا السنة أن أغلب علمائهم من فارس ومنهم البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة والرازي والقاضي البيضاوي وغيرهم من فطاحل أهل السنة والجماعة.

والآن الكل يدعي تمسكه بسنة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله والفيصل هو أن نضع كلا الطائفتين في الميزان ونرى.

ظلال التشيع في السودان

بعد أن انتبهت من الغفلة وبدأ نور الحقيقة يكشف عن الواقع التفت إلى مجتمعي في السودان الذي يتميز بالبساطة والفطرية والأخلاق الدينية ، فوجدت أن هنالك أشياء أخرى بدأت تظهر لي بعد استبصاري وهو أن الخلفية الثقافية التي بني عليها الشعب السوداني نمط سلوكه وطريقة تفكيره خلفية شيعية بلا أدنى شك ، لاحظت ذلك في كل مفردة من مفردات الحياة العامة في الشارع السوداني بل إن معظم معتقداتهم تهتف بأن للتشيع جذورا عميقة في السودان وأذكر أن أحد الإخوة قال لي : ـ إن الصوفية ثمرة التشيع أو هم فرعان لأصل واحد بل الصوفية هم الشيعة في ثوب سني فقلت له : إذا السودان بلد شيعي انحرف به التيار.

وباطلاعي على التاريخ وجدت إشارات تبين هذه الحقيقة ، وأعتقد أن الدولة الفاطمية التي قامت في مصر لها الأثر في ذلك ، إذ أن حوض النيل الذي يربط بين مصر والسودان كان من العوامل المساعدة لانتقال التشيع إلى السودان في عهد الدولة الفاطمية وهي دولة شيعية وحب أهل البيت (ع) وما يرتبط بهم من عقائد بصورة مجملة من الثوابت الفكرية المشتركة بين مصر والسودان ومقامات أهل البيت (ع) في مصر وتسيير القوافل من السودان لزيارتها شاهد


على ذلك حتى قال أحد المشايخ في السودان ويدعى محمود البرعي وله قصائد كثيرة في مدح أهل البيت (ع) في إحدى قصائده « مصر المؤمنة بأهل الله » ويقصد أنها مؤمنة بأهل البيت (ع).

ولا أحد ينكر عمق المحبة لأهل البيت (ع) في مصر والسودان ، وأنا لا أستطيع أن أحصر كل تلك المظاهر ذات الجذور الشيعية ولكن ما وجدناه من آثار يدل على أن الشيعة انتقلوا إلى السودان يوما ما وكرسوا في نفوس الأجيال محبة أهل البيت (ع) دون أن يعلنوا عن عمق معتقدهم وربما يكون ذلك تخوفا بعد أن تذوق الشيعة الأمرين على طول التاريخ. ومما نستظهره من كتب التاريخ أن اعتماد الدولة الفاطمية في جيشها كان على السودانيين وكان الحرس الخاص لخلفائها منهم ، يقول ابن الأثير في تاريخه وهو يصف ما فعله صلاح الدين الأيوبي في أعوان الفاطميين إن مؤتمن الخلافة ـ كان من السودانيين ـ حاول أن يقضي على صلاح الدين الأيوبي قبل أن يسيطر تماما على البلاد ويهلك الحرث والنسل فعلم صلاح الدين بما دبر له فتربص بمؤتمن الخلافة واسمه جوهر حتى قتله ثم يقول ابن الأثير فغضب السودان الذين بمصر لقتل مؤتمن الخلافة ، فحشدوا وجمعوا فزادت عدتهم على خمسين ألفا وقصدوا حرب الأجناد.

وقع القتال « وكثر القتل في الفريقين فأرسل صلاح الدين إلى محلتهم المعروفة بالمنصورة فأحرقها على أموالهم وأولادهم وحرمهم فلما أتاهم الخبر بذلك ولوا منهزمين فركبهم السيف وأخذت عليهم أفواه السكك (إلى أن يقول) فأبادهم بالسيف ولم يبق منهم إلا القليل الشريد »(١) .

ـــــــــــــــ

(١) ـ الكامل في التاريخ لابن الأثير ، ج ١١ ، ص ٣٤٦ ـ ٣٤٧.


إذا لقد كان للسوادنيين حظوة في عهد الفاطميين ولم يكن ما حدث لهم إلا لأنهم تبنوا مشروع الدولة الفاطمية وهو الدعوة لأهل البيت (ع) ومقاومتهم لصلاح الدين الأيوبي المناوئ للشيعة أكبر دليل على ذلك « وقد كانت الثورة ضد صلاح الدين من قبل الجند الفاطمي وأكثرهم من السودانيين »(١) .

ويبدو لي أن لغلظة صلاح الدين وتحامله على الشيعة(٢) دور في اختفاء المظهر الشيعي المعلن ، ولا أشك كما ذكرت أن التوجه في السودان كان شيعيا ولكن بمرور الزمن وتوافد التجار العرب باتجاهاتهم المختلفة والخوف من سطوة الأيوبي كل ذلك كان له الأثر في تغيير الأجيال اللاحقة.

إن معرفة وصلة السودانيين بأهل البيت (ع) تتجلى في عدة مظاهر منها(١) .

(١) الولاء الديني والسياسي.

إن قطاعا كبيرا من الشعب السوداني ينتمي إلى طوائف صوفية تقود العمل السياسي والديني والتي غالبا ما يكون زعماؤها ممن ينتسبون إلى الرسول (صلى الله

ـــــــــــــــــــ

(١) ـ الدولة الفاطمية في مصر د. جمال الدين سرور ص ١٣٢.

(٢) ـ يقول الدكتور محمد جمال الدين سرور في كتابه الدولة الفاطمية في مصر ص ١٣٥ لما أيقن صلاح الدين أن سلطته قد استقرت وجه اهتمامه إلى القضاء على المذهب الشيعي في مصر فأنشأ سنة ٥٦٦ مدرسة لتدريس المذهب الشافعي وأخرى لتدريس المالكي وعزل قضاة الشيعة ونفس الكلام يورده ابن الأثير في تاريخه ج ١١ ص ٣٦٦. ولصلاح الدين الأيوبي الكثير من المجازر وسفك الدماء وانتهاك حرمات شيعة أهل البيت (ع) يقول الشيخ محمد جواد مغنية في كتابه الشيعة والحاكمون ص ١٩٢.

(٣) ـ مقاطع من دراسة للكاتب السوداني الطيب أحمد حسن في مجلة أهل البيت (ع) العدد الأول بيروت تحت عنوان أهل البيت (ع) تراث المسلمين في السودان.


عليه وآله وسلم) ، والارتباط العاطفي لهذا القطاع العريض بهذه الطرق على أساس أنهم ينتسبون إلى أهل بيت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولا توجد طريقة صوفية في السودان يجهل منتسبوها أهل البيت (ع) بل ويكنون لهم حبا واحتراما جما وللدلالة على ذلك نشير إلى بعض ما ورد في كتب الشريف يوسف الهندي مؤسس الطريقة الهندية كنموذج حي لما أسلفنا : ـ

(اللهم إنما نحمدك بجميع محامدك السنية ونسألك بذاتك وصفاتك والكتب القديمة والأديان. أن تصلي وتسلم على محمد وآله وصحبه في كل طرفة عين ، وعلى صالح آبائه وأزواجه وأبنائه والإخوان ، وعلى إمام الأئمة علي وسيدتنا فاطمة اللذين تخيرت منهما الذرية ، وابنيهما سيدي شباب أهل الجنة وريحانتي نبي هذه الأمة الحسنان ، وعلى أئمتنا علي زين العابدين ومحمد باقر العلوم الدينية وجعفر الصادق وموسى الكاظم قادة الإنس والجان وعلي الرضا ومحمد الجواد الهداة الهادية المهدية وعلي الهادي والحسن العسكري الخالص وارثي أسرار النبوة وعلوم القرآن وإمامنا المهدي صاحب البشارة الفاطمية الذي لا خير في العيش ولا في الحياة بعده لأهل الإيمان (نقلا عن المولد الكبير ص ٧٢ الشريف يوسف الهندي). ولم يكتف المؤلف بذكر أهل البيت (ع) ضمن مؤلفاته النثرية بل ضمنهم مجموعة من قصائده نذكر قصيدة جاء فيها :

الحسنين والإمام والزهراء في القتام

زين العابدين تمام القادات الهمام

الكاظم للكلام والراضي بالقسام

الهادي للأنام والباقر للظلام

آل البيت يا غلام أصل الدين والنظام

في المبدأ والختام بهم نيل المرام


ويقول في أخرى : ـ

سفن النجاة للملا بشهادة النص الأتم

هم النهى هم البهى هم التقى أهل الشيم

هم الشفاعة في غد هم السقاية في الملم

هم الهداية حاضرة والنور والقصد الأعم

الطاهرون من سوء أرجاس اللمم

والبيت الأخير دليل على اعتقاد الشاعر بعصمة أهل البيت (ع) عن اللمم فضلا عن غيرها من الذنوب والكبائر.

وهنالك الكثير من شعراء الصوفية الذي تخصصوا في مدح آل البيت (ع) وهذا أحدهم يسمى البرعي ومعروف في السودان يقول : ـ

هم أهل البيت الواضح سرهم

زرهم بمحبة لتنال من برهم

سيدي الحسين الثائر درهم

وعلي زين العابدين حبرهم

جعفرنا الصادق مع موسى صدرهم

أستاذنا الباقر في العلم بحرهم

في البر وبحرهم لله درهم

(٢) بعض الأسماء المنتشرة في السودان :

إن أهل البيت (ع) اختصوا بألقاب لم تكن معروفة من قبلهم وارتبطت بهم ارتباطا وثيقا وتناقلها محبوهم وأتباعهم جيلا بعد جيل وصارت أسماء متداولة وهي المرتضى (علي) والزهراء وبتول (فاطمة) حسن وحسين زين العابدين (السجاد) ، الباقر ، الصادق ، الكاظم رضا الهادي والمهدي وهذه الأسماء نجدها منتشرة في السودان بكثرة تلفت النظر. وربما يكون انتشار اسم المهدي نسبة


لمحمد أحمد المهدي الذي قام بثورة ضد الأتراك وطردهم من السودان وكون حكومة إسلامية وذلك باعتبار أنه المهدي المنتظر ، وأيا كان سبب انتشار الاسم يبقى جذر الاعتقاد بولاية أهل البيت (ع). وكل الأسماء المذكورة نجدها في السودان أكثر من الدول العربية الأخرى مما يدلل على عمق محبة السودانيين لأهل بيت النبوة (ع).

( ٣ ) كما أن هنالك العديد من القبائل التي تدعي انتسابها لأهل البيت (ع) ولا يعنينا البحث عن صحة مدعاهم وإنما نورد ذلك لدلالته على صدق قولنا حول عمق معرفة ومحبة الناس لأهل البيت (ع) ومن هذه القبائل العبدلاب ويذكرون أن نسبهم ينتهي إلى الإمام محمد التقي بن علي الهادي ، وقبيلة الركابية التي يرجع نسبها كما يذكرون إلى الإمام موسى بن جعفر الكاظم وهنالك أيضا قبيلة الجعافرة التي تنتسب إلى الإمام جعفر الصادق (ع) وغيرها من القبائل.

( ٤ ) الثقافة الشعبية :

إذا أراد أحد السودانيين أن يعبر عن مدى مظلوميته وبالغ الحيف الذي وقع به يقول : (أنا مظلوم ظلم الحسن والحسين) وربما لا يدرك البعض رغم ترداده لهذه المقولة من الذي ظلم الحسن؟ ومن الذي ظلم الحسين؟ وكيف ظلما إنما هو يردد جزءاً من الموروث الثقافي الشعبي في السودان ، ومن ناحية أخرى لا يكاد أحد منا في صغره لم يسمع شيئا من أبويه أو جدية عن سيف علي الكرار وشجاعة حيدر الكرار وشعر المدائح السوداني يفيض بهذه المعاني.


الفصل الرابع

بنور فاطمة اهتديت



حوار في بداية الطريق

كنت قلقا جدا وأنا أحاول تجنب أي حوار مع ابن عمي حول هذا المذهب الجديد الذي تجسد في سلوكه أدبا وأخلاقا ومنطقا مما جعلني أفكر في أنه لا غضاضة في النقاش معه حول أصل الفكرة رغم قناعتي بأن ما يؤمن به لا يتجاوز أطر الخرافة ، أو ربما نزوة عابرة جعلته يتبنى هذه الأفكار الغربية.

قلقي كان نابعا من تخوفي لأن أتأثر بفكرته أو ربما أجد أنها تجبرني على الاعتراف بها وبالتالي أخالف ما عليه الناس وما وجدت عليه آبائي وسأكون شاذا في المجتمع وربما اتهمت بأني مارق من الدين كما أتهم.

ولكني تجاوزت كل ذلك وقررت أن أخوض معه حوارا لعلني أجد منفذا أزعزع من خلاله ثقة هذا الرجل بما يعتنقه خصوصا وأنني قرأت كتبا لا بأس بها ضد الشيعة والتشيع ومنها كان المخزون الذي من خلاله أنطلق لجداله فبدأت معه الحوار.

قلت له : الآن أنت تركت ما كان عليه الناس وأصبحت شيعيا فما هي الضمانات التي تمنعك من أن تغير مذهبك غدا؟

قال : الآية الكريمة تقول ( قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) وأنا من أنصار الدليل أينما مال أميل وقد أفرغت وسعي وتوصلت إلى أن الطريق المستقيم هو مذهب أهل البيت (ع) والدليل على صحته أن الأدلة التي يسوقها أصحابه مما اتفق عليه جميع المسلمين.

قلت : لكن لماذا لم يكتشف غيرك هذه الحقيقة؟

قال : أولاً : من قال لك أنه لا يوجد غيري! وثانياً وصول غيرك للحقيقة أو عدمه ليس دليلا على صحة أو خطأ ما توصلت إليه ، إن المسألة تكمن في نفس
وجدان الحقيقة والحق ومن ثم اتباعه ولا شأن لي بغيري لأن الله يقول ( يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ) (سورة المائدة / ٥).

قلت له : لو افترضنا صحة مذهب الشيعة ذلك يعني أن ٩٠ % من المسلمين على خطأ لأن كل المسلمين يؤمنون بمذهب أهل السنة والجماعة. فأين هذا التشيع من عامة الناس؟

قال : الشيعة ليست بهذه القلة التي تتصورها ، فهم يمثلون غالبية في كثير من الدول ، ثم إن الكثرة والقلة ليست معيارا للحق بل القرآن كثيرا ما يذم الكثرة يقول تعالى ( ولكن أكثركم للحق كارهون ) (سورة الزخرف : آية / ٧٨) ويقول ( ولا تجد أكثرهم شاكرين ) (سورة الأعراف : آية / ١٧) ( وقليل من عبادي الشكور ) ، (سورة سبأ : آية / ١٣) ، وبذلك لا تكون الكثرة دليلا على أنهم على حق.

أما التشيع كمنهج سماوي فهو موجود بدليل أنني شيعي ، وإذا وجه الإشكال إلى عدم انتشار التشيع فهذا يتوجه أيضا لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في أول دعوته وحتى وفاته إذ أن الإسلام لم يكن منتشرا ومع ذلك فهو الحق المنزل من قبل الله تعالى.

قلت متعجبا : وهل تريدني أن أسلم بأن آباءنا وأجدادنا الذين عرفناهم متدينين طريقهم غير الذي أمر به الله.

ابتسم قائلا : أنا لست في مقام بيان وتقييم أحوال الماضين فالله أعلم بهم ولكن أذكرك بأن القرآن يرفض أن يكون الأساس في الاعتقاد تقليد الآباء والأجداد يقول تعالى : ( وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ) (سورة البقرة : آية / ١٧٠).

شعرت بأن الحوار قد أخذ منحى عاما وأن حجته بدت في هذا المجال قوية


ومدعمة بآيات قرآنية فقررت أن أناقش معه مفردات معتقده التي قرأت نقدها من الكتب وتركتها كورقة أخيرة في النهاية لأني على ثقة من أنه لا يستطيع الإجابة عليها ، ولقد أضفت إليها رأيي الخاص ، ولأغير مجرى الحديث إلى حيث أريد قلت له : حسنا ماذا تقول الشيعة؟!

هنا اعتدل في جلسته وقال : الشيعة يقولون أن هذا الدين الخاتم لا يجوز لنا أخذه إلا عن طريق أئمة أهل البيت (ع) ويعتبرون أن هذا هو عين التمسك بسنته صلى‌الله‌عليه‌وآله وهو المطلوب من كل إنسان. قلت ساخرا : كلنا نتبع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ولا أحد يرى أنه خلاف ما جاء به عليه أفضل الصلاة والسلام.

قال : الأمر ليس مجرد ادعاء إنما يجب إثبات ذلك بالدليل ، ونحن كشيعة نرى أن المسألة الأساسية التي ابتليت بها الأمة هي مسألة الإمامة والقيادة بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله والتي اختص بها علي (ع) كوصي وخليفة ومن بعده أئمة أهل البيت (ع) ، وواحدة من مستلزمات هذه الوصاية والإمامة الخلافة السياسية ، ومن أهل البيت فقط يصح أخذ الدين أما ما أخذ من غيرهم فلا نقول أنه باطل مطلقا ولكنه حق مخلوط بباطل ونحن مأمورون بأخذ الحق فقط دون غيره.

قلت : وما جدوائية البحث حول قضية مرت عليها قرون وهل يفيدونا إذا ما كان علي هو الخليفة أم أبو بكر؟! سكت قليلا ثم قال :

عندما ننظر يا أخي لكل مشكلة يجب البحث عن جذور تلك المشكلة حتى نحللها ، وما عليه المسلمون اليوم من فرقة وشتات وضياع إنما هو ناتج عن ذلك اليوم الذي حجبت فيه الخلافة عن علي بن أبي طالب وأعطيت لغيره بلا حق ، ومن هناك ابتدأ افتراق الأمة والآن أنا أمامك أقول لك أن الشيعة على حق وأنت


ترى خلاف ذلك ، من هنا جاءت ضرورة البحث في الماضي لنعرف أين الأصل ومن الذي خالف

هنا أخذتني العزة وقررت الهجوم عليه من كل جانب فانهلت عليه بالأسئلة مقاطعا :

ـ إذا أنتم تشككون في الصحابة؟!

أجاب بهدوء : نحن لسنا في مقام التشكيك في أحد ما نقوله أن كل من اتبع الحق من الصحابة أو غيرهم على رؤوسنا نقدسهم نحترمهم وكل من خالف النهج السماوي القويم فلن نسمح لأنفسنا أخذ معالم ديننا منه.

ـ لا أريدك أن تناقشني في عموميات! من غير المعقول أن كل الصحابة الذين بايعوا أبا بكر خالفوا قول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ! أتدري ماذا يعني ذلك؟

يعني أن نشكك في كل ديننا. فكيف تجوزون لأنفسكم ذلك وأرجو ألا تستعمل معي التقية المعروفة عندكم.

أجاب : أولاً : التقية شرعية من الكتاب والسنة ولها مجالها ، وهي ليست واجبة في كل الأحوال إنما لها ظروفها الخاصة ، وأنا لا أمثل كل الشيعة ، بإمكانك أن تطلع على كتب الشيعة فلن تجد غير كلامي هذا ، أما بالنسبة للصحابة فالأمر لا يصل إلى مستوى التشكيك في الدين إلا إذا كان الدين عندك ملخصا في الصحابة

قاطعته : إنهم هم الذين نقلوا لنا الدين.

قال : بحثنا الآن حول نقلهم وهذا أول الكلام وبيت القصيد أنتم تجرحون الرجال في علم الجرح والتعديل وتبدأون عملية معرفة أحوال الرجال من القرون المتأخرة بعد عهد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ونحن الشيعة نبدأ ممن كان حول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله لأن منهم من كان منافقا وآخر كان


 لا يفقه شيئا وهكذا ، أضف إلى ذلك من الذي قال أن الجميع قد بايع أبا بكر ، ارجع لكتب التاريخ ستجد أن أول المعترضين كان عليا (ع) ومعه مجموعة من الصحابة.

قلت : لو كان الأمر كما تدعون لنصر الله عليا وخذل أبا بكر وهذا دليل على أن الله اختار للأمة أبا بكر.

قال : بقولك هذا تلغي فلسفة الابتلاء التي يمتحن الله بها العباد. إن الله يبين الطريق للناس فقط ثم يدعهم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ، والله لا يجبر الناس وإلا نكون من الذين يقولون بالجبر فنسقط الثواب والعقاب ، ونتيجة كلامك هذا أن أي شخص يتحكم في رقابنا يجب أن نهتف له ونعتبره تأييدا من الله وهذا ما لا يعقل.

ورميت آخر سهم في جعبتي قائلا : إنكم تغالون في أهل البيت وتقولون أنهم معصومون ، كما أنكم تبيحون زواج المتعة وتجمعون في الصلاة وتصلون للحجر والأخير رأيته بعيني يعني لم أقرأه في كتاب فقط.

قال : أخي هذه فروع بإمكاني أن أناقشها معك ولكن من المنهجية أن تبحث أولاً حول الأصل الذي يتبعه الفرع أوتوماتيكيا ، فأنت عندما تريد أن تدعو شخصا غير مؤمن بالله إلى الإسلام لن تبدأ معه بكيفية الوضوء والصلاة بل لا بد من إقناعه بوجود الله تعالى ثم النبي ثم تفرع على ذلك.

فأطلب منك أخي أن تبحث بتجرد وستري نور الحقيقة. انتهينا من جلسة الحوار هذه وأنا متعجب من هذه الثقة التي يملكها ، وفكرت في البحث ولكن ليس لكي أقتنع وإنما لأملك أدلة أقوى أدحض بها حججه ، وبعد فترة قررت ألا أدخل معه في نقاش حتى أكون بعيدا عن المشاكل وحتى لا أتأثر بهذه الأفكار الغريبة والتي أرى شخصا عن قرب يتبناها.

ثم كانت البداية التي جعلتني أنطلق في البحث.


البداية

« تسرون حسوا في ارتغاء وتمشون لأهله وولده في الخمر والضراء ، ونصبر منكم على مثل حز المدى ووخز السنان في الحشى ، وأنتم الآن تزعمون لا إرث لنا أفحكم الجاهلية تبغون؟ ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون؟ أفلا تعلمون؟ بلى قد تجلى لكم كالشمس الضاحية أني ابنته ، أيها المسلمون!! أأغلب على إرثي.

يا بن أبي قحافة! أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي لقد جئت شيئا فريا أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم؟ إذ يقول ( وورث سليمان داوود ) وقال فيما اقتص من خبر زكريا ـ إذ قال ( فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب ) وقال ( وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) وقال ( إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين ) وزعمتم أن لا حظوة لي ولا إرث من أبي أفخصكم الله بآية أخرج أبي منها؟ أم تقولون إنا أهل ملتين لا يتوارثان؟ أولست أنا وأبي من أهل ملة واحدة؟ أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي؟ فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك. نعم الحكم الله والزعيم محمد والموعد القيامة وعند الساعة يخسر المبطلون ولا ينفعكم إذ تندمون.

بنور فاطمة اهتديت

كلمات كالسهم نفذت إلى أعماقي. فتحت جرحا لا أظنه يندمل بسهولة ويسر ، غالبت دموعي وحاولت منعها من الانحدار ما استطعت!.

ولكنها انهمرت وكأنها تصر على أن تغسل عار التاريخ في قلبي ، فكان التصميم للرحيل عبر محطات التاريخ للتعرف على مأساة الأمة وتلك كانت هي


 البداية لتحديد هوية السير والانتقال عبر فضاء المعتقدات والتاريخ والميل مع الدليل.

كان ذلك في الدار التي يقيم فيها ابن عمي الشيعي! جئت لتحيته والتحدث معه عن أمور عامة لحظة ثم لفت انتباهي صوت خطيب ينبعث من جهاز التسجيل قائلا « وهذه الخطبة وردت في مصادر السنة والشيعة وقد ألقتها فاطمة الزهراء لتثبيت حقها في فدك ، ثم بدأ الخطيب في إلقاء الخطبة.

إلى حين استماعي لهذا الشريط لم أكن على استعداد للخوض في قضايا خلافية مذهبية. قد عرفنا أن الأخ ـ ابن عمي ـ شيعي وسألنا الله أن يهديه ، وكنا نتحاشى الدخول معه في نقاش بقدر استطاعتنا. وذلك بعد الحوار الذي مر في بداية هذا الفصل. ولكن أبى الله سبحانه وتعالى إلا أن يقيم علينا حجته.

بصوت هادئ جميل بدأ الخطيب في الخطبة وتدفق شعاع كلماتها إلى أعماق وجداني ، وضح لي أن مثل هذه الكلمات لا تخرج من شخص عادي حتى ولو كان عالما مفوها درس آلاف السنين ، بل هي في حد ذاتها معجزة. كلمات بليغة عبارات رصينة ، حجج دامغة وتعبير قوي تركت نفسي لها واستمعت إليها بكل كياني وعندما بلغت خطبتها الكلمات التي بدأت بها هذا الفصل لم أتمالك نفسي وزاد انهمار دموعي. وتعجبت من هذه الكلمات القوية الموجهة إلى خليفة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ومما زاد في حيرتي أنها من ابنة رسول الله فماذا حدث؟ ولماذا وكيف؟!! ومع من كان الحق وقبل كل هذا هل هذا الاختلاف حدث حقيقة؟ وفي الواقع لم أكن أعلم صدق هذه الخطبة ولكن اهتزت مشاعري حينها وقررت الخوض في غمار البحث بجدية مع أول دمعة نزلت من آماقي وفي هذا المنحى لا أريد أن أسمع من أحد ، فقط أريد


خيط البداية أو بداية الخيط لأنطلق ، ولم تكن الخطبة مقصورة على ما ذكرته من فقرات بل هي طويلة جدا وفيها الكثير من الأمور التي تشحذ الهمة لمعرفة تفاصيل ما جرى وظروفه الموضوعية المحيطة به.

انتهى الشريط ، كفكفت دموعي محأولاً إخفاءها حتى لا يحس بها ابن عمي ، لا أدري لماذا؟ ربما اعتزازا بالنفس ، ولكن هول المفاجأة جعلني أنهمر عليه بمجموعة من الأسئلة وما أردت جوابا ، إنما هي محاولة للتنفيس وكان آخر أسئلتي إذا كان ما جاء في بعض مقاطع الخطبة صحيحا فهل كل ذلك من أجل فدك قطعة الأرض؟!أجابني : عليك أولاً أن تعرف من هي فاطمة ثم تبدأ البحث بنفسك حتى لا أفرض عليك قناعتي وأول مصدر تجد فيه بداية الخيط صحيح البخاري ، وناولني الكتاب فكانت المفاجأة التي لم أتوقعها.

ماذا بين أبي بكر وفاطمة (ع)؟

أخرج البخاري في صحيحه الجزء الخامس (ص ٨٢) في كتاب المغازي باب غزوة خيبر قال : عن عروة عن عائشة أن فاطمة بنت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من أبيها مما أفاء عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر فقال أبو بكر : إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : « لا نورث من تركناه صدقه إنما يأكل آل محمد من هذا المال إلى أن يقول البخاري فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئا فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته ولم تكلمه حتى توفيت وعاشت بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ستة أشهر فلما توفيت دفنها زوجها علي ليلا وصلى عليها ولم يؤذن بها أبا بكر ».


وأورد مسلم في صحيحه ذات الواقعة مع تغيير طفيف في الألفاظ يقول « فغضبت فاطمة » بدل كلمة وجدت(١) .

من هاتين الروايتين وغيرهما نستخلص الآتي :

أولاً : هذه الحادثة التي وقعت بين فاطمة بنت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله والخليفة الأول حقيقة لا يمكن تكذيبها ولا الإعراض عنها لأنها مثبتة في متن أكثر الكتب صحة واعتمادا عند أهل السنة والجماعة بل في كل المصادر التاريخية والحديثية كما سيأتي بيانه لاحقا.

ثانياً : إن الحادثة لم تكن خلافا عابرا أو سوء تفاهم بسيط بل هي مشكلة كبرى هذا ما نلمسه من كلمة « فوجدت فاطمة على أبي بكر » أو بتعبير مسلم « فغضبت فاطمة » فالغضب والوجد معناهما واحد ، محصلة أن فاطمة غضبت غضبا شديدا على أبي بكر بالرغم من قول الخليفة بأن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله قال « لا نورث » ولكن فاطمة غضبت.

ثالثا : إن غضب الزهراء كما أنه لم يكن قليلا في حدته لم يكن قصيرا في مدته بل استمر حتى وفاتها كما يقول البخاري نقلا عن عائشة « فهجرته ولم تكلمه حتى توفيت » وهذا معنى جلي في أن حالة الغضب والخلاف استمر إلى وفاتها بل إلى ما بعد ذلك إذ أن أبا بكر لم يصل عليها ودفنت ليلا سرا بوصية منها كما سنبين.

رابعا : غضب الزهراء لم يكن منصبا فقط على أبي بكر بل شمل الخليفة الثاني بدليل عدم ذكره ضمن المصلين عليها ، وسيتضح أثناء البحث أن موقف

ـــــــــــــــ

(١) ـ صحيح مسلم كتاب الجهاد باب قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لا نورث ص ١٥٣ وكذلك أورده البخاري في كتاب فرض الخمس باب فرض الخمس.


 أبي بكر وعمر واحد يعني موقف الزهراء منهما وموقفهما منها ، يقول ابن قتيبة في تاريخه « دخل أبو بكر وعمر على فاطمة فلما قعدا عندها حولت وجهها إلى الحائط إلى أن يقول فقالت : أرأيتكما إن حدثتكما حديثا عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله تعرفانه وتعملان به؟ قالا : نعم فقالت نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : رضا فاطمة من رضاي وسخط فاطمة من سخطي ، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني ومن أرضاها فقد أرضاني ومن أسخطها فقد أسخطني.

قالا : نعم سمعناه من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قالت : فإني أشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني ولئن لقيت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لأشكونكما إليه ، ثم قالت : والله لأدعون عليكما في كل صلاة أصليها »(١) .

كل هذه الحقائق جعلت الدنيا مظلمة لدي وفور توصلي إليها قفز إلى ذهني ألف سؤال وسؤال لا أدري ماذا أفعل وكيف أفكر وإلى من ألجأ؟!! إنها بضعة المصطفى الصديقة فاطمة ، أقرأ فإذا بها عاشت بعد أبيها في حالة غضب إلى أن ماتت كيف ولماذا!! الطرف الآخر الذي غضبت عليه الزهراء إنه الخليفة الأول الصديق الخليل لقد كان يحب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كما علمونا ـ أكثر من نفسه فكيف يفعل بالزهراء شيئا يغضبها؟.

كيفما كانت التساؤلات ومهما كان التبرير هاهي فاطمة (ع) كما وجدت بين طيات الكتب غاضبة على الخليفتين وكما سأبين لك عزيزي القارئ في الفصول القادمة وبرغم كل الحواجز قررت مواصلة البحث

ــــــــــــــــ

(١) ـ الإمامة والسياسة « تاريخ الخلفاء » ص ١٢ ـ ١٣.


والتنقيب على ألا أجعل بين نفسي والحقائق حجاب الخوف أو الرهبة أو التبرير ومضيت في طريق ربما كان شائكا في بدايته ولكني بفضل بركات الصديقة الطاهرة وصلت إلى شاطئ اليقين ، ومعها ـ روحي فداها ـ كانت البداية المفجعة والنهاية الممزوجة بحلاوة الإيمان وقمة المعرفة.

وسأبدأ معك عزيزي القارئ محطة فمحطة ولننطلق من تعريف شخصية فاطمة (ع) من خلال فضائلها التي سطرها الوحي بأحرف من نور وكللها النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بصدق حديثه وهو الصادق المصدق فكانت كلماته حول فاطمة ذات دلالات ومعان نحاول أن نستقصيها في هذه الصفحات وبلا شك لن نستوعب كل ما جاء من مناقب وفضائل عن الزهراء (ع) لكني سأحاول سرد ما يفيدنا في بحثنا هذا ومن ثم نتعرف على الحقائق المحيطة بفاطمة (ع) والتي بنورها وبركاتها اهتديت وخرجت من ظلمات الجهل إلى رحاب نور أهل البيت (ع).

فاطمة (ع) في القرآن

كثيرة هي الآيات التي تحدثت عن قدسية الزهراء (ع) ومكانتها السامية سنختار هنا بعضا منها.

الآية الأولى :

قوله تعالى ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) (سورة الأحزاب : آية / ٣٣).

تشمل هذه الآية المباركة فيمن تشمل السيدة فاطمة الزهراء (ع) بل هي محور الآية وأساسها لأنها نزلت في أهل بيت النبوة ، ولنا حديث مع أولئك


الذين حاولوا إدخال البعض من غير أهل البيت في نطاق الآية ، وما يهمنا الآن هو أن الزهراء معنية بهذا الخطاب الإلهي ولقد فصلت السنة في سبب نزول الآية وفيمن جاءت.

لقد أورد مسلم في صحيحه أن الآية محل النقاش نزلت في خمسة : النبي (صلى عليه وآله وسلم) وعلي وفاطمة والحسن والحسين (ع) وذلك في كتاب فضائل الصحابة باب فضائل أهل البيت وهو الحديث المعروف بحديث الكساء كما أنه اشتهر عند أهل بيت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بأهل العباءة أو الكساء وهذا من المتسالم عليه بين كل المسلمين خصوصا في مجتمعنا السوداني. وسنزيدك من المصادر التي تؤكد أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وعليا وفاطمة والحسنين هم المقصودون بالآية في البحوث القادمة إن شاء الله ولكن دعنا الآن نتدبر الآية ، ومن خلالها نتعرف على شخصية فاطمة (ع).

إن المتأمل في كلمات الآية يتوصل إلى أن المخاطبين بهذه الآية ، وفاطمة أحدهم مطهرون معصومون من كل رجس ، وتقريب ذلك تصدير الآية بأقوى أدوات الحصر على الاطلاق (إنما) مما يعني أن هذا الأمر خاص بجماعة معينة محددة لا يتعداهم إلى غيرهم ، ثم يأتي البحث عن الإرادة الإلهية التي ذكرت في الآية ( إنما يريد الله ) هي إرادة المولى عز وجل ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول لك كن فيكون ) فلا يمكن بحال تخلف إرادته تعالى.

أما الرجس في اللغة فمعناه كل ما يلوث الإنسان سواء كان لوثا ظاهريا أو باطنيا والذي يعبر عنه بالإثم والرجس في هذه الآية هو اللوث والنجاسة الباطنية لأن الابتعاد والطهارة من النجاسة الظاهرية وظيفة دينية عامة لجميع المسلمين وذلك لشمول التكليف للجميع ولا خصوص لأهل البيت حتى ترد هذه الآية بحصرها وتوكيدها لنفي الرجس الظاهري عن أهل البيت. إنما جاءت لبيان


فضيلة لهم خصهم بها الله سبحانه وتعالى وأخبر عنها في كتابه العزيز.

ثم يأتي التأكيد ( ويطهركم تطهيرا ) إن النظرة العميقة للآية تجعلنا لا نشك لحظة واحدة في عصمة أهل البيت الذين ذكروا فيها ومنهم فاطمة بنت محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله فهي معصومة مطهرة من كل رجس ظاهرا وباطنا وسيأتيك التأكيد على ذلك.

الآية الثانية :

قوله تعالى : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) (سورة الشورى :

آية / ٢٣). لقد جعل الله سبحانه وتعالى أجر الرسالة مودة أهل البيت ومنهم فاطمة الزهراء ، فالآية نزلت في قربى الرسول وهم علي وفاطمة والحسن والحسين كما نقل ذلك أعلام الحديث والتفسير مثل الحاكم الحسكاني الحنفي في شواهد التنزيل ج ٢ ص ١٣٠ والحاكم النيسابوري في المستدرك(١) .

إنها العظمة والرفعة لقد وزن الله تعالى الرسالة المهيمنة على كل الرسالات بمودة القربى لقد استحقت فاطمة هذا الوسام الإلهي بجدارة ويكفينا لتأكيد ذلك تسطيرها ضمن آيات الذكر الحكيم إنه رصيد يضاف لمناقب الزهراء وفضائلها وإلى المزيد.

الآية الثالثة :

قوله تعالى ( فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا

ــــــــــــــــ

(١) ـ كما أورد ذلك السيوطي في إحياء الميت والزمخشري في تفسيره الكشاف. والفخر الرازي في تفسيره والسيوطي في الدر المنثور والقندوزي الحنفي في ينابيع المودة والبخاري وغيرها من المصادر.


وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ) (سورة آل عمران : آية / ٦١).

لم يختلف المسلمون أن هذه الآية أيضا من مختصات أهل البيت فهي نزلت يوم مباهلة نصارى نجران وقد أمر الله تعالى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يأخذ معه عليا وفاطمة والحسن والحسين (ع). فكانت هذه الآية وذلك مما ذكره مسلم في صحيحه كتاب الفضائل باب فضائل علي بن أبي طالب(١) . وهكذا مثلت فاطمة كل نساء الأمة وكانت المباهلة بمثابة تثبيت للرسالة ، ولأهمية الحديث وعظمته في مسيرة الإسلام كان المباهل بهم مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله هم علي وفاطمة وابناهما مع أن الآية ذكرت نساءنا بصيغة الجمع إلا أن التمثيل المقدس كانت فاطمة فقط دون غيرها من النساء ولا حتى نساء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله فتأمل عزيزي القارئ وانطلق بعقلك لتدرك مكانة الزهراء وعظمتها وما أظنك بقادر.

آيات أخرى :

يقول تعالى ( إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا ) إلى قوله تعالى ( إن هذا كان لكم جزاءا وكان سعيكم مشكورا ) (سورة الإنسان : آية / ٥ ـ ٢٢) ، هذه الآيات نزلت في علي وفاطمة والحسن والحسين بمناسبة قصة صيامهم ثلاثة أيام وتصدقهم في تلك الأيام الثلاثة بطعامهم على المسكين واليتيم والأسير بينما هم في أشد الحاجة إلى الطعام لإفطارهم ولقد ذكر جمع كبير من المحدثين والمفسرين أن هذه الآيات نزلت في هؤلاء

ــــــــــــــــ

 (١) ـ وجاء ذلك أيضا في مستدرك الصحيحين للحاكم ومسند أحمد بن حنبل ج ١ ص ١٥٨.


 الأربعة. منهم الزمخشري في كشافه وفي تفسيره الفخر الرازي(١) .

إن نزول هذه الآيات في علي وفاطمة والحسنين ينبوع أخر لكرامتهم ومكانتهم عند الله إذ أن الخالق جل وعلا خاطبهم من عليائه بصيغة الأمر الذي أبرمه وفرغ منه ( فوقاهم الله شر ذلك اليوم ، ولقاهم نضرة وسرورا وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا ) إلى آخر الآيات هذه هي حقيقة الزهراء فاطمة وتلك هي مكانتها عند الله.

يطول بنا المقام لسرد كل ما جاء عن فاطمة في القرآن ولقد جمع أحد العلماء الآيات التي نزلت في فضل فاطمة وأهل البيت فبلغت (٢٥٨) آية من الذكر الحكيم.

 ومع ذلك لو لم تأت إلا آية التطهير أو المباهلة لكفى بها موعظة لقوم يؤمنون فهذا قرآن عظيم في كتاب مكنون تنزيل العزيز الحميد.

فاطمة (ع) بلسان أبيها

ملاحظتان قبل الانطلاق في أحاديث الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله عن فاطمة :

الملاحظة الأولى :

إن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله حينما يتحدث عن فاطمة فإنه لا ينطلق من عاطفة الأبوة وهو القائل فيه البارئ عز وجل ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) وهو صلى‌الله‌عليه‌وآله في عموم حديثه عن الأشخاص لا يعطي أحدا أكثر مما يستحقه تبعا لعاطفته وحتى لو كان ذلك الإنسان ابنته.

ــــــــــــــــ

(١) ـ الكشاف ج ٤ ص ٦٧٠ ط بيروت ، أسد الغابة لابن الأثير الشافعي ج ٥ ص ٥٣٠ ـ ٥٣١ ، تذكرة الخواص للسبط بين الجوزي وشواهد التنزيل للحاكم ، الدر المنثور للسيوطي وغيرها من المصادر.


لأننا لو قلنا بذلك لطعنا في نبوته وكلماته القدسية التي نؤمن جميعا بأنها حجة لا زيغ فيها ولا هوى قال عبد الله بن عمرو بن العاص : كنت أكتب كلشيء أسمعه من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فنهتني قريش وقالوا تكتب كلشيء سمعته من رسول الله وهو بشر يتكلم في الغضب والرضا؟ فأمسكت عن الكتابة فذكرت ذلك لرسول الله فأومأ بأصبعه إلى فيه وقال : « أكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق ».

إن النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله لا ينطق إلا صدقا وعدلا فلنضع كلماته عن الزهراء نصب أعيننا ونحن نقرأ عن موقفها بعد وفاته ولا نترك للشيطان سبيلا يتسلل منه لان فهمنا لهذه النقطة يمهد لنا السبيل لفهم موقف فاطمة (ع).

الملاحظة الثانية :

إنه صلى‌الله‌عليه‌وآله ركز في شخصية فاطمة على قدسيتها وخلوصها لله تعالى وقربها منه صلى‌الله‌عليه‌وآله بحيث يجعلك تأخذ الاحساس بأنها جزء منه ما يصيبه كأنما أصابها وما يصيبها كأنما أصابه وأنها تمثله جسدا وموقفا

تعبر عنه وهو المعبر عن إرادة الله تعالى وذلك في مجمل أحاديثه عن فاطمة « من أسخط فاطمة فقد أسخطني » « من أغضب فاطمة قد أغضبني ومن أغضبني فقد أغضب الله » وعلى هذا المنوال.

ولقد استوقفني كثيرا محور كلام الرسول عن ابنته والذي كان يدور حول غضبها وسخطها ورضاها وكأنه ـ بأبي وأمي ـ يلمح للأمة بمصيبتها وابتلائها في موقفها من الزهراء وهذا لا ولن يخفى على ذوي الألباب المتفتحة والقلوب المفعمة بحب النبي وآله فلماذا يا ترى كان التركيز على هذا المحور بالذات؟! هل يعقل أن يكون ذلك بلا سبب؟! ألا يحمل هذا في طياته دلالات عميقة وإشارات واضحات.


لقد كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أبلغ العرب حين يتكلم وأكثر الناس حكمة حينما يفصح كما كان أحسنهم إنصافا للناس.

لقد هيأ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله الناس حتى يصدقوا الزهراء حين تنطق وهيأهم لأن يتحاشوا غضبها إذا غضبت وأخبرهم أن أذاها أذى له وهكذا مهمة الأنبياء تربية الأمم حاضرا أثناء حياتهم وتهيئتهم لاستقبال الحوادث المستقبلية بعد رحيلهم والنبي وهو أعظمهم خص الزهراء وهو الصادق الأمين بهالة قدسية تحرم على الآخرين هتكها ولم يكن ذلك لقرابتها منه بل لأنها أخلصت للحق وذابت في بوتقته فكانت مقياسا ومعيارا للذين سيأتون بعد أبيها صلى‌الله‌عليه‌وآله وتجلت حكمة الرسول في أحاديثه المختلفة للأمة التي كانت تنظر لواقع المستقبل وهي تحمل في طياتها بصائر تتضح من خلالها الرؤية ، وتحكم بها على أحداث الواقع في أي زمان ومكان. والأمثلة على ذلك كثيرة ، لقد تحدث النبي الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن علي بن أبي طالب (ع) حينما قال « علي مع القرآن والقرآن مع علي » لأن معاوية سيأتي يوما ما ويرفع المصاحف على أسنة الرماح طالبا التحكيم بالقرآن كما حدث في صفين حينها ستعرف أين جهة الحق والصدق لأن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ترك المعيار فعلي والقرآن لا يفترقان كذلك عندما قال صلى‌الله‌عليه‌وآله لعمار « تقتلك الفئة الباغية » فإنه صلى‌الله‌عليه‌وآله لم يترك مجالا للاعتذار لأولئك الذين قاتلوا في صف معاوية ضد علي ومعه عمار بن ياسر وهكذا أحاديث النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله تنطلق من الحاضر لتشخص داء الأمة في المستقبل.

كل ذلك يجعلنا ننظر إلى غضب الزهراء بقدسية وإلى موقفها بتعقل. إنه


 غضب من أجل الحق وموقف صدق ضد الانحراف.

إننا ننزه الزهراء من أن تغضب في سبيلشيء غير الحق إنه غضب مقدس وصرخة حق مدوية وبعد قليل سينكشف الغطاء وترى لماذا كان هذا الغضب.

وإليك بعضا مما قاله المصطفى في ابنته ربيبة الوحي فاطمة الزهراء (ع) :

١ ـ « فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني ».

رواه البخاري في صحيحه باب مناقب قرابة الرسول ج ٤ ص ٢٨١ دار الحديث القاهرة(١) .

٢ ـ « إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها ».

رواه مسلم في صحيحه كتاب فضائل الصحابة باب فضائل فاطمة.

وفي رواية « فاطمة بضعة مني يقبضني ما يقبضها ويبسطني ما يبسطها »(٢) .

٣ ـ قال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله لفاطمة (ع) :

« إن الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك » رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين كتاب مناقب الصحابة ص ١٥٤ وقال عنه حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه(٣) .

٤ ـ جاء في صحيح البخاري كتاب بدء الخليقة في باب علامات النبوة ج ٤ ص ٢٥٠ بسند عن عائشة قالت : أقبلت فاطمة تمشي ما تخرم مشيتها مشية

ـــــــــــــــ

(١) ـ ذكره ابن حجر في الصواعق المحرقة ص ١٨٨.

(٢) ـ أورده ابن حجر في صواعقه أيضا ص ١٩٠ وقد جاء هذا الحديث بصيغ مختلفة تعبر عن نفس المعنى في كثير من المصادر مثل مسند أحمد بن حنبل وكنز العمال والإمامة والسياسة لابن قتيبة وغيرها.

(٣) ـ ورواه ابن الأثير في أسد الغابة ج ٥ ص ٥٢٢ ، وابن حجر في الإصابة ج ٥ ص ١٥٦ كما جاء في ميزان الاعتدال للذهبي وغيرها من المصادر.


النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : مرحبا بابنتي ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله ثم أسر إليها حديثا فبكت فقلت لها لم تبكين؟! ثم أسر إليها حديثا فضحكت فقلت ما رأيت كاليوم فرحا أقرب من حزن فسألتها عما قال ، فقالت : ما كنت لأفشي سر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حتى قبض النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله فسألتها فقالت : أسر إلي أن جبرائيل كان يعارضني بالقرآن كل سنة مرة وأنه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي وإنك أول أهل بيتي لحاقا بي فبكيت فقال : أما ترضي أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة فضحكت لذلك(١) .

وأورد الترمذي في سننه كتاب المناقب عن حذيفة قال : أتيت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله فصليت معه المغرب فصلى حتى صلى العشاء ثم انفتل فتبعته فسمع صوتي فقال : من هذا حذيفة؟ قلت : نعم قال : ما حاجتك غفر الله لك ولأمك؟ ثم قال : إن هذا ملك لم ينزل الأرض قط قبل هذه الليلة استأذن ربه أن يسلم علي ويبشرني بأن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة وأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة(٢) .

وجاء في المستدرك ج ٢ ص ٢٩٤ بسنده عن عائشة قالت لفاطمة : ألا أبشرك؟

إني سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول سيدات نساء أهل الجنة أربع مريم بنت عمران ، وفاطمة بنت محمد ، وخديجة بنت خويلد ، وآسيا بنت مزاحم. وقال عنه الحاكم النيسابوري حديث صحيح الإسناد ولم

ــــــــــــــــ

(١) ـ وذكره أيضا في باب مناقب قرابة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ج ٤ ص ٢٨١ كما رواه مسلم في صحيحه وأحمد بن حنبل في مسنده.

(٢) ـ ورواه ابن حجر في الصواعق ص ١٩١ والحاكم في المستدرك ج ٣ ص ١٥١ ، كتاب مناقب الصحابة وقال عنه صحيح الإسناد ولم يخرجاه.


 يخرجاه يقصد بخاري ومسلم.

وجاء في كنز العمال ج ٧ ص ١١١ أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة.

وذكر محي الدين الطبري حديث أفضل أربع نساء فضلهم الله في ذخائر العقبى ص ٤٤ وأضاف وأفضلهم فاطمة.

٥ ـ عن عائشة أنها كانت إذا ذكرت فاطمة بنت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قالت : ما رأيت أحدا كان أصدق لهجة منها إلا أن يكون الذي ولدها(١) .

٦ ـ أورد السيوطي في الدر المنثور في ذيل تفسير قوله تعالى ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام ) قال : وأخرج الطبراني عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله « لما أسري بي إلى السماء أدخلت الجنة فوقفت على شجرة من أشجار الجنة لم أر في الجنة أحسن منها ولا أبيض ورقا ولا أطيب ثمرة فتناولت ثمرة من ثمرتها فأكلتها فصارت نطفة في صلبي فلما هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة فإذا أنا اشتقت إلى ريح الجنة شممت ريح فاطمة ».

وروى الحاكم في المستدرك ج ٣ ص ١٥٦ بسنده عن سعد بن مالك قال : قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : أتاني جبرئيل (ع) بسفرجلة من الجنة فأكلتها ليلة أسري بي فعلقت خديجة بفاطمة فكنت إذا اشتقت إلى رائحة الجنة شممت رقبة فاطمة.

٧ ـ عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : ابنتي

ــــــــــــــــ

(١) ـ رواه الحاكم في مستدركه ج ٣ ص ١٦٠ وقال حديث صحيح على شرط سلم كما ذكره ابن عبد البر في استيعابه ج ٢ ص ٧٥١.


فاطمة حوراء آدمية لم تحض ولم تطمث. وإنما سماها فاطمة لأن الله فطمها ومحبيها عن النار ، ذكره ابن حجر في صواعقه ص ١٦٠ كما أخرجه النسائي وجاء في تاريخ بغداد أيضا ج ١٢ ص ٣٣١.

٨ ـ في صحيح الترمذي ج ٢ ص ٣١٩ عن عائشة أم المؤمنين قالت : ما رأيت أحدا أشبه سمتا ودلا وهديا برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قالت : وكانت إذا دخلت على النبي قام إليها وقبلها وأجلسها في مجلسه وكان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبلته وأجلسته في مجلسها الحديث.

رواه أيضا أبو داوود في صحيحه ج ٣٣ في باب ما جاء في القيام. ورواه الحاكم أيضا في مستدرك الصحيحين ج ٣ ص ١٥٤.

٩ ـ جاء في مسند أحمد بن حنبل ج ٥ ص ٢٧٥ كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إذا سافر جعل آخر عهده فاطمة وأول من يدخل عليه إذا قدم فاطمة

وذكر ذلك الحاكم في المستدرك ج ١ ص ٤٨٩ ورواه البيهقي في سننه.

١٠ ـ قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لعلي وفاطمة والحسنين : أنا سلم لمن سالمكم وحرب لمن حاربكم رواه أحمد بن حنبل في مسنده ج ٢ ص ٤٤٢ والحاكم في المستدرك ص ١٤٩ وابن الأثير في أسد الغابة ج ٣ ص ١١ و ج ٥ ص ٥٢٣.

١١ ـ في الصواعق المحرقة لابن حجر ص ١٩٠ أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش : يا أهل الجمع نكسوا رؤوسكم وغضوا أبصاركم حتى تمر فاطمة بنت محمد على الصراط فتمر مع سبعين ألف جارية من الحور العين كمر البرق ذكره الحاكم في المستدرك


ج ٣ ص ١٥٣.

كانت جولتنا مع أحاديث الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله حول فاطمة قصيرة مقارنة بما ورد في حقها ولكن هذا القدر يكفي للعاقل حتى يتعرف على الزهراء (ع) التي أحاطتها العناية الإلهية من قبل ميلادها وكانت في جنة الخلد هنالك كان المبدأ كما في رواية الإسراء والجنة هي النهاية كما علمت وما بين الانطلاقة الأولى من الجنة والمنتهى فيها كانت حياة الزهراء عظيمة تنبض بكل معاني القيم النبيلة فهل من الممكن أن يكون هناك نشاز في منتصف الطريق؟! يقينا لا ، لذلك أوصى الرسول بفاطمة كثيرا وحذر الناس من غضبها الذي يعني غضبه بل وغضب الله عز وجل كما مر وشهدت لها عائشة بأنها أصدق الناس لهجة فهي الصديقة كما أن العناية الإلهية كان لها الدور المباشر في صياغة شخصية الزهراء فصار أذاها أذى الرسول الذي يعني أذى الرسالة ونزل الوحي يجلجل بالتطهير كما جاء في آية التطهير وتأكيدا على قدسية المسير ومباركة الرب لعمل فاطمة وأهل بيتها كانت سورة الإنسان وحتى نزداد يقينا بارتباط الزهراء بالوحي واستقامتها كانت المباهلة ثم الزواج المبارك الذي تم في السماء قبل أن يتم في الأراض بأمره سبحانه وتعالى. ورعاية الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله الخاصة بفاطمة حتى إنه عند قدومها يقبلها ويجلسها في مجلسه وكذا العكس ولا يخرج صلى‌الله‌عليه‌وآله في سفر إلا أن يكون آخر من يودعه ابنته وأول من يسلم عليه عندما يعود هي سيدة نساء العالمين وسيدة نساء أهل الجنة ، إذا كل فعل تفعله هو فعل أهل الجنة وكل موقف تقفه هو موقف أهل الجنة ولو نظرت في الجنة لرأيت نعيما وملكا كبيرا ويأتي المنادي غضوا أبصاركم حتى تجوز فاطمة وتستقر في مقام محمود منه انطلقت وإليه تعود.

هذه المسيرة المقدسة ، وهذه العظمة ألا تدفعنا للوقوف إجلالا وإعظاما


لشخصية قدستها السماء وبارك مسيرتها أبوها صاحب رسالة السماء؟ كل ذلك ألا يجعلنا نتوقف قليلا أمام مواقفها؟ يبدوا لي أننا حتى نستوعب كل ذلك نحتاج إلى عقل سليم وقلب مفرغ من الغرور والاستكبار والهوى لقد جسدت الزهراء تعاليم الوحي وسارت وفق هداه فكانت من الجنة إلى الجنة وما بين ذلك غضبها هو غضب الله فتأمل وتفكر وتدبر.

موقف الزهراء (ع) هو « الفيصل »

في الأحداث التاريخية يلعب العقل دورا كبيرا في استخلاص النتائج والاعتبار بها والاستفادة منها ومن ثم الانطلاق لتحديد موقف معين تجاه تلك الأحداث.

والتاريخ الإسلامي كتاب الثقافة الذي حفظ لنا تراثا ضخما ، ما زالت الأمة تعيش على معينه وطوال تاريخ أمتنا الإسلامية مرت أحداث عظام مثلت منحى لهذه الحضارة التي قامت أسسها على تعاليم الوحي بشقيه القرآن والسنة. وبما أن التاريخ ثبت لنا مجموعة من الأحداث يجب علينا نحن اليوم النظر فيها بعين الإنصاف ، كما يجب علينا التعقل لنستخلص منها عبرا تعيننا لتحديد اتجاه السير الصحيح خصوصا وأن الأمة وبعد وفاة النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله شهدت اختلافا كبيرا امتدت آثاره إلى يومنا هذا.

وقضية الزهراء (ع) ومأساتها لم تكن لتنفك عن أمر الرسالة الإسلامية ، وموقف الزهراء (ع) لا يمكن أن يمر عليه العاقل المهتم بأمر الإسلام مرور الغافلين ، بل لا بد من التوقف عنده والسؤال ، هل كان موقف فاطمة (ع) يعني شيئا في مسيرة تحديد هويات الاتجاهات المختلفة؟ ذلك ما سنعرفه الآن ، ولكن


هناك مقدمة ضرورية قبل الإجابة على هذا السؤال وهي :

نحن في تحديدنا للمواقف المتعددة يجب وقبل كلشيء معرفة صاحب الموقف معرفة تامة لأن ذلك يعيننا لتشخيص وتحليل الموقف تماما وهذاشيء طبيعي وعقلائي ، فمثلا عندما يقف الرسول موقفا معاديا لشخص آخر فإننا تلقائيا ندين الطرف الآخر الذي وقف منه الرسول موقفا عدائيا لأننا على يقين بأن الرسول هو المقياس للفصل بين الحق والباطل وبالتالي إذا وقف في وجه شخص آخر فذلك الشخص على خطأ لا يحتاج منا إلى بيان ولكن هذا احتاج منا إلى مقدمات تجاوزناها سلفا وهي عصمة الرسول وحجية قوله وفعله وتقريره وهذه الحجية لا تكون إلا إذا كان قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله وفعله وتقريره حقا ولا يمكن أن يكون بحال من الأحوال باطلا لأن القول بخطأ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله يستلزم الطعن في القرآن الذي أمر بطاعة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله دون قيد أو شرط ، بل ليس الطاعة فقط وعدم المخالفة إنما عدم الحرج في قضائه ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) من هذه الخلفية نكون على اطمئنان بكل موقف يقفه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله إذ أن معرفتنا للشخصية تجعلنا نقيم الأحداث بشكل سليم بأفضل ما يكون.

والزهراء (ع) رفضت أن تبايع الخليفة وعارضته بأشد ما يكون وتركت آثار معارضتها إلى الآن إذ أنها أمرت بدفنها ليلا وسرا (ولم يكشف عن مكان قبرها إلى الآن) ، فما مدى تأثير هذا الموقف الذي جوبه بأشد أنواع العنف ، في سير الرسالة وما مدى حجيته علينا نحن المسلمين اليوم. وإن ذلك يستدعي التعرف على شخصية الزهراء بصورة تفصيلية خصوصا فيما يختص بالحجية


« يعني هل فعلها حجة لها أم عليها » وذلك من الناحية التشريعية وإلا قد مر عليك فضائل الزهراء ومناقبها.

عصمة الزهراء (ع)

المتتبع للنصوص الواردة في القرآن والسنة الشريفة عن أهل البيت (ع) بما فيهم الزهراء (ع) لا يجد سوى الاقرار بعصمتهم وعلو شأنهم عن الذنوب والمعاصي ، وإليك لمحات من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة التي تثبت عصمة أهل البيت (ع) وطهارتهم وقد مر عليك ذكر بعضها.

لقد مرت عليك عزيزي القارئ آية التطهير ودلالتها على عصمة أهل البيت المقصودين في الآية وفاطمة منهم ونورد الأدلة التالية تعزيزا لقولنا بعصمة فاطمة (ع) :

١ ـ قول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله عنها إن الله يغضب لغضبها ويرضى لرضاها ، هذا القول للرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله تلازمه العصمة لأنه من المستحيل أن يناط غضب الزهراء بغضب الله سبحانه وهي غير معصومة لأن القول بعدم عصمتها يعني إمكانية وقوعها في الزلل والخطأ وربما تغضب لغير الحق ، والرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله في كلامه إطلاق بلا تقييد يعني أن الزهراء (ع) لن تغضب إلا لشئ يغضب الله بسببه ومن كان غضبه يعني غضب الله فهو لن يفعل إلا الحق ولن يخطئ أو يميل إلى الباطل طرفة عين وبالتالي يمثل غضبه الحق ، وفي الواقع إن هذا الحديث يدلل أن للزهراء مكانة عظيمة لا تدرك بالعقول.

ولبيان هذه العظمة التي من تجلياتها عصمتها (ع) أكد الرسول تكرارا عليها كقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله « فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها ويريبني ما


 رابها »(١) . إن أذى الرسول يعني أذى الرسالة ، أذى القيم والمبادئ ، لأنه صلى‌الله‌عليه‌وآله هو محور الحق بل هو الحق الذي يجب أن نقتبس منه ، إن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله يمثل الإرادة الإلهية وهو قطب الرحى الذي به يعرف الموحد من المشرك والكافر إذ أن الله تعالى غيب لا ندركه بعقولنا وأوهامنا والارتباط به تعالى يكون عبر رسله وأنبيائه. لذلك كان مبعث الأنبياء وتولية الأوصياء. ولذلك لا يكون الرسول إلا معصوما حتى لا يفترق عن الحق لحظة واحدة وبالتالي تكون كل تصرفاته حق وأذيته تعني التحدي للرسالة والإرادة الإلهية ولبيان هذه الحقيقة يقول القرآن الكريم ( إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة ) (سورة الأحزاب : آية / ٥٧) وأكرر القول إن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله عندما يتحدث عن شخص أو يدلى بأي حديث فمن منطلق مسؤوليته تجاه الرسالة وبالتالي يستبعد أي مجاملات أو تقريظ بلا حق ، والمتفق عليه أن قول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وفعله وتقريره حجة يعني شرع نتعبد به قربة إلى الله تعالى. وقد قال عليه وآله الصلاة والسلام فاطمة بضعة مني يعني هي جزء لا يتجزأ من كيانه وروحه وهو كما قلنا محور الحق والشرع وبالتالي تكون الزهراء (ع) أيضا كذلك ، لذلك جعل الرسول أذاها أذاه وكلشيء يريبها يريبه وهو المعصوم الذي لا تميل به الأهواء ومن يكون جزءاً منه يؤذيه ما يؤذيه فهو أيضا مؤهل أن يكون معصوما. وبهذا التقريب نرى عصمة الزهراء (ع) جلية وواضحة فقط تحتاج إلى وجدان صاف سليم وعقل مستنير.

٢ ـ قوله تعالى ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) إن كل

ــــــــــــــــ

(١) ـ لمعرفة مصادر هذه الأحاديث يرجى مراجعة فضائل الزهراء في هذا الكتاب.


 الأنبياء السابقين لم يطلبوا أجرا من أقوامهم إنما كان قولهم ( وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ) لقد ذكر ذلك في القرآن على لسان الأنبياء نوح وهود وصالح ولوط وشعيب(١) . ولكن نبينا الأعظم أمره الله عز وجل بأن يسأل أمته المودة في القربى ولكن لا لكي يستفيد هو بل لتستفيد أمته ، لأنه ليس بدعا من الرسل ليطالب بأجر لرسالته من دون الرسل ، كما أنه ليس من المتكلفين كما جاء على لسانه قوله تعالى ( قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين ) (٢) ، ودليلنا على أن الفائدة من هذا الأجر الذي طلبه منا تعود علينا نحن قوله تعالى ( قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله ) (٣) ، وبنظرة أخرى إلى آيات القرآن الحكيم نجد أن هذا الأجر المتمثل في مودة القربى هو السبيل إلى الله تعالى في قوله عز وجل ( ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا ) (٤) ، وهو الذكرى للعالمين كما يقول تعالى ( قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين ) (٥) . إذا مودة القربى هي الذكرى وهي السبيل الذي يقول عنه تعالى ( إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا ) والسبيل إلى الله لا بد أن يكون قويما لا عوج فيه يعني باتباعه نضمن أننا على الصراط المستقيم ونهايتنا الجنة بمعنى أقرب لا بد أن يكون معصوما وقد تجسد في القربى وهم أهل البيت (ع) كما هو المسلم به عند جميع المسلمين فيما يرتبط

ــــــــــــــــ

(١) ـ مراجعة الآيات (١٠٩ ـ ١٢٧ ـ ١٣٢ ـ ١٤٥ ـ ١٦٤ ـ ١٨٠) من سورة الشعراء.

وقد جاء في صحيح البخاري في المناقب ج ٤ ص ٢١٩ عن ابن عباس قال : إلا المودة في القربى ، القربى قربى محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله .

(٢) ـ سورة ص : آية / ٨٦.

(٣) ـ صورة سبأ : آية / ٤٧.

(٤) ـ سورة الفرقان : آية / ٥٧.

(٥) ـ سورة الأنعام : آية / ٩٠.


 بنزول الآية في أهل البيت (ع) وفاطمة عماد ذلك البيت فوجب أن تكون معصومة لأنها أحد مصاديق ذلك السبيل.

٣ ـ فاطمة (ع) ومريم (ع) : فيما سبق من روايات وضح لنا أن فاطمة الزهراء (ع) هي سيدة نساء العالمين وهي سيدة نساء الجنة. وما إليه من أحاديث تثبت أن الزهراء (ع) أفضل النساء من الأولين والآخرين ، ومن جملة النساء الكمل مريم الصديقة (ع) أم النبي عيسى (ع) لقد ارتقت مريم سلم الكمال حتى اصطفاها الله تعالى وطهرها ، بل وخاطبها الوحي كما جاء في القرآن الكريم يقول تعالى ( وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين ) (سورة آل عمران : آية / ٤٢) لقد طهر الله مريم واصطفاها وهذه هي العصمة بعينها ، ولا يمكن بمجال أن يكون الفاضل أقل درجة من المفضول فإذا ثبتت عصمة مريم (ع) فبالأولى إثبات عصمة الزهراء (ع) لأنها أعلى رتبة وأخص درجة بما عرفت عنها ومدح الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله لها.

لقد أوردنا ما أوردناه لإثبات عصمة الزهراء (ع) أو لا أقل بيان قدسيتها بحيث يمتنع صدور فعل قبيح منها يخالف الشرع أو يرضي طموحا شخصيا لها. ورغم قناعتي بأن الكثير من المسلمين لا يحتاجون إلى مزيد من الكلام حول طهارتها وقدسيتها إلا أنني تأكيدا للحجة على المعاندين والمغالطين أطلت الحديث عن هذا الموضوع ولأنه سيكون المعتمد الأساسي في الإجابة على سؤال عريض سيواجهنا وتجب الإجابة عليه. ألا وهو أين نقف نحن بالنسبة لموقف الزهراء من أبي بكر؟ وكيف المخرج؟ هل يجوز لنا القول بأن الزهراء (ع) مخطئة؟

أما بالنسبة للسؤال الأخير فلا يحق لنا ذلك بل إن القول به يعني الكفر بالله وبآياته وبرسوله ، ويبدو لي أن الإجابة على بقية الأسئلة واضحة ولا تحتاج


 إلى كبير عناء.

ولكن قبل أن أنهي الحديث عن هذا الموضوع ، الذي أترك فيه المجال لأصحاب العقول المنيرة والضمائر الحية ليحددوا فيه الموقف ، أعرج على حديث شغلني كثيرا وأنا أقيم موقف الزهراء (ع) من الخليفة أبي بكر وغضبها وعدم السماح له ولعمر بالصلاة عليه حتى وهي ميتة ، ألا وهو الحديث المشهور (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية).

حسنا لقد أصبح أبو بكر خليفة للمسلمين بعد انتقال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى الرفيق الأعلى. والخليفة هو الإمام وقد جاء في الحديث أن من لم يعرفه يموت ميتة كميتة الجاهلية. وفاطمة (ع) ليس فقط لم تعرف الخليفة بل عارضته وهاجمته وغضبت عليه وأمرت أن لا يصلي عليها فكيف المخرج من هذه المعضلة؟! فإما أن تكون فاطمة ماتت ميتة جاهلية والعياذ بالله وهذا ما لا يقول به مؤمن برسالة أبيها صلى‌الله‌عليه‌وآله وإما أن تكون في موقفها على حق وبالتالي تنسف كل شرعية للخلافة القائمة آنذاك وهو ما قامت عليه الأدلة والبراهين فثبتت نقلا وعقلا كما بينا وسنبين المزيد إن شاء الله تعالى.

بماذا طالبت الزهراء (ع) ؟

لقد جاء في البخاري ومسلم وغيرهما من المصادر أن الزهراء طالبت بفدك ولا شك ولا ريب أنها كانت تطالب بشئ تعتبره ملكا لها أو حقا شرعيا خاصا بها.

لقد طالبت فاطمة بالإضافة إلى فدك بحقوق أخرى سنذكرها لكنها أظهرت فدك باعتبار أن ملكيتها آلت إليها بوجود الرسول (صلى الله عليه وآله


وسلم) وقبل وفاته وبالتالي لا ربط لها بقضية الميراث التي زعموا أن الرسول خارج عنها.

أما فدك فقد قال عنها ياقوت هي قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان وقيل ثلاثة وفيها عين فوارة ونخيل كثير(١) وقصتها أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله بعث إلى أهل فدك وهو بخيبر منصرفه منه يدعوهم إلى الإسلام فأبوا فلما فرغ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من خيبر قذف الله الرعب في قلوبهم فبعثوا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يصالحونه على التصرف فقبل منهم(٢) .

وفي فتوح البلدان : فكان نصف فدك خالصا لرسول الله لأنه لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب.

لقد كانت فدك ملكا لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ومعلوم أن من حقه التصرف في ملكه وقد كان ذلك حينما منحها لقرة عينيه فاطمة كما جاء في شواهد التنزيل للحسكاني وميزان الاعتدال للذهبي ومجمع الزوائد للهيثمي والدر المنثور للسيوطي واللفظ للأول عن أبي سعيد الخدري : لما نزلت ( وآت ذا القربى حقه ) دعا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله فاطمة وأعطاها فدك(٣) .

إذا فدك كانت ملكا وحقا لفاطمة الزهراء ولا يجوز بحال من الأحوال

ـــــــــــــ

(١) ـ بمادة (فدك) من معجم البلدان.

(٢) ـ سيرة ابن هشام ٣ / ٤٠٨ مغازي الواقدي ص ٧٠٦ / ٧٠٧ وشرح النهج ٤ / ٧٨.

(٣) ـ تفسير الآية ٢٦ من سورة بني إسرائيل في شواهد التنزيل ١ / ٣٣٨ ـ ٣٤١ ، والدر المنثور ٤ / ١٧٧ وميزان الاعتدال ٢ / ٢٢٨ ومجمع الزوائد والكشاف وتاريخ ابن كثير ٢ / ٣٦ ، تفسير الطبري ج ١٥ ص ٧٢ ط ٢ ينابيع المودة.


منعها هذا الحق وهي هي كما علمت فكيف يجرؤ أحد على منعها ما أعطاه لها الرسول بأي حق كان ذلك؟ لقد قالوا أن الأنبياء لا تورث ـ ورغم عدم ثبوت ذلك فإن فدك لم تكن من التركة حتى يحتج عليها بهذا الحديث ، ولقد تدرجت الزهراء في مطالبتها بحقوقها حتى تتضح الأمور لذي عينين غير أن بعض الأحاديث جاءت مجملة غير مفصلة تختلط فيها لدى القارئ أوراق القضية فيظن أن فدكا كانت ميراثا وكذلك سهم ذي القربى في حين أن كل ذلك غير الميراث ، وحتى تتضح الرؤية دعنا نفصل بعض الشئ في هذا الأمر.

لقد طالبت فاطمة أولاً بما أعطاه لها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ثم ثانياً بإرث الرسول وثالثا بسهم ذي القربى ، بسهم ذي القربى ، وإليك بعض الكلام في هذه المطالبات.

أولاً : المطالبة باسترداد فدك التي لها ملكيتها.

جاء في فتوح البلدان : إن فاطمة (رض) قالت لأبي بكر الصديق (رض) أعطني فدك فقد جعلها رسول الله لي ، فسألها البينة فجاءت بأم أيمن ورباح مولى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله فشهدا لها بذلك ، فقال : إن هذا الأمر لا تجوز فيه إلا شهادة رجل ومرأتين(١) .

وفي رواية أخرى : « شهد لها علي بن أبي طالب فسألها شاهدا أخر فشهدت لها أم أيمن » ، وإن عشت أراك الدهر عجبا فاطمة (ع) التي نزلت آيات القرآن تطهرها وتعصمها تكذب وتسأل البينة. إنها سيدة نساء العالمين. الصديقة الطاهرة التي بلغت درجة من العصمة والطهارة حتى صار غضبها غضب الرب ورضاها ، رضاه لقد قبل المسلمون شهادة أبي بكر في حديث الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله نحن معاشر الأنبياء لا نورث فكيف لا يقبلون ادعاء الزهراء

ـــــــــــــــ

(١) ـ فتوح البلدان : ١ / ٣٤ ـ ٣٥.


بأن فدكا ملكها؟ لقد تجلت حكمة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله حينما أكد على مكانة الزهراء وصدقها في الأحاديث المتقدمة خاصة ما جاء على لسان عائشة بنت أبي بكر لقد قالت ما رأيت أحدا كان أصدق لهجة منها أي فاطمة (ع).

لقد وقفت حائرا أمام هذا الموقف! أين أقف؟! هل أضرب بكلام الوحي وقول

الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله عن فاطمة عرض الحائط ، وأؤيد تكذيب القوم لها!

أم ماذا أفعل؟ بلا شك لن أجعل كلام الرسول هذرا ولن أضعه وراء ظهري كما أنني لن أبرر ما فعلوه حينما صدوا الزهراء عن حقها لقد استولى أبو بكر على فدك كما استولى على غيرها من الأملاك والحقوق الخاصة بالرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ولا أرى مبررا وجيها يدعوه لمنع الحق عن أصحابه إلا أن يكون هنالك أمر آخر ربما خفي علي وعليك أيها القارئ العزيز لكن مجريات الأحداث ستبين لك ما هو غامض!!

ثانياً : مطالبتها بإرث الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله

عن أبي الطفيل بمسند أحمد بن حنبل وسنن أبي داوود وتاريخ الذهبي وتاريخ ابن كثير وشرح النهج واللفظ للأول قال : لما قبض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أرسلت فاطمة إلى أبي بكر : أنت وارث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أم أهله؟

قال : فقال : لا ، بل أهله ، قالت : فأين سهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله (١) .

وفي رواية عن أبي هريرة في سنن الترمذي : أن فاطمة جاءت إلى أبي بكر

ــــــــــــــ

(١) ـ مسند أحمد ١ / ٤ الحديث ١٤ ، وسنن أبي داوود ٣ / ٥ كتاب الخراج وتاريخ ابن كثير ٥ / ٢٨٩ ، وشرح النهج ٤ / ٨١ ، وتاريخ الذهبي.


وعمر (رض) تسأل ميراثها من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فقالا : سمعنا رسول الله يقول إني لا أورث ، قالت والله لا أكلمكما أبدا ، فماتت ولا تكلمهما(١) .

وغيرها من الروايات الكثيرة التي تتحدث عن منع أبي بكر فاطمة ميراثها من الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله أبيها ، بما في ذلك الحديث الذي بدأنا به هذا البحث.

ثالثا : المطالبة بسهم ذي القربى.

لقد منعوها ملكها الخالص فدك وجاؤوها بحديث الأنبياء لا يورثون الذي قال فيه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة المشهور أنه لم يرو حديث انتفاء الإرث إلا أبو بكر وحده وقال إن أكثر الروايات أنه لم يرو هذا الخبر إلا أبو بكر وحده ، ذكر ذلك أعظم المحدثين حتى أن الفقهاء في أصول الفقه أطبقوا على ذلك في احتجاجهم بالخبر برواية الصحابي الواحد ، وقال شيخنا أبو علي : لا يقبل في الرواية إلا رواية اثنين كالشهادة ، فخالفه المتكلمون والفقهاء كلهم ، واحتجوا بقبول الصحابة رواية أبي بكر وحده نحن معاشر الأنبياء لا نورث(٢) .

عندما لم يجيبوها في كل ذلك طالبتهم بسهم ذي القربى ، فقد جاء عن أنس بن مالك أن فاطمة أتت أبا بكر فقالت لقد علمت الذي ظلمتنا أهل البيت من الصدقات وما أفاء الله علينا من الغنائم في القرآن من سهم ذوي القربى. ثم

ــــــــــــــ

(١) ـ سنن الترمذي ٧ / ١١١ ، أبواب السير كما جاء في تركة الرسول كما جاءت بمسند أحمد بن حنبل عن أبي هريرة أيضا ج ١ / ١٠ الحديث ٦٠.

(٢) ـ شرح النهج ٤ / ٨٢ ـ ٨٥.


قرأت عليه قوله تعالى ( واعلموا أنما غنمتم منشيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى ) فقال لها أبو بكر بأبي أنت وأمي السمع والطاعة لكتاب الله ولحق رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وحق قرابته وأنا أقرأ من كتاب الله الذي تقرأين منه ، ولم يبلغ علمي منه أن هذا السهم من الخمس مسلم إليكم كاملا قالت : فلك هو ولأقربائك؟! قال : لا ، بل أنفق عليكم منه وأصرف الباقي في مصالح المسلمين ، قالت : ليس هذا حكم الله(١) .

وفي فتوح البلدان وطبقات ابن سعد وتاريخ الإسلام للذهبي وشرح النهج عن أم هاني قالت : إن فاطمة بنت رسول الله أتت أبا بكر (رض) فقالت : من يرثك إذا مت؟ قال : ولدي وأهلي ، قالت : فما بالك ورثت رسول الله دوننا؟! قال : يا بنت رسول الله ما ورث أبوك ذهبا ولا فضة ، فقالت : سهمنا بخيبر وصافيتنا فدك.

ولفظ طبقات ابن سعد : فسهم الله الذي جعله لنا وصافيتنا بيدك.

وفي لفظ ابن أبي الحديد وتاريخ الإسلام للذهبي :

قال : ما فعلت يا بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقالت : بلى إنك عمدت إلى فدك وكانت صافية لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فأخذتها ، وعمدت إلى ما أنزل الله من السماء فرفعته عنا(٢) .

لقد طالبت الزهراء (ع) بحقوقها كاملة فلم تحصل منها على شيء ولا أدري لماذا منعت وردت! إما لأنها كذبت في دعواها وحاشا لمن وعى كلام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وآمن بالوحي حقا أن يدعي عليها مثل

ــــــــــــ

(١) ـ تاريخ الإسلام للذهبي ١ / ٣٤٧ ، شرح النهج ٤ / ٨١.

(٢) ـ فتوح البلدان ١ / ٣٥ وطبقات ابن سعد ٢ / ٣١٤ ـ ٣١٥ وشرح النهج ٤ / ٨١ وتاريخ الإسلام للذهبي ١ / ٣٤٦.


هذه الفرية وقد علمت حرص الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله في الحديث عن فاطمة (ع) حتى لا تذهب المذاهب بالقوم وكيف يمكن أن تكذب وهي المطهرة بنص القرآن والمعصومة والصادقة في سيرتها كما جاء في الروايات وهي التي يغضب الله لغضبها ويرضى لرضاها؟ إنها الزهراء (ع) ميزان الحق الذي به يعرف الباطل وأي خطأ وخطل يرتكب من يحاول أن يشكك في حقها الذي طالبت به؟ لأن ذلك يعني الشك في قول الله تعالى وقول رسوله.

وليس هناك مجال لمدح يدعي أنها كانت جاهلة بحقوقها وأنها ربما لم تسمع بأنها لن ترث أباها وأن ملكها يمكن أن يتصرف فيه الخليفة كيف يشاء. إذ أن من المستحيل أن يغفل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عن بيان ذلك لابنته الزهراء (ع) ، وهي المعنية بالأمر في الدرجة الأولى دون سائر المسلمين وزوجها هو علي بن أبي طالب الذي قال عنه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله أنا مدينة العلم وعلي بابها(١) ، وقد أكد علي (ع) دعوى فاطمة (ع) حينما قال أبو بكر : قال رسول الله لا نورث ما تركناه صدقة فقال علي : ( وورث سليمان داوود ) وقال ( يرثني ويرث من آل يعقوب ) قال أبو بكر : هو هكذا وأنت والله تعلم مثل ما أعلم فقال علي : هذا كتاب الله ينطق! فسكتوا وانصرفوا(٢) .

إذا فاطمة كانت تدرك تماما ما تفعله وعن علم كامل بحقوقها وإلا لماذا استمر غضبها إلى حين وفاتها ولم تتراجع بل احتجت على أبي بكر بأن الأنبياء يورثون من القرآن الحكيم في خطبتها التي خطبتها أمام الخليفة الأول وذلك بعد

ــــــــــــــــ

(١) ـ أسد الغابة ج ٤ ص ٢٢ ، مستدرك الحاكم وشواهد التنزيل وتاريخ ابن عساكر وغيرها من المصادر.

(٢) ـ طبقات ابن سعد ٢ / ٣١٥ وكنز العمال ٥ / ٣٦٥ كتاب الخلافة مع الإمارة من قسم الأفعال.


منعها منحتها وإرثها وحقها في الخمس.

جاء في شرح النهج وبلاغات النساء لأحمد بن طاهر البغدادي : لما بلغ فاطمة إجماع أبي بكر على منعها فدك لاثت خمارها على رأسها واشتملت جلبابها ، وأقبلت في لمة من حفدتها ونساء قومها تطأ ذيولها ما تخرم مشيتها مشية رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حتى دخلت على أبي بكر وهو في حشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم ، فنيطت دونها ملاءة ثم أنت أنة أجهش لها القوم بالبكاء وارتج المجلس ثم أمهلت هنيئة حتى إذا سكن نشيج القوم وهدأت فورتهم افتتحت كلامها بالحمد لله عز وجل والثناء عليه والصلاة على رسول الله ثم قالت : أنا فاطمة بنت محمد أقول عودا على بدء ، لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم فإن تعزوه تجدوه أبي دون آبائكم وأخا ابن عمي دون رجالكم ، ثم استرسلت في خطبتها إلى قولها :

ثم أنتم الآن ، تزعمون أن لا إرث لنا أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون يا ابن أبي قحافة! أترث أباك ولا أرث أبي لقد جئت شيئا فريا فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك فنعم الحكم الله والزعيم محمد والموعد القيامة وعند الساعة يخسر المبطلون.

وفي معرض خطبتها الغراء تواصل الزهراء احتجاجها بما جاء من القرآن عن ميراث الأنبياء فقالت : أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم إذ يقول الله تبارك وتعالى : ( وورث سليمان داوود ) وقال الله عز وجل في ما قص من خبر زكريا ( رب هب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب ) وقال عز ذكره ( وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) وقال ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ) وقال ( إن ترك

.


 خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين ) وزعمتم أن لا حظوة لي ولا إرث من أبي أفخصكم الله بآية أخرج نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله منها أم تقولون : أهل ملتين لا يتوارثان. أولست أنا وأبي من أهل ملة واحدة أم أنتم أعلم بخصوص القرآن من أبي وابن عمي أفحكم الجاهلية تبغون(١) .

إن للزهراء من منازل القدس عند الله عز وجل ورسوله والمؤمنين ما يوجب الثقة التامة في صحة ما تدعي والطمأنينة الكاملة بكل ما تنطق به ، ولا تحتاج ـ عليها‌السلام ـ في كلامها إلى شاهد ودعواها بمجردها تكشف عن صحة المدعى به كشفا تاما بلا نقصان ومع ذلك فقد جاءت ـ كما ذكرنا ـ بشاهد لا أظن أنهم يحتاجون إلى شاهد معه وهو علي (ع) أخو النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله الذي لا يفارق الحق والقرآن أبدا ولكن رفضت شهادته ولعمري إن شهادة علي أولى من شهادة خزيمة التي جعلها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله كشهادة عدلين ولو تنازلنا فسلمنا أن شهادة علي (ع) كشهادة رجل واحد من عدول المؤمنين فلماذا لم يطلب أبو بكر من فاطمة اليمين فإن حلفت وإلا ردت دعواها؟! لوجوب الحكم بالشاهد واليمين كما رواه مسلم في أول كتاب الأقضية عن ابن عباس قال : قضى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بيمين وشاهد ، ونقل في الكنز عن الدارقطني عن ابن عمار قال : قضى الله في الحق بشاهدين ، فإن جاء بشاهدين أخذ حقه وإن جاء بشاهد واحد حلف معه.

ومما يحير الألباب أن تكذب فاطمة وترد دعواها ولا تقبل شهادة علي كل ذلك حرصا منهم على منعها منحة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بعد

ــــــــــــــــ

(١) ـ بلاغات النساء : ١٢ ، ١٥ ، ١٦ ، ١٧.


 أن جعلوها من متروكات الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله يعني من حق ورثته.

لكنهم جاؤوا بحديث الأنبياء لا يورثون واحتجت عليهم الزهراء في خطبتها بأنها تستحق ميراث رسول الله فذكرت من الأدلة القرآنية ما يروي الظمأ ويبين الحق وتلت الآيات التي ورث فيها الأنبياء وكون حكمها عاما يشمل ابنة النبي الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله ثم عرجت على آيات الميراث العامة والتي خوطب بها النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله فكان الأولى أن تطبق عليه ثم على سائر المسلمين ، يقول السيد عبد الحسين الموسوي : إن توريث الأنبياء منصوص عليه بعموم قوله عز من قائل ( للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا ) وقوله تعالى ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ) إلى آخر آيات المواريث وكلها عامة تشمل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فمن دونه من سائر البشر فهي على حد قوله عز وجل ( كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ) . وقوله سبحانه وتعالى ( فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ) وقوله تعالى ( حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ) الآية. ونحو ذلك من آيات الأحكام الشرعية يشترك فيها النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وكل مكلف من البشر لا فرق بينه وبينهم ، غير أن الخطاب فيها متوجه إليه ليعمل به وليبلغه إلى من سواه ، فهو من هذه الحيثية أولى في الالتزام بالحكم من غيره كذلك آيات الميراث تخص الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله كغيره من سائر الناس عملا بظاهر الآيات الكريمة(١) .

أما كون الأنبياء السابقين قد ورثوا المال فهذا ما نجده في ظاهر الآيات التي تحدثت عن زكريا (ع) وغيره من الأنبياء كما ذكرت الزهراء في الخطبة ولعل

ــــــــــــــــ

(١) ـ النص والاجتهاد السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي فقرة توريث الأنبياء.


 هنالك من يدعي أن ميراث الأنبياء كان العلم دون المال ولكن ذلك خلاف الظاهر من الآيات إذ أن لفظ الميراث في اللغة والشريعة لا يطلق إلا على ما ينتقل من الموروث إلى الوارث كالأموال ولا يستعمل في غير المال إلا على طريق المجاز والتوسع ، ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز بغير دلالة وقرينة وبالجملة لا بد من حمل الإرث في الآيات القرآنية التي تتحدث عن ميراث الأنبياء على إرث المال دون العلم وشبهها حملا للفظ يرثني على معناه الحقيقي المتبادر إلى الذهن إذ لا قرينة على كون المراد في الآيات توريث العلم ومن يدعي ذلك عليه الإثبات وعلى فرض أن الأنبياء ورثوا العلم لأبنائهم وذويهم فهلا سمعوا العلم عمن ورثه عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وأخذوا بكلام هؤلاء الورثة ورثة علم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الذين هم أعلم بأحكام الدين من غيرهم واتبعوهم أمنا من الضلال « إني تارك فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا من بعدي ».

ومما يثير التساؤل ميراث زوجات النبي في بيوته التي اختص بها نساءه ، عائشة كيف تسنى لها البقاء في بيت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله مع أنه وعلى حسب مدعاهم لا يورث ولم يثبت أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ملكها هذا البيت في حياته كما أن أباها الخليفة الأول لم يطالبها ببينة وانتقلت إليها ملكية البيت بعد وفاة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وأصبحت هي المتصرفة فيه حتى أن أبا بكر وعمر طلبا منها الإذن حتى يدفنا بجوار رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كما أنها منعت من دفن من هو أكثر نصيبا منها على فرض أنه من الميراث لأنها ترث التسع من الثمن باعتبارها إحدى تسع أزواج مات النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وهن في عصمته ، وللزوجة كما هو معلوم ثمن الميراث إن كان له ولد بينما يرث الحسن (ع) عن طريق أمه فاطمة (ع) أكثر منها ومع ذلك ينقل لنا اليعقوبي في حادثة وفاة الحسن بن علي (ع) ثم أخرج نعشه يعني الحسن يراد به قبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فركب مروان بن الحكم ، وسعيد بن العاص فمنعا


 من ذلك حتى كادت تقع الفتنة وقيل أن عائشة ركبت بغلة شهباء ، وقالت : بيتي لا آذن فيه لأحد(١) .

والقرآن الحكيم يثبت أن هذه البيوت التي أودع فيها زوجاته هي له دون الزوجات في قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم ) (سورة الأحزاب : آية / ٥٣) فنسبة البيوت إلى النبي واضحة فهو الأصل وزوجاته عرض على هذه البيوت ولا يعترض قائل بأن الله تعالى يقول أيضا ( وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ) لأن كلمة ( بيوتكن ) هنا تشمل البيت الذي كان في زمن حياة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله والذي تنتقل إليه الزوجة عادة بعد وفاة زوجها فالزوجة إما ترجع إلى بيت أهلها أو تبقى في بيت زوجها والأخير لا يتم إلا عن أحد طريقين إما أنها تملكته في حياة زوجها أو أنها ورثته عنه والثاني غير ممكن بالنسبة لزوجات النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله عند من يؤمن بحديث لا نورث أما الأول فلم يثبت أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قد نحل البيوت لأزواجه ، في حين أن فدكا نحلت لفاطمة الزهراء كما جاء في تفسير آية ( وآت ذا القربى حقه ) قالوا لما نزلت هذه الآية دعا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله فاطمة وأعطاها فدك(٢) .

إذا كلمة ( بيوتكن ) لا دلالة فيها على ملكية زوجات النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لبيوته بل الآية الأولى واضحة في نسبة البيوت للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وهي المقيدة للآية الثانية في حال حياة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله .

لقد طالبوا الصديقة الطاهرة بالبينة ولم يطالبوا غيرها بذلك ما السبب؟! ذلك ما ستكشف عنه الأحداث كما سنفصل.

ــــــــــــــــ

(١) ـ تاريخ اليعقوبي ج ٢ ص ٢٢٥.

(٢) ـ بتفسير الآية من سورة الإسراء في شواهد التنزيل ١ / ٣٣٨ ـ ٣٤١ بسبعة طرق ، والدر المنثور ٤ / ١٧٧ وميزان الاعتدال ٢ / ٢٢٥ ط أولى وكنز العمال ٢ / ١٥٨ ط أولى ومنقحة ، والكشاف ٢ / ٤٤٦ ، وتاريخ ابن كثير ٣ / ٣٦.


فدك الرمز

تعرفنا على الزهراء من خلال القرآن فكانت المثال الأعلى للإيمان والتقوى والورع والزهد والعصمة تجلت لنا أسمى معاني الايثار في الزهراء ومع أهل البيت (ع) يجودون بطعامهم للمسكين واليتيم والأسير لقد مدحها الله مع أبيها وبعلها وبنيها فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ووصفهم بأنهم الموفون بالنذر الخائفون من يوم كان شره مستطيرا وهو تعالى القائل عن لسانهم (إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءا ولا شكورا) ثم جعل سبحانه وتعالى مودتهم أجرا للرسالة والنبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله يتحدث عن ابنته فتفيض كلماته لتعطي الزهراء (ع) هالة من القدسية يتوقف عندها كل القديسين والأولياء إجلالا لعظمتها ، فاطمة (ع) هذه الشامخة المدركة تماما أنها ما خلفت إلا للآخرة إنها كانت من الصنف الذي لا يقيم لحطام الدنيا وزنا وهي التي أهدت حتى ثياب عرسها لسائلة مسكينة ليلة زفافها كما جاء في التاريخ(١) وهي من علمت أخي القارئ من خلال استعراض آيات الذكر الحكيم التي نزلت فيها إضافة إلى كلام أبيها وسيرتها العطرة فاطمة الزهراء (ع) التي عرفتها هي أكبر من أن تطالب بقطعة أرض.

يا ترى لماذا كان إصرارها على المطالبة بحقوقها المادية المتمثلة في فدك وغيرها من الخمس والميراث؟! إنها لم تكن حريصة على امتلاكشيء مآله إلى الزوال في هذه الدنيا ومن المستحيل أن ندعي على الزهراء بأنها قلبت الدنيا على الخليفة الأول من أجلشيء يرتبط بالدنيا لا سيما أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أخبرها بقرب موتها وسرعة لحاقها به.

ــــــــــــــــ

(١) ـ روى ذلك الشيخ عبد الرحمن الصفوري الشافعي في نزهة المجالس ج ٢ ص ٢٢٦ ط القاهرة).


لا بد من أن يكون هنالكشيء عظيم استهدفته الزهراء من مطالبتها بفدك ، من مجمل الأحداث التي اطلعت عليها أثناء بحثي توصلت إلى مغزى مطالبة فاطمة بفدكومن ثم اتخاذها ذلك الموقف من الخلفاء وغضبها ودفنها ليلا وسرا.

بعيد وفاة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله مباشرة حدث الاختلاف حول الخلافة ، البعض ينادي بخلافة علي (ع) وأهل البيت وآخرون يرون شرعية ما جرى في السقيفة من تولية لأبي بكر إن الأحداث بعد وفاة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله أخذت بعدا آخر ولم تكن فدك فيها إلا حلقة من حلقات الصراع بين أصحاب السقيفة وأهل البيت (ع) المعارضين لها بقيادة علي وفاطمة (ع) وكان بيت فاطمة هو ملتقى تلك المعارضة يقول ابن قتيبة في تاريخه إن أبا بكر رضي الله عنه تفقد قوما تخلفوا عن بيعته في دار علي وفاطمة فأبوا أن يخرجوا فدعا عمر بالحطب ، يريد منهم أن يبايعوا بالإكراه والقوة ، وقال : والذي نفس عمر بيده. لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها. فقيل له يا أبا حفص إن فيها فاطمة فقال : وإن فوقفت فاطمة رضي الله عنها على بابها فقالت : لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضرا منكم تركتم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله جنازة بين أيدينا وقطعتم أمركم بينكم ، لم تستأمرونا ولم تردوا لنا حقنا(١) .

لقد أطلقت فاطمة (ع) صوت المعارضة وحملت مشعل الحقيقة لتبين للجماهير التي اشتبه عليها الأمر وطالبت بفدك وأثبتت بذلك للتاريخ كله أن خلافة تقوم في أول خطوة لها بالاعتداء على أملاك رسول الله صلى ليست امتدادا له بقدر ما هي انقلاب عليه كما هو الشأن في كل الانقلابات التي تتم في العالم

ــــــــــــــــ

(١) ـ تاريخ الخلفاء ج ١ ص ١٢.


حيث تتم مصادرة أملاك السابقين وأي شخص يتجرد من العصبية المذهبية ويفهم أوليات السياسة يدرك مغزى مصادرة (فدك) وإخراج عمال فاطمة منها وبالقوة أو كما يعبر صاحب الصواعق المحرقة انتزاع فدك من فاطمة. ولم تكن فدك قطعة الأرض ، هي مقصد فاطمة (ع) بل الخلافة الإسلامية التي كانت حقا لزوجها علي بن أبي طالب كما سنبين ويمكن تلخيص أسرار المطالبة بفدك في الآتي :

١ ـ إن فاطمة كغيرها من البشر تطالب بحقها سواء كان ذلك نحلة أو هبة من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أو ميراثا أو حقوقا شرعية كالخمس ، ومن هذا الحق الطبيعي انطلقت الزهراء لتعري القوم وتكشف عن حقيقتهم ، والحكمة كانت تقتضي أن تكون المبادرة من الزهراء (ع) بعد أن استولى الحاكم الجديد على جميع امتيازات الهاشميين وكانت مطالبة علي بن أبي طالب وبقية الهاشميين بحقوقهم صعبة في ظل تلك الظروف التي رفض فيها هؤلاء مبايعة الخليفة وإمضاء ما جرى في السقيفة وأي محاولة منهم للتحرك كانت تعني إعطاء الطرف الآخر المبرر للتصفية التي كانت تلوح في الأفق من خلال كلمات جماعة السقيفة وهم يتشاورون ويبحثون عن طريقة يجبرون بها الهاشميين وعلى رأسهم علي (ع) على البيعة.

٢ ـ لقد رأت الزهراء في المطالبة بفدك فرصة طيبة للإدلاء برأيها حول الخلافة وكانت لا بد من أن تدلي بتصريحاتها أمام الجماهير فاختارت المسجد المكان المناسب حيث معقل الخلافة هنالك وحيث كان أبوها يلقي الحديث تلو الحديث عن فضلها ومكانتها عند الله وصدقها وزهدها وقدسيتها ، ولذلك عرفت نفسها في الخطبة قائلة واعلموا أني فاطمة وأبي محمد وانطلقت في مهمتها الرسالية لتظهر حال ومآل الخلافة ، وتكشف الحقائق ليهلك من هلك عن


بينة ويحيى من حي عن بينة.

٣ ـ كانت الخلافة المغتصبة هي محط أنظار البتول الطاهرة (ع) فجاءت مطالبتها الحثيثة بفدك وغيرها من الحقوق وبعدها يفسح لها المجال لتطالب بالأمر الذي اختص به زوجها وهو ولاية أمر المسلمين وأصبحت فدك ترتبط بالخلافة بلا فاصل كما تحول محتواها وكبر معناها فلم ينحصر في قطعة الأرض المحدودة بل صار معناها الخلافة والبلاد الإسلامية كاملة

وذلك ما وضحه حفيدها الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع) حينما ألح عليه الرشيد العباسي في أخذ فدك ، قال له الإمام : ما آخذها إلا بحدودها ، قال الرشيد : وما حدودها ، قال (ع) : الحد الأول عدن والحد الثاني سمرقند والحد الثالث إفريقية والحد الرابع سيف البحر مما يلي الخزر وأرمينية فقال له الرشيد ، فلم يبق لناشيء فتحول من مجلسي ـ أي إنك طالبت بالرقعة الإسلامية في العصر العباسي بكاملها ـ فقال الإمام : قد أعلمتك أني إن حددتها لم تردها. فدك إذا هي التعبير الثاني عن الخلافة الإسلامية والزهراء (ع) جعلت فدك مقدمة للوصول إلى الخلافة.

ذكر ابن الحديد في شرحه قال : سألت علي بن الفارقي مدرس مدرسة الغربية ببغداد فقلت له : أكانت فاطمة صادقة؟ قال : نعم قلت : فلم لم يدفع إليها أبو بكر فدك وهي عنده صادقة؟ فتبسم ثم قال كلاما لطيفا مستحسنا مع ناموسه وحرمته وقلة دعابته قال : لو أعطاها اليوم فدك بمجرد دعواها ، لجاءت إليه غدا وادعت لزوجها الخلافة وزحزحته عن مقامه ولم يكن يمكنه الاعتذار والمدافعة بشئ ، لأنه يكون قد سجل على نفسه بأنها صادقة فيما تدعي كائنا ما كان من غير حاجة إلى بينة ولا شهود »(١) .

ـــــــــــــــ

(١) ـ شرح النهج ج ١٦ ص ٢٨٤.


 ومما يؤكد دعوانا في أن الخلافة كانت في الهدف الأساسي ما جاء في الإمامة والسياسة من قول ابن قتيبة وخرج علي كرم الله وجهه يحمل فاطمة بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله على دابة ليلا في مجالس الأنصار تسألهم النصرة ، فكانوا يقولون : يا بنت رسول الله لقد مضت بيعتنا لهذا الرجل ولو أن زوجك وابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر ، ما عدلنا به فقال علي كرم الله وجهه : أفكنت أدع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في بيته لم أدفنه ، وأخرج أنازع الناس سلطانه؟ فقالت فاطمة : ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له ولقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم(١) .

 لقد كان لفاطمة (ع) موقف واضح من الخلافة حتى أن بيتها كان عند جماعة السقيفة هو مركز المعارضة حتى قال عمر في روايته لما جرى في السقيفة بعد أن ذكر أنها فتنة ولكن الله وقى شرها المسلمين يقول : وإن عليا والزبير ومن معهما تخلفوا عنا في بيت فاطمة(٢) .

تجمع الهاشميون في بيت فاطمة (ع) وأعلنوا معارضتهم لما جرى في السقيفة ومعهم بعض الأنصار الذين كانوا يهتفون : لا نبايع إلا عليا كما ينقل ابن الأثير ثم يقول وتخلف علي وبنو هاشم والزبير وطلحة عن البيعة ، وقال الزبير : لا أغمد سيفا حتى يبايع علي فقال عمر : خذوا سيفه واضربوا به الحجر »(٣) .

وجاء في تاريخ اليعقوبي أن البراء بن عازب جاء فضرب الباب على بني هاشم وقال : يا معشر بني هاشم بويع أبو بكر فقال بعضهم : ما كان المسلمون

ــــــــــــــــ

(١) ـ الإمامة والسياسة ج ١ ص ١٢.

(٢) ـ الكامل في التاريخ لابن الأثير ج ٢ ص ٣٢٥.

(٣) ـ المصدر ج ٢ ص ٣٢٧.


 يحدثون حدثا نغيب عنه ونحن أولى بمحمد. فقال العباس : فعلوها ورب الكعبة(١) .

وينقل أيضا أنه قد « تخلف عن بيعة أبي بكر قوم من المهاجرين والأنصار ومالوا مع علي بن أبي طالب منهم العباس والفضل بن العباس والزبير والمقداد وسلمان وعمار » « وبلغ أبا بكر وعمر أن هذه الجماعة قد اجتمعت مع علي في منزل الزهراء فاطمة بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فأتوا في جماعة حتى هجموا على الدار »(٢) .

إذا لقد تابعت الزهراء أحداث المعارضة بكل تفاصيلها لأنها انطلقت من بيتها ، وكما هو معلوم تختلف أدوار المعارضة من شخص إلى آخر ، واتكأت فاطمة (ع) على شخصيتها الطاهرة المقدسة التي عرفهم بها القرآن والرسول فأعلنت المعارضة كما هو واضح من النصوص التاريخية التي استعرضناها ، وكانت المطالبة بفدك ، لكن القوم أبوا إلا أن يسدوا كل المنافذ التي كانت تفتح لإيصال كلمة الحق للناس ، ومع ذلك يظل موقف الزهراء نورا به يستكشف الحق لمن أراده حقيقة.

لقد كانت الفترة ما بين وفاة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى حين وفاة ابنته فاطمة الزهراء (ع) منحنى خطيرا في تاريخ الأمة الإسلامية ترك بصماته واضحة لمن ألقى السمع وهو شهيد.

وكان لفاطمة (ع) الدور الرئيسي في هذه الفترة وفي مقابل ذلك لم يسكت أصحاب السقيفة مكتوفي الأيدي وهم يرون الزهراء (ع) تفعل ما تفعل فكان لا بد لهم من محاولة إسكات هذه الصرخة فجرت الأحداث ساخنة كما تذكرها كتب التاريخ والسير.

ـــــــــــــــ

(١) ـ تاريخ اليعقوبي ج ٢ ص ١٢٤.

(٢) ـ تاريخ اليعقوبي ج ٢ ص ١٢٥ ـ ١٢٦.


 الخلفاء واقتحام الدار

بلغ الصراع أعلى قمة له بين أصحاب السقيفة والهاشميين ومن نادى بخلافة علي (ع) حينما تحصنوا بدار فاطمة (ع) وأعلنوا رفض الخلافة وكان لا بد للسلطة آنذاك أن تتخذ خطوات عملية أكثر تطورا حتى لا تتفاقم الأمور وتسير على غير ما يشتهون خصوصا وأن الطرف المقابل المعارض وعلى رأسه علي وفاطمة (ع) له من القدسية ما يلهب في الآخرين الحماس والتحرك لمواجهة الحكومة.

وفي مسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حيث مقر الحكم بدأت المشاورات والتخطيط لإجبار المعارضين على البيعة وكما هو معلوم فإن بيت فاطمة يفتح مباشرة على المسجد ولا باب لهم إلا هذا كما سيأتي في حديث سد الأبواب إلا باب علي (ع).

لقد كانت فكرة أصحاب السقيفة تتلخص في ضرورة إجبار هؤلاء على البيعة حتى لو اضطرهم ذلك لقتالهم وقتلهم.

جاء في كتاب الإمامة والسياسة فأتى عمر أبا بكر فقال له : ألا تأخذ هذا المتخلف عنك يعني علي (ع) بالبيعة؟ فقال أبو بكر لقنفذ وهو مولى له : إذهب فادع لي عليا ، قال فذهب إلى علي فقال له ما حاجتك؟ فقال : يدعوك خليفة رسول الله ، فقال علي لسريع ما كذبتم على رسول الله فرجع فأبلغ الرسالة قال : فبكى أبو بكر طويلا فقال عمر : لا تمهل هذا المتخلف عنك بالبيعة(١) .

لقد كان الاصرار قويا من عمر وهو يلفت نظر أبي بكر إلى تخلف

ــــــــــــــــ

(١) ـ تاريخ الخلفاء لابن قتيبة ج ١ ص ١٣.


 علي (ع) عن البيعة حتى أنهم هددوه بالقتل يقول ابن قتيبة « فقالوا له : بايع ، فقال : إن لم أفعل فمه قالوا : إذا والله الذي لا إله هو نضرب عنقك! »(١) .

لقد استفحل الأمر بين الجبهتين حتى أنه وكما ينقل لنا اليعقوبي لو وافى عليا أربعون من المخلصين لكان لأمر الخلافة حديث آخر ولكن لم يجد علي من يعينه ، يقول اليعقوبي « وكان خالد بن سعيد غائبا فقدم فأتى عليا فقال هلم أبايعك ، فوالله ما في الناس أحد أولى بمقام محمد منك واجتمع جماعة إلى علي بن أبي طالب يدعونه إلى البيعة له ، فقال لهم : أغدوا علي غدا محلقين الرؤوس فلم يغد عليه إلا ثلاثة نفر »(٢) .

ولم تبق وسيلة أمام السلطة إلا اقتحام الدار وإجبار من فيها حتى ولو كانت هذا الدار هي تلك الدار المقدسة التي يقطنها أهل البيت (ع) ولم يشفع أهل الدار دون أن تحرق وتنتهك حرمتها ، وهذا ما جرى عندما تفقد أبو بكر قوما تخلفوا عن بيعته عند علي كرم الله وجهه فبعث إليهم عمر ، فجاء فناداهم وهم في دار علي فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحطب وقال : والذي نفس عمر بيده : لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها فقيل له يا أبا حفص : إن فيها فاطمة؟ قال : وإن(٣) .

 لقد حاولوا أن يلفتوا انتباه الخليفة الثاني الذي كان شديدا في الأخذ لبيعة أبي بكر ولكنه كان في كامل وعيه وهو ينوي الاحراق وإشعال النار في بيت بنت المصطفى ، لقد نظم الشاعر حافظ إبراهيم الحادثة قائلا :

ـــــــــــــــ

(١) ـ نفس المصدر ص ١٣.

(٢) ـ تاريخ اليعقوبي ج ٢ ص ١٢٦.

(٣) ـ الإمامة والسياسة ج ١ ص ١٢.


وقولة لعلي قالها عمر

أكرم بسامعها أكرم بملقيها

أحرقت دارك لا أبقي عليك بها

إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها

من كان غير أبي حفص يفوه بها

أمام فارس عدنان وحاميها

لقد استقبلتهم الزهراء (ع) من وراء الباب صارخة إلى أين يا بن الخطاب؟ أجئت لتحرق دارنا؟ قال : نعم(١) .

لم يكن أمام القوم إلا الخلافة ، فاقتحموا تلك الدار وأدخلوا فيها الرجال.

يقول اليعقوبي « وبلغ أبا بكر وعمر أن جماعة من المهاجرين والأنصار قد اجتمعوا مع علي بن أبي طالب في منزل فاطمة بنت رسول الله ، فأتوا في جماعة حتى هجموا على الدار »(٢) .

لا أدري كيف طاوعتهم أنفسهم لهتك ستر هذه الدار التي كان الرسول يقبض حلقتها عند كل صلاة صائحا « الصلاة يا أهل البيت ، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا »(٣) . من أين أتتهم الجرأة لكشف ذلك البيت الذي كان يخرج رسول الله في أسفاره منه ثم يكون أول محطة له عند عودته. هذا البيت الذي كان يقدسه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ويأمر الناس بتقديسه ولكنها الخلافة الرئاسة الملك.

لقد أغلق رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كل الأبواب التي كانت تفتح على مسجده إلا باب هذا البيت فكيف يكون هو نفسه هدف الهجوم من الرجال لقد جرى كلشيء على مرأى ومسمع الخليفة أبي بكر إذ أن

ــــــــــــــــ

(١) ـ تاريخ أبي الفداء ج ١ ص ١٦٤.

(٢) ـ تاريخ اليعقوبي ج ٢ ص ١٢٦.

(٣) ـ المستدرك للحاكم ج ٣ ص ١٥٨ ، مسند أحمد بن حنبل تفسير الطبري ، شواهد التنزيل وغيرها من المصادر.


 المنبر ليس ببعيد عن موقع الأحداث التي جرت في بيت فاطمة (ع) بل إن أبا بكر يعترف بأن الدار قد تم اقتحامها بأمره ويعتبرها إحدى أفعاله التي تمنى لو أنه لم يقم بها ، يقول في مرض موته : إني لا آسى على شيء من الدنيا إلا على ثلاث فعلتهن وددت أني تركتهن وثلاث تركتهن وددت أني فعلتهن وثلاث وددت أني سألت عنهن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأما الثلاث اللاتي وددت أني تركتهن فوددت أني لم أكشف بيت فاطمة عنشيء وإن كانوا قد غلقوه على حرب(١) .

في اليعقوبي « وليتني لم أفتش بيت فاطمة بنت رسول الله وأدخله الرجال ولو كان أغلق على حرب »(٢) .

في هذين النصين يبرز واضحا اعتراف الخليفة الأول بأن دار فاطمة قد اقتحمت بأمره ولعل كلمتي « أكشف » « وأفتش » دلالتهما بينة خصوصا وأن الدار المقصودة معقل المعارضة ، وملتقى الهاشميين فالكشف والتفتيش أقرب المعاني المعبرة عن مراد السلطة آنذاك والكشف معناه كما في لسان العرب لابن منظور رفعك الشئ عما يواريه ويغطيه وبالتأكيد على حسب كلام أبي بكر لم يكن ذلك برضاهم وإلا لتغير التعبير لأن رفع الشئ عما يواريه وإظهاره يكون من جانب الكاشف ، والمكشوف هنا بيت العصمة والطهارة بيت فاطمة التي قالت لأبي بكر وعمر عندما التقيا بها أرأيتكما إن حدثتكما حديثا عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله تعرفانه وتعملان به؟ قالا نعم فقالت نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول رضا فاطمة من

ــــــــــــــــ

(١) ـ تاريخ الطبري ج ٢ ص ٦١٩.

(٢) ـ تاريخ اليعقوبي ج ٢ ص ١١٥.


رضاي وسخط فاطمة من سخطي فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني ، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني ، قالا نعم ، سمعناه من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قالت فإني أشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني ولئن لقيت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لأشكونكما إليه فبكى أبو بكر. حتى كادت نفسه تزهق وهي تقول: « والله لأدعون الله عليك في كل صلاة أصليها »(١) .

شئ عظيم هذا الذي فعلوه مع الزهراء حتى أصبحت تدعو على الخليفة الأول في كل صلاة لقد تفننوا في إرعاب قلب بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، عندما جاء عمر والرجال لإحراق الدار وجمعوا الحطب كانت أول من تلقتهم خلف الباب وصرخت ونادت بأعلى صوتها : يا أبت يا رسول الله ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة »(٢) .

ومع ذلك اقتحموا الدار وخلف الباب فاطمة ، وذلك ما أقر به أبو بكر في قوله وليتني لم أفتش بيت فاطمة وأدخله الرجال ولا ينفع الندم لأن فاطمة (ع) حينما قال أبو بكر هذا كانت قد وصلت إلى أبيها وشكت إليه لأنها ماتت وهي واجدة عليه كما مر.

لقد ظلل على الأجواء التوتر ورائحة الدم تملأ المدينة وشبح التصفية يطارد أهل البيت (ع) وفاطمة رمز المعارضة لا يبعد أن يصيبها وابل من غضب أصحاب السقيفة ، وهذا ما جرى للأسف الشديد فهم اقتحموا الدار وفيه فاطمة ، وأحرقوا الباب وخلفه فاطمة. وأنا أتابع هذه الأحداث أثناء بحثي لم

ــــــــــــــــ

(١) ـ الإمامة والسياسية ج ١ ص ١٣ ـ ١٤.

(٢) ـ المصدر السابق.


يهمني إلا فاطمة ولضبابية الرؤية التي كانت في كتب القوم صرت أبحث بتلهف هنا وهناك وأتصيد المعلومات لأن الذين كتبوا التاريخ لا بد لهم من أن يحفظوا ماء وجه المقدسين لديهم فلا يبرزوا إلا بعض الحقائق عنهم.

وكان يهمني مصير فاطمة ، لأنها عندي كانت تعني مصير الرسالة ، ووجدت الطامة الكبرى ، واكتملت لدي الصورة عندما رجعت إلى أحفادها « أهل البيت (ع) » وعرفت ما جرى ولكن قبل أن أصل إلى هذه الحقيقة لفت انتباهي أن جمهرة من العلماء ذكرت اسم المحسن كأحد أبناء الإمام علي من فاطمة لكن بعضهم اكتفى بذكره دون إشارة إلى موته والبعض الآخر قال أنه مات صغيرا أو حين ولادته وثالث قال أنه ولد سقطا في زمن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وتساءلت عن سبب هذه الضبابية والتعتيم على زمن وكيفية وفاة المحسن بعد أن ثبت كونه من جملة أولاد علي من فاطمة الزهراء (ع) ، وتبين لي مع الأسف أن كل ذلك ـ من هؤلاء المؤرخين ـ كان محاولة منهم للجمع بين حقيقة كونه من جملة أولاد الزهراء من جهة وصرف مسألة العنف الذي بسببه أسقطت الزهراء محسنا ، فكانت الضبابية ، ولكن تواتر الأحداث مضافا إليها الروايات القائلة بإسقاط الزهراء أثناء الهجوم يؤكد حقيقة واحدة وهي أن فاطمة كانت تحمل في بطنها جنينا سماه النبي محسنا وهو في بطن أمه هذا الجنين لم ير النور قط ، وإليك الأحاديث التي جمعناها في هذا الصدد :

* ـ قال الطبري وابن الأثير « وقد ذكر أنه كان له (الإمام علي) منها (فاطمة) ابن آخر يقال له محسن وأنه توفي صغيرا »(١) .

* ـ قال يونس : سمعت ابن إسحاق يقول : « فولدت فاطمة لعلي حسنا

ــــــــــــــــ

(١) ـ الكامل لابن الأثير ج ٣ ص ٣٩٧ ، وتاريخ الأمم والملوك للطبري ج ٥ ص ١٥٣.


وحسينا ومحسنا ، فذهب محسن صغيرا ».

* وقال ابن إسحاق ، فولدت فاطمة لعلي حسنا وحسينا ومحسنا مات صغيرا(١) .

* قال ابن حزم الأندلسي : تزوج فاطمة علي بن أبي طالب فولدت له الحسن والحسين ، والمحسن مات المحسن صغيرا(٢) .

* جاء في تاج العروس ولسان العرب : شبر وشبير ومشبر هم أولاد هارون وذكر مثل ذلك كثير من الأعلام أمثال المحب الطبري في ذخائر العقبى وابن الأثير في أسد الغابة ج ٤ ص ٣٠٨ والعسقلاني في الإصابة ج ٤ ص ٤٧١ واليعقوبي في تاريخه. وبها سمى علي (رض) أولاده يعني حسنا وحسينا ومحسنا(٣) .

وهناك روايات تتحدث عن إسقاط المحسن قال المسعودي وضغطوا سيدة النساء بالباب حتى أسقطت محسنا(٤) .

ولد ثالث للزهراء اسمه محسن ، كما يذكر صاحب ذخائر العقبى في مودة القربى ويقول عنه أنه مات صغيرا واسم محسن جديد على مسامعي لم أسمع به وما ورد في الحسن والحسين غير قليل فلماذا لم يردشيء تفصيلي عن الابن الثالث لفاطمة الزهراء (ع)؟!

بعد التنقيب والبحث اكتشفت لماذا يذكر المحسن كثيرا إذ أن ذكره يستتبع أمورا تهد الجبال هدا وإليك شذرات مما وجدته وبعدها نحاول ربط الأحداث ببعضها لتتعرف على سر المحسن بن علي ثم نعرج على أهل البيت (ع) لنرسم الصورة كاملة :

ــــــــــــــــ

(١) ـ دلائل النبوة للبيهقي ج ٣ ص ١٦١.

(٢) ـ جمهرة أنساب العرب ص ١٦ ـ ٣٧.

(٣) ـ تاج العروس ج ٣ ص ٣٨٩ ، ولسان العرب ج ٤ ص ٣٩٣.

(٤) ـ إثبات الوصية ص ١٤٣.


جاء في كتاب الملل والنحل للشهرستاني : قال إبراهيم بن سيار بن هاني النظام إن عمر ضرب بطن فاطمة حتى ألقت الجنين من بطنها وكان يصيح : احرقوا دارها بمن فيها(١) .

وقال ابن حجر العسقلاني في ترجمة أحمد بن محمد بن السري بن يحيى أبي دارم المحدث أبو بكر الكوفي ، قال محمد بن أحمد بن حماد الكوفي الحافظ بعد أن أرخ موته :

كان مستقيم الأمر عامة دهره ثم في آخر أيامه كان أكثر ما يقرأ عليه المثالب حضرته ورجل يقرأ عليه أن عمر رفس فاطمة حتى أسقطت بمحسن(٢) .

إذا لقد أسقطت فاطمة عليها‌السلام الابن الثالث محسن وذلك يعني أنه قتل ولم يمت

 في الواقع إن الأحداث الساخنة التي كانت آنذاك كان لا بد من أن يتخللها مثل هذه المصائب الفظيعة التي لم يذكرها المؤرخون السنة صراحة والسبب معلوم كما ذكرنا ولكن شعاع الحق يرفض إلا أن يتسلل من بين ثنايا ذكر ما جرى أو بالأحرى ذكر ما يحبون ذكره مما جرى.

لقد ذكروا كما رأينا أن عمر كان يصر على أبي بكر أن يأخذ المتخلفين عن البيعة بالقوة ثم إنه هو الذي أخذ الرجال إلى باب دار فاطمة ومعه الحطب لحرق الدار إن هم رفضوا الخروج وعند وصولهم إلى باب الدار كان أول ما

ــــــــــــــــ

(١) ـ الملل والنحل ج ١ ص ٥٧ إبراهيم بن سيار أحد أقطاب المعتزلة.

(٢) ـ لسان الميزان ج ١ ص ٢٦٨.

وأورده أيضا صلاح الصفدي في (الوافي بالوفيات) ج ٦ ص ٧ وقال ابن حجر العسقلاني في لسان الميزان وينقل عن محمد بن أحمد بن حماد الكوفي بعد أن أرخ موته (كان مستقيم الأمر عامة دهره ثم في آخر أيامه كان أكثر ما يقرأ عليه المثالب الخ كما نقلنا.


 تلقتهم فاطمة (ع) خلف الباب كما ذكرت آنفا وللتأكيد أورد لك هذين النصين وعليك عزيزي القارئ أن تنتقل بروحك وعقلك إلى تلك الفترة التاريخية لتتصور ما يمكن أن يجري ، قال أحمد بن يحيى البلاذري : إن أبا بكر أرسل إلى علي يريد البيعة ، فلم يبايع ، فجاء عمر ومعه فتيلة فتلقته فاطمة على الباب فقالت : يا ابن الخطاب أتراك محرقا علي بابي؟ قال : نعم »(١) .

وعن نفس الحادثة ينقل ابن عبد ربه الأندلسي :

بعث إليهم ـ يعني المتخلفين عن البيعة ـ أبو بكر عمر ليخرجوا من بيت فاطمة وقال له : إن أبوا فقاتلهم ، فأقبل بقبس من نار على أن يضرم عليهم الدار فلقيته فاطمة فقالت : يا ابن الخطاب : أجئت لتحرق دارنا؟ قال : نعم(٢) .

لقد تصدت فاطمة (ع) لعمر من خلف الباب لعل قلوب الرجال تخشع عندما تسمع صوت امرأة قال عنها الرسول أنها سيدة نساء العالمين وربما لتكون عليهم الحجة أبلغ لقول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله : من آذى فاطمة فقد آذاني ولذلك صرخت كما ينقل ابن قتيبة : يا أبت يا رسول الله ماذا لقينا بعدك.

 ومع ذلك اقتحموا الدار بشهادة أبي بكر في تأسفه على الثلاثة اللاتي ود أنه لم يفعلهن وقال وأدخله الرجال كما ، مر ، قال اليعقوبي فأتوا في جماعة حتى هجموا على الدار ولو لم يتم الهجوم ما كان هنالك داع لتأسف أبي بكر الذي جاء متأخرا.

لقد اقتحموا وإنشيء ت فقل هجموا على دار البتول الزهراء (ع) وكانت

ــــــــــــــــ

(١) ـ أنساب الأشراف ج ١ ص ٥٨٦.

(٢) ـ العقد الفريد ج ٥ ص ١٣.


 أول من تلقاهم خلف الباب ، والهجوم والاقتحام عادة يكون بلا استئذان ولا رحمة ومما لا شك أن كلشيء يعترض تلك الهجمة الشرسة لا بد أن يتحطم ويبعد عن الطريق ولكن بكل أسى ولوعة كان ذلك الشئ بضعة الرسول ووصيته فاطمة (ع) فضربت حتى أسقط جنينها ، هذه هي الحقيقة التي حاول القوم إخفاءها فتسللت من بين مجريات الأحداث وظهرت على صفحة التاريخ نقطة سوداء في جبين الأمة كان هذا القدر كاف لكي أجمع باقي خيوط القضية كاملة منذ وفاة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى حين موت الزهراء (ع) ، أو استشهادها نعم لقد انتقلت إلى جوار ربها مظلومة مقهورة بسبب ما جرى لها من ضرب ورفس أدى إلى إسقاط جنينها المحسن ومن ثم مرضت إلى أن لحقت بأبيها تشكو له ما جرى عليها.

بعد ذلك توجهت إلى أحفادها لكي استمع منهم تفاصيل ما جرى وهم أدرى بما جرى لجدتهم الزهراء (ع) وهناك تجلت لي الحقائق ولكن كانت تكمن عقدتي في أن ذلك يجعلني ألجأ إلى الروايات عن أهل البيت (ع) عن طريق الشيعة.

فسألت نفسي ولماذا لا آخذ بقولهم لقد عرفت من كتب السنة أن فاطمة غضبت على الخليفتين حتى ماتت ولم تأذن لأبي بكر أن يصلي عليها ثم إنها طالبت بالخلافة لعلي (ع) ، وكان بيتها مركز المعارضة كما علمت أن بيتها كان مستهدفا من السلطة التي قررت إجبار من في البيت على البيعة وإن أبوا فالقتل والإحراق ونفذوا ما خططوه وهجموا على الدار وكان خلف الباب الزهراء تذكرهم برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ووصاياه ومع ذلك اقتحموا الدار وفاطمة تصرخ ورأيت بين طيات نفس الكتب أن هنالك من يقول بأن فاطمة ضربت وأسقط جنينها كما مر ومهما يكن صنف القول فتسلسل الأحداث يرجح وقوع ما جرى. لكل ذلك لم أجد أن عقلي يمانع في الأخذ


 بقول الأئمة من أهل البيت (ع) حول ما جرى من أحداث أدت إلى وفاة فاطمة (ع) فكتب السنة ليست أولى بالأخذ منها بكتب الشيعة لأن هذا أول الكلام الذي يحتاج إلى دليل لسنا في صدده الآن.

وسأنقل لك عزيزي القارئ تمام الأحداث كما تراءت لي عند أهل البيت (ع) ، لقد تحدث أحفاد الزهراء وبينوا مفصلا ما جرى بعد أحداث السقيفة رواياتهم تقطر ألما وحسرة على هذه الأمة التي لم تحفظ رسول الله في أهله أغضبت الزهراء وأسقطت ابنها المحسن وقتلت زوجها غدرا وابنها الأكبر المجتبى الحسن سما وابنها الحسين ذبحا.

يقول الإمام جعفر بن محمد الصادق حفيد الزهراء سليل النبوة « ولا يوم كيوم محنتنا بكربلاء ، وإن كان يوم السقيفة وإحراق النار على باب أمير المؤمنين والحسن والحسين وفاطمة وزينب وأم كلثوم وفضة ، وقتل محسن بالرفسة أعظم وأدهى وأمر ».

إنني لن أستعرض كل ما ذكره أئمة أهل البيت (ع) حول الأحداث التي جرت بعد وفاة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله لأن ذلك يحتاج منا إلى مجلدات ، لقد أكثر أهل البيت في بيان ذلك حتى تتعرف الأمة على أصل المأساة التي سببت الفرقة والشتات وسآخذ بعضا من هذه الروايات لتكتمل الصورة أمام القارئ العزيز.

لقد جرت أحداث السقيفة وتنصيب الخليفة أبي بكر وأهل البيت مشغولون بمصابهم في وفاة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وبالذات الإمام علي (ع) الذي أوصاه الرسول ألا يلي غسله غيره.

انتهى أمر الخلافة التي لم يشارك في مشاوراتها علي بن أبي طالب فكان موقفه الذي علمته وسيأتيك مزيد من التفصيل عنه ، فلقد رفض البيعة وبدأ يذكر


 الناس بالعهود والمواثيق ، يقول سلمان الفارسي فلما أن كان الليل حمل علي (ع) فاطمة على حمار وأخذ بيدي ابنيه الحسن والحسين فلم يدع أحدا من أهل بدر من المهاجرين ولا من الأنصار إلا أتاه في منزله فذكرهم حقه ودعاهم إلى نصرته فما استجاب له منهم إلا أربعة وأربعون رجلا ، فأمرهم أن يصبحوا بكرة محلقين رؤوسهم معهم سلاحهم ليبايعوا على الموت فأصبحوا فلم يواف منهم أحد إلا أربعة : أنا وأبو ذر والمقداد والزبير بن العوام ، فعل ذلك مرتين وعندما رأى غدرهم وقلة وفائهم له لزم بيته وأقبل على القرآن يجمعه(١) . ورفض أن يبايع.

أرسلوا إليه ليبايع وبدأت من هنا المواجهة الساخنة بعد أن أمر عمر بجمع الحطب أمام بيت فاطمة مهددا بالإحراق إن لم يبايع علي ، جاؤوا ليجبروا أهل البيت على البيعة ، وقفت فاطمة خلف الباب لعل القوم يراعوا حرمتها وحريمها فلم ينفع فيهم ذلك قال الإمام الكاظم (ع) وهو موسى بن جعفر الصادق ـ وهو يصف ما جرى ـ لما حضرت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الوفاة دعا الأنصار وقال يا معشر الأنصار لقد حان الفراق إلى أن قال : ألا إن فاطمة بابها بابي وبيتها بيتي فمن هتكه فقد هتك حجاب الله. قال الراوي فبكى الإمام الكاظم « أبو الحسن (ع) طويلا وقطع بقية كلامه وقال : هتك ـ والله ـ حجاب الله هتك والله حجاب الله ، هتك والله حجاب الله »(٢) .

كما جاء عن الإمام الباقر (ع) محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، وهو يتحدث عن الزهراء : وحملت بالحسن فلما رزقته حملت بعد أربعين يوما بالحسين ثم رزقت زينب وأم كلثوم وحملت بمحسن فلما قبض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وجرى ما جرى يوم دخول القوم عليها دارها. أسقطت

ــــــــــــــــ

(١) ـ كتاب سليم بن قيس الهلالي ص ٣١.

(٢) ـ بحار الأنوار : ج ٢٢ ص ٤٧٦ ـ ٤٧٧.


 ولدا تماما ـ وهو محسن ـ وكان ذلك أصل مرضها ووفاتها صلوات الله عليها.

وورد عن الإمام الصادق (ع) أنه قال : لما أسري بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قيل له : إن الله يختبرك في ثلاث وصار يعددها إلى أن قال :

وأما ابنتك فتظلم وتحرم ويؤخذ حقها غصبا الذي تجعله لها وتضرب وهي حامل ويدخل عليها وعلى حريمها ومنزلها بغير إذن ثم يمسها هوان ولا تجد ، مانعا وتطرح ما في بطنها من الضرب وتموت من ذلك الضرب.

ويقول الإمام الصادق (ع) واصفا بعض ما جرى : وضرب سلمان الفارسي ، وإشعال النار على باب أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين لإحراقهم بها وضرب فاطمة ورفس بطنها وإسقاط محسنها.

وقوله (ع) وهو يصف ما جرى لأهل البيت في رواية طويلة أخرى يتحدث فيها عما فعله القوم وجمعهم الجزل والحطب على الباب لإحراق بيت أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين وزينب وأم كلثوم وإضرامهم النار على الباب وخروج فاطمة إليهم وخطابها لهم من وراء الباب : ويحكم ما هذه الجرأة على الله ورسوله ، قال عمر : ما علي إلا كأحد المسلمين فاختاري إنشيء ت خروجه لبيعة أبي بكر أو إحراقكم جميعا. وهجومهم على الدار وركل عمر للباب برجله حتى أصاب بطنها وهي حامل لستة أشهر وإسقاطه إياه وصياح أمير المؤمنين لفظة : يا فضة مولاتك فاقبلي منها ما يقبله النساء ، فقد جاء المخاض من الرفسة ورد الباب فأسقطت محسنا ، وقال (ع) : فإنه لاحق بجده رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فيشكو له(١) .

ــــــــــــــــ

(١) ـ بحار الأنوار موسوعة أحاديث لأهل البيت (ع) ج ٥٣ ص ١٨ ـ ١٩. وأغلب الأحاديث التي أوردناها في هذا المجال من المصادر الحديثية لأهل البيت وكتاب مأساة الزهراء شبهات وردود للسيد جعفر مرتضى العاملي.


استشهاد الزهراء (ع)

ما أقسى لحظات فراق الأحبة ، خصوصا إذا كان للعلاقة جذور تضرب في عمق القيم والمثل وتسقى بالوحي علاقة لا كسائر العلاقات علاقة بين نبي عظيم وابنة صديقة طاهرة من لحمه ودمه ، ابنة ذابت في حب أبيها وليس حبا للأبوة فقط إنه حب من نوع آخر لا ندرك كنهه أنا وأنت لماذا؟! لأنها متبادلة بين أب اختاره الله باعتباره أعظم وأشرف خلق الله وهو المصطفى محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله وابنة طهرها الله وعصمها إذا هو حب منشؤه حب الله وطاعة الله لقد انفصمت عرى هذه العلاقة بانتقال الأب والمربي إلى الرفيق الأعلى ، وترك الرسالة الإلهية من خلفه وقد أناط استمرارها تلك بالطرف الباقي الآخر ، الابنة الزكية التي تدخلت الإرادة الإلهية مباشرة حتى في زواجها فكان الزوج عليا بن أبي طالب أفضل من يحفظ الرسالة في شخص فاطمة (ع) وغيرها. لكن القوم ما فهموا معنى الرسالة والرسول ، وما وعوا معنى النبوة والوحي بل لم يقدروا الله حق قدره فاعترضوا على حكمه وتجاوزوا قوله ومن ثم اعتدوا على مقام النبوة ، وأبوا إلا يجرعونا وكل المحبين لله ولرسوله الغصة تلو الأخرى ، وتأبى الدمعة إلا أن تتسلل مصحوبة بألم هائل ، إنها الزهراء وما أدراك ما الزهراء!! من يوم ما تعرفت على مأساتها وأنا أشعر بمسحة كآبة تمر بوجداني وحزن عميق يلفني عند ذكر اسمها فالقوم لم يراعوا فجيعتها بأبيها فاغتصبوا حقها وقبل ذلك ارتقوا مركبا صعبا هم ليسوا أهلا له ثم أرادوا إتمام ذلك ولو بالقوة فكان ما كان.

بقيت الزهراء حزينة منكسرة في بيتها تبكي وتشكو همها إلى الله عز وجل وتنتظر يومها الموعود فقد أخبرها المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآله بأنها أول


أهل بيته لحوقا به كما مر فضلت تبكي وتبكي إلى أن جاء شيوخ أهل المدينة يظهرون لعلي انزعاجهم وتأذيهم من بكاء فاطمة ويطالبونه بأمرها بالكف عن ذلك أو تخييرها بين البكاء ليلا فقط أو نهارا فقط ، فبنى لها أمير المؤمنين علي (ع) بيتا خارج المدينة سمي بيت الأحزان. هناك واصلت مأساتها.

ويوما فيوما راحت تذبل تلك الزهرة اليانعة. وأخذ المرض منها مأخذا ، يقول الإمام الصادق (ع) (فأسقطت محسنا ومرضت من ذلك مرضا شديدا وكان ذلك هو السبب في وفاتها) كيف لا يكون كذلك وهي ابنة ثمانية عشر عاما لقد اكتملت عليها المصائب بضربها واقتحام دارها فكانت البداية والنهاية وصارت طريحة الفراش تنتظر أجلها الذي اقترب منها سريعا وبجانبها علي (ع) ، يقول الإمام زين العابدين (ع) عن أبيه الحسين (ع) قال : لما مرضت فاطمة بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أوصت علي بن أبي طالب (ع) أن يكتم أمرها ويخفي خبرها ولا يؤذن أحدا بمرضها ، وكان يمرضها بنفسه وتعينه على ذلك أسماء بنت عميس على استمرار بذلك.

لقد يئست الزهراء من أهل المدينة الذين طلبت نصرتهم فلم ينصروها لقد سئمتهم وزهدت في مروءتهم فبلغ بها الأمر ألا تريد رؤيتهم في مرضها الأخير يكفيها علي (ع) ليقف بجانبها وهي على هذه الحالة.

في اليوم الأخير قبيل رحيلها نامت الزهراء (ع) في ساعة من ساعات ذلك اليوم وإذا بها ترى أباها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في المنام في قصر من الدر الأبيض فلما رآها صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : هلمي إلي بنية فإني إليك مشتاق!!

فقالت : والله إني لأشد شوقا إليك فقال لها : أنت الليلة عندي.

انتبهت من غفوتها وبدأت الاستعداد للحوق بأبيها إن هي إلا ساعات تقضيها في هذه الدنيا الفانية ويتحقق قول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله لها


قبيل انتقاله وأكده لها بعد انتقاله إنها النبوة ومن ذلك كان يقين فاطمة بقرب النهاية بينما الفرح يغمرها لارتحالها إلى العالم الأبدي حيث الرضوان الأكبر وجنة عرضها السماوات والأرض يعتصرها ألم من ناحية أخرى. سوف تترك الزهراء (ع) الزواج العطوف وحيدا بعدها ، وفراخا لم تنبت أجنحتهم بعد وزهورا لم تتفتح. إنهم أفلاذ كبدها ستغادرهم وتتركهم لهذه الحياة التي تحمل الكثير الكثير من المأسي خصوصا لهؤلاء ، إنهم آل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أكثر الناس بلاء وأعظمهم امتحانا وإن بعض شذاذ الآفاق ونبذة الكتاب يتربصون بهم ستودعهم وهي تنظر إلى ذلك المستقبل غير المجهول لأبنائها وزوجها إنها تنظر بعين أبيها الباصرة بإذن الله إلى الغيب حيث يضرب علي بالسيف غيلة وهو في محرابه ويقتل الحسن سما والحسين تمزيقا بسيوف بدأ سلها في وجه أهل البيت (ع) منذ وفاة النبي الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله .

كل ذلك يدور في خلد الزهراء وهي تمشي نحو الماء متكئة على الحائط من شدة الضعف لتغسل أطفالها وثيابهم أخر غسلة وهي ترتعش وكأنها تودعهم لا أدري عمق شعورها آنذاك ، إن من جملة أسمائها (الحانية) لأنها كانت القمة في الحنان والعطف على أبنائها.

دخل الإمام علي (ع) البيت ووجدها على رغم علتها تمارس أعمالها وتخدم في البيت. رق لها قلب الإمام وهي بهذه الحالة فأخبرته بأنه آخر أيامها وأخبرته بما رأته وسمعته من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أثناء نومها وعادت إلى فراشها ثم قالت له :

يا ابن عم!! إنه قد نعيت إلي نفسي وإنني لا أدري ما بي إلا أنني لاحقة بأبي ساعة بعد ساعة وأنا أوصيك بأشياء في قلبي قال لها علي (ع) : أوصني بما أحببت يا بنت رسول الله فجلس عند رأسها وأخرج من كان في البيت ، قالت : يا ابن عم! ما عهدتني كاذبة ولا خائنة ، ولا خالفتك منذ


عاشرتني فقال علي (ع) معاذ الله! أنت أعلم بالله وأبر وأتقى وأكرم وأشد خوفا من الله من أن أوبخك بمخالفتي وقد عز علي مفارقتك وفقدك إلا أنه أمر لا بد منه ، والله لقد جددت علي مصيبة رسول الله وقدعظمت وفاتك وفقدك فإنا لله وإنا إليه راجعون وبكيا جميعا ساعة ، وأخذ الإمام رأسها وضمها إلى صدره ثم قال :

أوصني بماشيء ت ، فإنك تجدينني وفيا أمضي لما أمرتني به وأختار أمرك على أمري. فقالت : جزاك الله عني خير الجزاء يا ابن عم ، أوصيك أولاً : أن تتزوج بابنة أختي أمامة ، فإنها تكون لولدي مثلي ، فإن الرجال لا بد لهم من النساء ثم قالت ، وأوصيك إذا قضيت نحبي فغسلني ولا تكشف عني فإني طاهرة مطهرة وحنطني بفاضل حنوط أبي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وصل علي ، وليصل معك الأدنى فالأدنى من أهل بيتي وادفني ليلا لا نهارا إذا هدأت العيون ونامت الأبصار ، وسرا لا جهارا وعف موضع قبري ولا تشهد جنازتي أحدا ممن ظلمني.

لقد أرادت الزهراء (ع) مواصلة الجهاد بعد مماتها فكانت وصيتها الاعلان الأخير لموقفها الصامد والمستمر من وفاة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وحتى مرضها وتريده باقيا إلى ما شاء الله تدفن بنت المصطفى سرا. ليلا لا يصلي عليها إلا أهل بيتها والمخلصون لهم!!.

في لحظاتها الأخيرة طلبت ثيابا جديدة ثم دعت سلمى امرأة أبي رافع وقالت لها هيئي لي ماء وطلبت منها أن تسكب لها الماء وهي تغتسل ثم لبست ملابسها الجديدة وأمرت أن يقدم سريرها إلى وسط البيت واستلقت عليه مستقبلة القبلة وقالت إني مقبوضة الآن ، فلا يكشفني أحد.

تقول أسماء بنت عميس : لما دخلت فاطمة البيت انتظرتها هنيئة ثم ناديتها


فلم تجب فناديت : يا بنت محمد المصطفى ، يا بنت أكرم من حملته النسا ، يا بنت خير من وطأ الحصى ، يا بنت من كان من ربه قاب قوسين أو أدنى ، فلم تجب ، فدخلت البيت وكشفت الرداء عنها فإذا بها قد قضت نحبها شهيدة صابرة مظلومة محتسبة ما بين المغرب والعشاء فوقعت عليها أقبلها ، وأقول يا فاطمة إذا قدمت على أبيك صلى‌الله‌عليه‌وآله فأقرئيه مني السلام. فبينا هي كذلك وإذا بالحسن والحسين دخلا الدار وعرفا أنها ميتة فوقع الحسن يقبلها ويقول : يا أماه كلميني قبل أن تفارق روحي بدني ، والحسين يقبل رجلها ويقول يا أماه أنا ابنك الحسين ، كلميني قبل أن ينصدع قلبي فأموت. ثم خرجا إلى المسجد وأعلما أباهما بشهادة أمهما فأقبل أمير المؤمنين إلى المنزل وهو يقول : بمن العزاء يا بنت محمد؟ وقال : (اللهم إنها قد أوحشت فآنسها ، وهجرت فصلها ، وظلمت فاحكم لها يا أحكم الحاكمين).

وخرجت أم كلثوم متجللة برداء وهي تصيح : يا أبتاه يا رسول الله الآن حقا فقدناك فقدا لا لقاء بعده ، وكثر الصراخ في المدينة على ابنة رسول الله ، واجتمع الناس ينتظرون خروج الجنازة ، فخرج إليهم أبو ذر وقال : انصرفوا إن ابنة رسول الله أخر إخراجها هذه العشية.

وأخذ أمير المؤمنين في غسلها ، وعلل ذلك حفيدها الإمام الصادق (ع) يقول : إنها صديقة فلا يغسلها إلا صديق كما أن مريم لم يغسلها إلا عيسى (ع) ، وقال (ع) : إن عليا أفاض عليها من الماء ثلاثا وخمسا وجعل في الخامسة شيئا من الكافور ، وكان يقول : اللهم إنها أمتك وبنت رسولك وخيرتك من خلقك ، اللهم لقنها حجتها ، وأعظم برهانها وأعل درجتها ، وأجمع بينها وبين محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله .

وحنطها من فاضل حنوط رسول الله الذي جاء به جبرائيل إذ أخبرهما


النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله سابقا : يا علي ويا فاطمة هذا حنوط من الجنة دفعه إلي جبرئيل وهو يقرئكما السلام ويقول لكما اقسماه واعزلا منه لي ولكما ، فقالت فاطمة : ثلثه لك والباقي ينظر فيه علي (ع) فبكى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وضمها إليه وقال : إنك موفقة رشيدة مهدية ملهمة ، يا علي قل في الباقي ، فقال : نصف منه لها ، والنصف لمن ترى يا رسول الله قال هو لك.

وكفنها في سبعة أثواب ، وقبل أن يعقد الرداء عليها نادى : يا أم كلثوم ، يا زينب ، يا فضة ، يا حسن ، يا حسين ، هلموا وتزودوا من أمكم الزهراء ، فهذا الفراق واللقاء الجنة.

حقا إنها لحظات وداع لشمعة انطفأت وطالما احترقت لتنير للآخرين ما أعظم الرزية وما أجل المصيبة.

أقبل الحسنان (ع) يقولان : واحسرة لا تنطفئ من فقد جدنا محمد المصطفى وأمنا الزهراء؟ إذا لقيت جدنا فأقرئيه منا السلام وقولي له : إنا بقينا بعدك يتيمين في دار الدنيا.

قال أمير المؤمنين (ع) وإذا بهاتف من السماء ينادي يا أبا الحسن ارفعهما عنها ، فلقد أبكيا والله ملائكة السماء فرفعهما عنها وعقد الرداء عليها.

وجاءت أهم اللحظات لحظة تنفيذ بند الوصية المهم ذلك البند الذي سيظل شاهدا على موقف الزهراء إلى القيامة. إنها لحظات الدفن التي يجب أن تكون سرا وقبلها الصلاة على الجنازة الذي كان محددا فيها ألا يكون فيه شخص ممن ظلم الزهراء. هكذا كانت الوصية.

جن الليل نامت العيون وهدأت الأبصار. وجاء في جوف الليل نفر قليل من الهاشميين ومن المحبين الذين وقفوا مع علي وفاطمة موقفا إيجابيا وهم سلمان


وأبو ذر والمقداد وعمار ، صلى عليها الإمام علي (ع) ومعه هذه العصبة القليلة المباركة ثم دفنها ولما وضعها في اللحد قال : بسم الله الرحمن الرحيم ، بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله محمد بن عبد الله ، سلمتك أيتها الصديقة إلى من هو أولى بك مني ، ورضيت لك بما رضي الله لك. ثم قرأ ( منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى ) .

ثم إنه (ع) سوى في البقيع سبع قبور ، أو أربعين قبرا لكي يضيع بينها قبر الزهراء (ع) ، ولما عرف شيوخ المدينة دفنها ، وفي البقيع قبور جدد أشكل عليهم الأمر فقالوا : هاتوا من نساء المسلمين من ينبش هذه القبور لنخرجها ونصلي عليها ، فبلغ ذلك عليا (ع) فخرج مغضبا عليه قباؤه الأصفر الذي يلبسه عند الكريهة وبيده ذو الفقار ، وهو يقسم بالله لئن حول من القبور حجر ليضعن السيف فيهم ، فتلقاه عمر ومعه جماعة فقال له : ما لك ، والله يا أبا الحسن لننبشن قبرها ونصلي عليها.

فقال علي (ع) وهو غاضب : أما حقي فتركته مخافة أن يرتد الناس عن دينهم ، وأما قبر فاطمة فوالذي نفسي بيده لئن حول منه حجر لأسقين الأرض من دمائكم ، فتفرق الناس(١) .

وأسدل الستار عن أول محطة سقطت الأمة في امتحانها ، وغادرت الزهراء مشتاقة للقاء ربها وأبيها ذهبت وهي تحمل جراحات مثخنة وآلاما عظاما انتقلت لتشكو إلى الله سبحانه وتعالى ليحكم لها على من ظلمها وتركت لنا أعلام هداية ومنارات فرقان رحلت وخلفت فينا سرها. سرها الذي دفن في قبرها الذي دفنت فيه سرا. إنه سر سهل ممتنع لا تطوله كل العقول ولا يمتنع

ــــــــــــــــ

(١) ـ فاطمة الزهراء بهجة قلب المصطفى أحمد الهمداني.


عن جميع العقول ، سر لا يطوله إلا من أشرق في قلبه نور فاطمة وارتشف من ضياه عقله فانفتح على الحق والخير ونفر من الظلم والانحراف.

ورغم أنني تجرعت كأس ألمها إلا أنه بالنسبة لي كان ممزوجا بالحلاوة. شربت منه فأشرقت لي فاطمة بنورها فكانت الدليل إلى الصراط المستقيم. وما أعظم شأنها.

حقا إنها فاطمة بنت محمد زوج علي.

الزهراء صرخة مدوية عبر التاريخ

لقد انتقلت الزهراء (ع) إلى بارئها هناك حيث جنة عرضها السماوات والأرض تنتظر يوم القيامة يوم الحساب ولكنها تركت صرخة تجلجل وتدوي لتحرك الضمائر الميتة وتهز الوجدان وتنفض غبار الغفلة والشهوات والتكبر عن العقول صرخة ألم ولوعة أما صرخة الألم فهو نتاج ما لحقها من أذى وضرب وإسقاط جنين وأما اللوعة فهي مما اقترفته الأمة تجاه الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ورسالته التي لم تحفظ لقد غادرت الزهراء وتركت سهمين في صدر التاريخ ينزفان دما الأول انتقالها وهي لم تكمل عقدها الثاني أما الآخر فهو دفنها ليلا سرا حتى أن قبرها الذي تهفو إليه قلوب الملايين لا يعرف له موضع حسرة وما أعظمها من حسرة إنها إشارة الزهراء لننطلق في تلمس الحقائق ، ثمانية عشر ربيعا فقط وكانت أول أهل بيته صلى‌الله‌عليه‌وآله لحوقا به ترى لماذا صحيح أن الموت حق على كل العباد ولكن ألا يقفز إلى الذهن السؤال عن سبب الموت؟ كلنا عندما نفقد عزيزا في ريعان شبابه ويأتينا الخبر بموته نسأل مباشرة وكيف مات؟! وهذا ما يريده الله عز وجل منا لنصل إلى عمق المأساة ، سؤال فطري ما الذي جعل الزهراء (ع) تنتقل بهذه السرعة


وغيرها يمتد به العمر إلى ما شاء الله وعندما نسأل أنفسنا هذه الأسئلة سنكتشف الحقيقة أولاً حزنا على فقد الحبيب المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآله ثم على غصب الحقوق ثم اعتداء وضرب وإسقاط الحقوق حقوقها وحقوق زوجها وأبنائها وحقوق الأمة الإسلامية ويتوج ذلك كله الاعتداء الصارخ بالإحراق والضرب والرفس ومن ثم إسقاط المحسن ألا يكفي هذا لأن تهد الجبال هدا إن الزهراء (ع) قاست كل ذلك لا لكي تجني فائدة شخصية ولكن لتثبيت دعائم الإسلام هكذا يريد الله تعالى أن يكشف لنا عن الحقائق عبر حياة أوليائه.

والسهم الآخر دفنها سرا إن الزهراء (ع) بنت النبوة ربيبة الوحي تخدم الرسالة حية وميتة لقد أمرت ألا يصلي عليها رمز الشرعية في السقيفة وأن تدفن ليلا سرا حتى لا يعلم قبرها فيبقى التساؤل عن سر ذلك قائما حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا كل الشخصيات الهامة ، وكل الصالحين نعرف قبورهم ويقصدها من يقصدها إلا الصديقة الطاهرة أم أبيها ترى لماذا؟!! إنها أيضا رسالة الرسالة لمن يؤمن بالرسالة وذكرى لقوم يعقلون.


الفصل الخامس

الإمامة والخلافة



تمهيد :

لم أكن أتصور بأنني سأجد هذا الزخم الهائل من الأحاديث والآيات التي تؤيد وتدعم دعوى الشيعة. فبعد حواري مع ابن عمي ، والذي أخذ منحى آخر معي متوخيا الحذر بعد أن علمت بظلامة الزهراء (ع) أعطاني ثلاثة كتب قرأتها ، كان الأول لدكتور أعلن ولاءه لأئمة أهل البيت (ع) بعد أن كان من علماء أهل السنة والجماعة ، والكتاب الثاني المراجعات وهو مناظرة قيمة جرت بين عالم شيعي وهو السيد عبد الحسين شرف الدين وآخر سني كان زعيما للأزهر الشريف هو الشيخ سليم البشري ، وكتاب آخر عن تأريخ الشيعة وظلم الحكام لهم على امتداد التاريخ ، وحقا كان لكتاب ثم اهتديت للدكتور التيجاني السماوي الدور الأكبر في تحفيزي للبحث كما أنه كان دافعا لقراءة كتاب المراجعات بدقة وعناية ولا أظنني سأجد كتابا على أديم الأرض أكثر قوة وحجة ومنطقا من كتاب المراجعات الذي أماط اللثام وأبطل كل حجج الشيخ البشري بأدب ووقار.

وأذكر ذات يوم أن أحد الأشخاص استعار كتاب المراجعات من أحد الأصدقاء وبعد فترة وجيزة جاء بالكتاب وهو يقول ـ محأولاً الاستهزاء به كردة فعل طبيعية إنه مختلق وإن هذه المناظرة أساسا لم تقم ، فأجابه الأخ : ـ يا شيخنا فلنفرض جدلا أن هذه المناظرة لم تكن ، وأن هذه الشخصيات لا وجود لها في الحقيقة ما رأيك فيما ورد في الكتاب من الأدلة ، نحن كلامنا ليس حول الشخصيات وما يهمنا محتوى الكتاب إذا كنت تملك ردا عليه فتفضل ( هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) وإلا فالزم الصمت فصمت صاحبنا. والحال إننا نثق بأن هذه المناظرة والحوار بين السيد عبد الحسين والشيخ سليم حدثت حقيقة ،


والشخصيتان علمان بارزان في سماء الأوساط الدينية عند الشيعة والسنة.

وسوف أقدم مجموعة من الأدلة تأخذ بأعناقناشيء نا أم أبينا إلى اتباع أهل البيت (ع) والاقتداء بهم دون غيرهم من الخلق لأنهم خلفاء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وإن الهدى في اتباعهم وأخذ الدين منهم وموالاتهم وإن الضلالة في موالاة غيرهم ولن آتي بدليل من خارج الكتب المعتمدة لدى أهل السنة والجماعة حتى نلزمهم بما ألزموا به أنفسهم.

وموضوع بحثنا كما هو واضح الإمامة والخلافة التي قيل فيها : لم يسل سيف في الإسلام كما سل في الإمامة ، وهي جذر الخلاف القائم بين الشيعة والسنة ومن عندها تفرع حتى وصل إلى أصغر الجزئيات فهل الإمامة نص وتعيين أم هي شورى واختيار من قبل المحكومين؟.

بالشورى أم بالتعين ؟!

* مفهوم الشورى عند أهل السنة والجماعة غير واضح :

الحق إن الكلام حول خلافة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله غير واضح عند الإخوة أهل السنة فتارة يقولون بالشورى وأخرى يعطون الشرعية للنص ، ومع ذلك لا نجد مستندا شرعيا ولا دليلا يؤيد دعواهم ، وقد تمسكوا بآيتين وردتا في القرآن الكريم اشتبه على القوم سبيل فهمهما كما سنبين.

ولم نجد عندهم مفهوما واضحا للشورى ولا حدودا ولا تفاصيل سواء من القرآن أو السنة ، لأن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله انتقل إلى الرفيق الأعلى


ولم يوضح شيئا ـ كما يظنون ـ عن أخطر فتنة يمكن أن تتعرض لها الأمة وهي الخلافة بحسب منهجهم ، وهو الذي يحمل على عاتقه تبليغ خاتمة الرسالات ولم يترك فيها كبيرة ولا صغيرة يحتاجها الناس إلا وبينها لهم حتى أحكام التخلي فكيف بقيادة الأمة ونظام الحكم في الإسلام؟ بل إن القول في الشورى عندهم عبارة عن اجتهادات لعلماء رسموا مفهومها الديني بناء على ما جرت عليه الأحداث ، فقالوا يجوز لولي الأمر أن يعين خليفته كما فعل أبو بكر ، ويمكن أن تنعقد البيعة لأحدهم بمبايعة فرد واحدكما بايع العباس عليا بعد وفاة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وكما بايع عمر أبا بكر ، ومنهم من قال إن الشورى تنعقد بأهل الحل والعقد ولكن دون توضيح من هم أهل الحل والعقد ومن الذي يعينهم ، وبعضهم جمع بين كل ذلك وتاه في ظلمات بعضها فوق بعض وكل ذلك تقول على الدين لا يؤيده دليل عقلي ولا نقلي اللهم إلا الآيتان الشريفتان وهما أجنبيتان عن المقام ولا يمكن تثبيت هذه الشورى المزعومة بهما.

الآية الأولى :

قوله سبحانه وتعالى : ( وشاورهم في الأمر ، فإذا عزمت فتوكل على الله ) (سورة آل عمران : آية / ١٥٩).

استدلوا بهذه الآية على أصل الشورى وقالوا إن الخلافة والإمامة بالشورى في حين أن الآية واضحة في خلاف مرادهم إذ أنها تخاطب الحاكم الذي استقرت حكومته وتوجهه لمشاورة الرعية لأنه هو الذي يشاور ، ونفس الآية تشير إلى أن هنالك ثمة رئيس (حاكم) بعد أن يمحص الآراء والأفكار يأخذ بالنافع منها ثم يعزم هو على ما ارتآه بعد المشاورة متوكلا على الله كذلك تبين الآية أن الأمر هنا غير الحكومة ، فبدون الحاكم لا وجود للشورى لأنها تحتاج إلى حاكم يكون قيما عليها ليعزم ويتوكل على الله ، وبناء على هذه الآية


لا تتم الشورى إلا بولي الأمر الذي يفصل في موضوعها ، وعلى ذلك لا دلالة للآية على الشورى التي بها يتم اختيار ولي الأمر لأن وجوده مكمل لنفس الشورى ، ويتوقف اختياره على وجوده ضمن الجماعة المكونة للشورى ، وهذا يلزم الدور وهو باطل ، والدور يعني تثبيت وجودشيء بوجودشيء آخر يتوقف وجوده على وجود الشئ الأول مثل قضية الدجاجة والبيضة أيهما أول فالبيضة يتوقف وجودها على الدجاجة وكذلك الدجاجة وما أشبه!!

الآية الثانية :

قوله تعالى : ( والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ) (سورة الشورى : آية / ٣٨) إن الآية الكريمة حثت على الشورى فيما يمت إلى شؤون المؤمنين بصلة ، لا فيما هو خارج عن حوزة أمورهم ، أما كون تعيين الإمام داخلا في أمورهم فهو أول الكلام ، إذ لا ندري هل هو من شؤونهم أم من شؤون الله سبحانه وتعالى وعلى فرض أن ذلك من شؤونهم فمع هذا لا يصح الاستدلال بهذه الآية في موضوع تعيين الإمام والخليفة إذ لا يقال أنه يجوز قيام الشورى الشرعية دون ولي الأمر كما ذكرنا في الاستدلال بالآية السابقة ، والآية في الواقع عامة تولت تفصيلاتها آية ( وشاورهم في الأمر ) أما الآية موضع البحث فقد جاءت تتحدث عن صفات المؤمنين والرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحدهم بل أكملهم وأتقاهم وهو ولي الأمر المستقر له الوضع ، فلا يمكن أن لا تكون له كلمة الفصل ، وواضح من الآية أنها نزلت بلحاظ وجود ولي الأمر بينهم لا بعدم لحاظه ومن يدعي غير ذلك فعلية الإثبات.

إذا علمت ذلك نقول أنه بعد وفاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله


 إما كان هناك ولي أمر فلا داعي للشورى لتنصيبه ، وإما لم يكن فيحتاج إلى شورى شرعية حتى يتم تنصيبه. والشورى الشرعية تحتاج إلى ولي أمر قيم عليها يأخذ بالنافع بعد المشاورة ويعزم عليه وبدونه تكون الشورى غير شرعية فلا يلزم بها أحد من المسلمين.

وبناء على ذلك لا بد من النص على الإمام (ولي الأمر) وهذا ما يثبته التاريخ والعقل ومرويات الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله والقرآن وفيها ما يشبعك.

* التعيين ضرورة :

جاء في سيرة ابن هشام.

لما دعا الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله بني عامر للإسلام وقد جاؤوا في موسم الحج إلى مكة قال رئيسهم : أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك ، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : الأمر لله ، يضعه حيث يشاء(١) .

لقد بين الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله أن الأمر لله تعالى وهذا القرآن الذي نتلوه ليل نهار يؤكد ذلك أيضا بقوله تعالى : ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) (٢) . والاصطفاء الإلهي لحمل عب ء تبليغ الرسالة والحفاظ عليها سنة إلهية لن تتغير ولن تتبدل ، قال الله سبحانه وتعالى ( إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ، ذرية بعضها من بعض والله

ــــــــــــــــ

(١) ـ السيرة النبوية لابن هشام ج ٢ ص ٤٢٤.

(٢) ـ سورة الأنعام : آية / ١٢٤.


سميع عليم ) (١) ويقول جل وعلا ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ) (٢) ، ويؤكد سبحانه وتعالى أن الأمر ليس بيد أحد مهما بلغ من الوعي فأضاف إلى نفسه تعالى الاختيار والجعل يقول تعالى ( وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين ) (٣) ( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ) (٤) .

وهذا الجعل ليس بأمر الأمة بل بأمر الله (بأمرنا) ولا يعقل أن يكون الضمير في أمرنا شامل للأمة إذ ليست هي التي توحي إلى الأئمة فعل الخيرات وإقام الصلاة كما أن الأمة ليست هي المعبودة ( وكانوا لنا عابدين ) ولا هي صاحبة الآيات ( بآياتنا يوقنون ) .

وضرورة التعيين أمر يعلمه كل إنسان بوجدانه وعقله ، لضرورة وجود خليفة للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله يقوم مقامه في كل واجباته ، ويكاد يكون ذلك من البديهيات وإلا أي ضمانة يمكن لها أن تحفظ لنا ديننا وتمثل بوصلة لبيان الانحراف الذي ربما يحدث بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله كما حدث في الأمم السابقة؟ من الذي تركن إليه الأمة ليواصل مسيرة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وكيف يتأتى للرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله أن ينتقل للرفيق الأعلى دون أن يعين خليفته؟ أمن العقل أن يترك أمر الخلافة والإمامة في أيدي الناس الذين قد تتغلب عليهم شهوة السلطة والزعامة؟ ذلك لأن طبيعة البشر

ــــــــــــــــ

(١) ـ سورة آل عمران : آية / ٣٣ ـ ٣٤.

(٢) ـ سورة فاطر : آية / ٣٢.

(٣) ـ سورة الأنبياء : آية / ٧٣.

(٤) ـ سورة السجدة : آية / ٢٤.


تهوي به إلى أسفل ولا يكفيها وجود شريعة محفوظة في الكتب ، بل لا بد من تجسيد تلك الشريعة في إنسان يتمتع بتفوق تشريعي (معصوم) يعطيه صلاحية تطبيق الشريعة على الناس (منصوص عليه) إذ لا بد لكل قانون من مطبق نافذ الكلمة وإلا عاد القانون حبرا على الورق(١) .

إن الخالق الذي من أجل كمال كل مخلوق وفر له الوسائل الضرورية وغيرها كي يعبر من حدود النقص والضعف إلى منازل الكمال ، كيف يمكن أن يستثني من ذلك القيادة بعد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله والتي تعتبر عاملا مهما لرقي الإنسان معنويا وروحيا.

والتعيين أمر تنبه له أبو بكر عندما كتب وصيته التي نصب فيها عمر خليفة من بعده وأمر الناس بالسمع والطاعة له ومع أنه كان على فراش الموت عند كتابته لذلك إلا أن عمر كان حريصا على تنفيذ الوصية في حين أنه كان المعترض الأول على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله عندما أراد كتابة وصيته وهو مريض وقال إنه يهجر ويقول أمير المؤمنين علي (ع) في شأن تعيين أبي بكر لعمر « فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته لشد ما تشطرا ضرعيها ».

كما أن عائشة أقرت بضرورة التعيين عندما ضرب عمر وبقي على الفراش ينتظر الأجل المحتوم إذ أرسلت إليه أن أوص من يخلفك ولا تترك أمة محمد بعدك هملا. وبدون راع ، وأشار عبد الرحمن بن عوف على عمر بذلك أيضا.

والواقع العملي يثبت أن الخلفاء جاؤوا بالتنصيب وبلا شورى حتى شورى الستة كانت بالتعيين كما سترى.

ــــــــــــــــ

(١) ـ الفكر الإسلامي مواجهة حضارية ـ العلامة السيد محمد تقي المدرسي ص ٢٥٠.


 

* علي بن أبي طالب أول خليفة للنبي (ص) :

طفحت كتب أهل السنة والجماعة بالأحاديث التي تبين أن أهل البيت (ع) هم خلفاء الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وحملة دين الله بعده ، وغير المتمسك بهم ضال وذلك بإخبار النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله عن اختيار الله تعالى لهم ، وسنرى من خلال ما نستدل به أن الأمر لا ينحصر في حبهم فقط والتبرك بهم إنما موالاتهم واتباعهم والتسليم لهم.

وكثيرا ما يقول لي البعض نحن نحب أهل البيت (ع) أقول إن حب أهل البيت (ع) مجردا عن ترتيب أثر على ذلك لا يجدي ، فحبهم يستتبع أن نسلك مسلكهم ونتبع منهجهم ونوالي أولياءهم هذا هو الحب يقول تعالى ( إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) (سورة آل عمران : آية / ٣١) وأهل البيت (ع) هم حملة رسالة السماء وبهم يعرف الحق من الباطل والمتمسك بهم هو الملتزم بمنهجهم السائر على دربهم.

والإمام علي (ع) هو الإمام الأول والخليفة بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ذلك ما توصلت إليه من خلال ما تواتر من الأحاديث حول تنصيبه إماما للأمة وعن أفضليته على جميع الصحابة ، رغم أن أعداءه أخفوا مناقبه حسدا وأخفاها شيعته خوفا إلا أنه ظهر من بين ذلك ما ملأ الخافقين يقول أحمد بن حنبل « ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من الفضائل ما جاء لعلي بن أبي طالب »(١) ومع ذلك سأختار بعض الأحاديث التي تثبت له الولاية والخلافة :

ــــــــــــــــ

(١) ـ مستدرك الحاكم ج ٣ ص ١٠٧.


١ ـ حديث الغدير :

في حديث طويل أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قد جمع الناس يوم غدير خم (موضع بين مكة والمدينة ـ الجحفة) وذلك بعد رجوعه من حجة الوداع وكان يوما صائفا حتى أن الرجل ليضع رداءه تحت قدميه من شدة الحر ، وجمع الرحال وصعد عليها وقال مخاطبا معاشر المسلمين : ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا :

بلى ، قال : من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاده وانصر من نصره واخذل من خذله.

إن حديث الغدير من أوضح أحاديث الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله بيانا وأعمقها دلالة وأقواها بلاغة ولقد أورده السيوطي في الدر المنثور في ذيل الآية ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ) لبيان أن ولاية علي (ع) التي قرنها النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بولايته هي امتداد لها وكما كان صلى‌الله‌عليه‌وآله أولى بالمؤمنين من أنفسهم كذلك علي بن أبي طالب ، مما يدل على أن النبي ما أراد الولاية بمعنى الحب إنما أرادها بمعنى الإمامة لوجود القرينة المقالية فقد بدأ الحديث بولاية نفسه على المؤمنين ثم قرنها بولاية علي فالولاية بمعنى الأولى من المؤمنين بأنفسهم.

هذا الحديث لا شبهة في صحته وهو من الأحاديث المتواترة التي لم يستطع علماء أهل السنة والجماعة رده فبحثوا له عن تخريج ومعنى يتناسب مع ما تهواه أنفسهم فاضطروا إلى تفسير الموالاة بمعنى الحب وهذا المعنى لا ينسجم ومفهوم الحديث القاضي بولايته وإمامته على الناس بعد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وخلافته له بصورة واضحة وجلية ، ولا يمكن لشخص يملك عقلا سليما ووجدانا صحيحا أن يقنع بقول علماء أهل السنة والجماعة ، فهم كأنما يقولون


أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ومعه هذه الأعداد الهائلة من الحجاج والذين يبلغ عددهم ما يقارب المائة وعشرين ألف أوقف من معه وأرسل في طلب من سبقه ليأتي راجعا وانتظر من كان بعده يوقفهم في تلك الصحراء والشمس تلفح الوجوه ليقول لهم أيها الناس أحبوا عليا فإنه ابن عمي وزوج ابنتي. أي أحمق هذا الذي يؤمن بهذا القول والله إنها لضحالة في التفكير وسذاجة في استعمال أساليب المكر والخداع وخبث ينم عن عداء حقيقي لعلي بن أبي طالب (ع).

وقد تتبع صاحب موسوعة « الغدير » العلامة الأميني رواة هذا الحديث من الصحابة فبلغ عددهم « ١١٠ صحابي » فيهم أبو هريرة وأسامة بن زيد وأبي بن كعب وجابر بن عبد الله والزبير بن العوام وزيد بن الأرقم وغيرهم »(١) ومن التابعين بلغ عدد الرواة (٨٤) ولم يترك حتى العلماء في القرون الأولى وكذلك الشعراء(٢) .

ولقد أورد الحديث أحمد بن حنبل في مسنده وأضاف فلقيه عمر بعد ذلك فقال له : هنيئا يا بن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة(٣) .

كما أورده الحاكم في مستدركه ج ٣ ص ١١٠ وقال عنه صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

ولأهمية أمر الإمامة والولاية في الرسالة وباعتبارها جزءاً أساسيا بدونه لا

ــــــــــــــــ

(١) ـ الغدير ج ١ ص ١٤.

(٢) ـ المصدر ج ١ ص ٦٢.

(٣) ـ مسند أحمد بن حنبل ج ١ ص ٢٨١.


تكتمل الرسالة بدونه جاء الأمر من الله تعالى بتبليغ ذلك للرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله فكان حديث الغدير كما جاء في تفسير الفخر الرازي في ذيل الآية ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ) (سورة المائدة : آية / ٦٧) قال : والعاشر ـ أي من الوجوه التي قالها المفسرون في نزول الآية : نزلت الآية في فضل علي بن أبي طالب (ع) ولما نزلت هذه الآية أخذ بيده فقال من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه فلقيه عمر رضي الله عنه فقال : هنيئا لك يا بن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة وهو قول ابن عباس والبراء بن عازب ومحمد بن علي(١) .

وبهذا تتضح أهمية الولاية كجزء من الرسالة من دونها تفقد الرسالة أهميتها كما تنطق الآية.

ومما يؤكد قولنا اختصاص علي بالولاية دون غيره من الصحابة وذلك في قوله : ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ) (سورة المائدة : آية / ٥٥) يقول الرازي والطبري المقصود من الذين آمنوا أمير المؤمنين علي (ع) كما أورده السيوطي في الدر المنثور وكذلك كنز العمال.

والآية ظاهرة في إمامته ومعنى الولي في هذه الآية لا بد أن يلائم الحصر في الله عز وجل وفي رسوله وفي علي وظهور أداة : إنما في الحصر تشير إلى تفسير واحد لكلمة الولي وهو مالك الأمر ونحوه مما يناسب الاختصاص.

ــــــــــــــــ

(١) ـ التفسير الكبير للرازي ج ١٢ ص ٤٩.


٢ ـ حديث المنزلة :

جاء في البخاري « كتاب بدء الخلق » في باب غزوة تبوك أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله خرج إلى تبوك واستخلف عليا (ع) فقال : « أتخلفني في الصبيان والنساء ، فقال : ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي »(١) .

ولا يخفى على المتأمل الدلالة الواضحة لخلافة علي (ع) والتي كخلافة هارون (ع) إلا أن النبوة ختمت بمحمد صلى‌الله‌عليه‌وآله وقد ألمعنا في نقاشنا لقصص بني إسرائيل إلى وجه الشبه بين خلافة هارون لموسى (ع) وكيف أضل السامري القوم ، وبين خلافة علي (ع) التي انقلب عليها المسلمون ووضعوا الأمر في غيره فتأمل.

٣ ـ حديث الانذار

لما نزلت آية ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله جمع بني عبد المطلب على طعام ثم قال : إني والله ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به ، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه فأيكم يؤازرني على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي ووارثي فلم يقم أحد. قال علي : وقلت وإني لأحدثهم سنا وأرمصهم عينا وأعظمهم بطنا وأحمشهم ساقا : أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه قال النبي : إجلس ، قال ثم قال ثلاث مرات كل ذلك أقوم إليه فيقول لي اجلس حتى كانت الثالثة فأخذ برقبتي ثم قال إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فاسمعوا له وأطيعوا ،

ــــــــــــــــ

(١) ـ رواه مسلم أيضا في صحيحه كتاب فضائل الصحابة ـ باب فضائل علي بن أبي طالب كما أورده أحمد بن حنبل وغيرهم.


 فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع(١) .

والحديث لا يحتاج مني إلى توضيح فهو أوضح من الشمس في رابعة النهار.

٤ ـ حديث الراية :

حاول أحدهم أن يثبت لي وهو يحاورني أفضلية الخلفاء الثلاثة على علي (ع) قلت له : هناك حديث واحد كاف لبيان الفرق بين علي (ع) وأبي بكر وعمر ، روى ابن كثير في كتابه البداية والنهاية : بعث النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أبا بكر (رض) إلى بعض حصون خيبر فقاتل ثم رجع ولم يكن فتح وقد جهد ثم بعث عمر (رض) فقاتل ثم رجع ولم يكن فتح فقال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله : « لأعطين الراية غدا رجلا يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله يفتح الله على يديه كرارا ليس بفرار ، فدعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عليا وهو يومئذ أرمد فتفل في عينيه ثم قال : خذ الراية فامض بها حتى يفتح الله عليك »(٢) .

من خلال هذه الرواية نستشف من هو الأفضل وإلا لماذا ميز الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله عليا (ع) بهذه الصفات التي جاءت في الحديث وهو من أوتي جوامع الكلم وفصاحة اللسان وبلاغة اللسان وبلاغة التعبير خصوصا ما جاء في آخر الكلام « ليس بفرار » إشارة إلى فرار من سبقه من ساحة الوغى وقد استحى ابن كثير من ذكر ذلك فذكرها الطبري في تاريخه بكل وضوح عندما قال : « فانكشف عمر وأصحابه فرجعوا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يجبنه أصحابه ويجبنهم ».

ــــــــــــــــ

(١) ـ تاريخ الطبري ج ٢ ص ٦٣ ـ ٦٤.

(٢) ـ البداية والنهاية ج ٤ ص ١٨٧.


ولقد أورد الحديث البخاري في كتاب الجهاد والسير باب ما قيل في لواء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وباب فضل من أسلم على يديه رجل.

كما جاء في صحيح مسلم كتاب الجهاد والسير غزوة ذي قرد وفي كتاب فضائل الصحابة باب فضائل علي.

وأنا لا أريد أن أفضل أحدا على أحد دون دليل ولكني أرى نفسي ملزما بتفضيل من فضله الله ، ولقد جاء في سيرة ابن هشام : « عندما نزلت سورة براءة بعث بها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله أبا بكر ثم أرسل عليا في أثره فأخذها منه فلما رجع أبو بكر قال : هل نزل فيشيء؟ قال : لا ولكني أمرت أن أبلغها أنا أو رجل من أهل بيتي »(١) .

ولأن الحديث عن فضائل علي ومكانته يطول سنورد ملخص ما جاء به ابن حجر العسقلاني المعروف عند أهل السنة والجماعة في كتابه الإصابة في تمييز الصحابة :

مما أورده :

* حديث الراية المتقدم.

* حديث الانذار.

* عندما نزلت آية التطهير ( إنما يريد الله أن ) أخذ الرسول رداءه ووضعه على علي وفاطمة والحسن والحسين وتلى الآية.

* نومه في فراش النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله عندما هاجر.

* حديث المنزلة.

* سد الأبواب إلا باب علي (ع) فيدخل المسجد جنبا وهو طريقه ليس له طريق غيره.

ـــــــــــــــ

(١) ـ السيرة النبوية ابن هشام ج ٤ ص ١٨٩ ومثله في المستدرك ج ٣ ص ٥١ وتفسير الطبري.


* قول الرسول من كنت مولاه فعلي مولاه.

* قول عمر « لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو حسن ».

* قول علي « سلوني سلوني عن كتاب الله تعالى فوالله ما من آية إلا وأنا أعلم أنزلت بليل أو نهار ».

* قال معاوية لسعد بن أبي وقاص : ما منعك أن تسب أبا تراب « يعني عليا » ، فقال : أما ما ذكرت ثلاثا قالهن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لعلي لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من أن يكون لي حمر النعم فلن أسبه سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبوة بعدي وسمعته يقول يوم خيبر لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله فتطاولنا لها فقال : ادعوا لي عليا فأتاه الحديث ونزلت الآية ( فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ) فدعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عليا وفاطمة والحسن والحسين فقال اللهم هؤلاء أهلي.

* قول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله لعلي « لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق ».

* قول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله « ما تريدون من علي إن عليا مني وأنا من علي وهو ولي كل مؤمن بعدي ».

* قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله « وإن تؤمروا عليا وما أراكم فاعلين ـ أقول : صدق الرسول الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله تجدوه هاديا مهديا يأخذ بكم الطريق المستقيم » (١) .

ــــــــــــــــ

(١) ـ الإصابة في تمييز الصحابة ص ٥٠٧ ـ ٥٠٨.


* مناظرة للمأمون العباسي في فضل علي (ع)(١) .

ولو أردنا التحدث عن مناقب وفضائل أمير المؤمنين علي (ع) لاحتاج ذلك إلى مجلدات وما أوردناه فيه الكفاية لذي عينين ونختم هذا المطلب بمناظرة الخليفة العباسي المأمون واحتجاجه على الفقهاء في زمانه حول فضل علي (ع) بالرغم من أن المأمون وكل الخلفاء العباسيين كانوا ممن ينصبون العداء لأهل البيت (ع) إلا أنهم في البداية عندما تسلموا زمام الأمور ولتوطيد أركان حكمهم كانوا ينادون بالرضا من آل محمد وكانت ثورتهم على الأمويين تحت هذا الشعار ولكن الملك عقيم ما إن استقر وضعهم حتى بدأوا في محاربة آل محمد (ع) وشيعتهم وكانوا أعظم من بني أمية في عداوتهم لأهل البيت (ع) ، جاء في العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي :

بعث المأمون إلى يحيى بن أكثم قاضي القضاة وعدة من العلماء وأمره أن يحضر معه مع الفجر أربعين رجلا كلهم فقيه يفقه ما يقال ويحسن الجواب ، فأتموا العدد وغدوا عليه قبل طلوع الفجر وبدأ معهم الحوار في مواضيع شتى ثم قال : إنني لم أبعث إليكم لهذا ولكنني أحببت أن أنبئكم أن أمير المؤمنين أراد مناظرتكم في مذهبه الذي هو عليه ودينه الذي يدين الله به ، قالوا : فليفعل أمير المؤمنين وفقه الله فقال المأمون : إن أمير المؤمنين يدين الله على أن علي بن أبي طالب خير خلق الله بعد رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله وأولى الناس بالخلافة ، قال إسحاق (أحد الفقهاء) قلت : يا أمير المؤمنين) إن فينا من لا يعرف ما ذكر أمير المؤمنين في علي وقد دعانا أمير المؤمنين للمناظرة ، فقال يا إسحاق : اختر إنشيء ت أن أسألك وإنشيء ت أن تسأل قال إسحاق : فاغتنمتها منه ، فقلت : بل أسألك

ــــــــــــــــ

(١) ـ العقد الفريد ابن عبد ربه الأندلسي ج ٥ ص ٩٢ ـ ١٠١.


يا أمير المؤمنين. قال : سل ، قلت من أين قال أمير المؤمنين إن علي بن أبي طالب أفضل الناس بعد رسول الله وأحقهم بالخلافة بعده؟ قال : يا إسحاق أخبرني عن الناس بم يتفاضلون حتى يقال فلان أفضل من فلان؟ قلت : بالأعمال الصالحة ، قال : صدقت. قال : فأخبرني عمن فضل صاحبه على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ثم إن المفضول عمل بعد وفاة الرسول بأفضل من عمل الفاضل على عهد الرسول ، أيلحق به؟ قال إسحاق : فأطرقت ، فقال لي : يا إسحاق لا تقل نعم فإنك إن قلت نعم أوجدتك في دهرنا هذا من هو أكثر منه جهادا وحجا وصياما وصلاة وصدقة قلت : أجل يا أمير المؤمنين لا يلحق المفضول على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الفاضل أبدا ، قال. يا إسحاق فانظر ما رواه لك أصحابك ومن أخذت عنهم دينك وجعلتهم قدوتك من فضائل علي بن أبي طالب فقس عليها ما أتوك به من فضائل أبي بكر وعمر فإن وجدت لهما من الفضائل ما لعلي وحده فقل إنهما أفضل منه ، لا والله ولكن قس إلى فضائله فضائل أبي بكر وعمر وعثمان فإن وجدتها مثل فضائل علي فقل أنهم أفضل منه ، لا والله ، ولكن قس إلى فضائله فضائل العشرة الذين شهد لهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بالجنة فإن وجدتها تشاكل فضائله فقل إنهم أفضل منه ، ثم قال : يا إسحاق أي الأعمال كانت أفضل يوم بعث الله رسوله؟ قلت الإخلاص بالشهادة قال : أليس السبق إلى الإسلام؟ قلت : نعم قال أقرأ ذلك في كتاب الله تعالى : ( والسابقون السابقون أولئك المقربون ) إنما عنى من سبق إلى الإسلام ، فهل علمت أحدا سبق عليا إلى الإسلام؟ قلت : يا أمير المؤمنين ، إن عليا أسلم وهو حديث السن لا يجوز عليه الحكم ، وأبو بكر أسلم وهو مستكمل يجوز عليه الحكم ، قال : أخبرني أيهما أسلم قبل؟ ثم أناظرك من بعده في الحداثة والكمال ، قلت : علي أسلم قبل أبي بكر على هذه الشريطة فقال : نعم فأخبرني


عن إسلام علي حين أسلم لا يخلو من أن يكون رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله دعاه إلى الإسلام أو يكون إلهاما من الله ، قال إسحاق : ـ فأطرقت فقال لي : يا إسحاق لا تقل إلهاما فتقدمه على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لأن رسول الله لم يعرف الإسلام حتى أتاه جبرئيل عن الله تعالى.قلت : أجل بل دعاه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : يا إسحاق ، فهل يخلو رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حين دعاه إلى الإسلام من أن يكون دعاه بأمر الله أو تكلف ذلك من نفسه؟ قال : فأطرقت. فقال : يا إسحاق لا تنسب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى التكلف فإن الله يقول عن الرسول ( وما أنا من المتكلفين ) قلت : أجل يا أمير المؤمنين ، بل دعاه بأمر الله ، فقال : فهل صفة الجبار جل ذكره أن يكلف رسله دعاء من لا يجوز عليه حكم؟ قلت : أعوذ بالله! فقال : أفتراه في قياس قولك يا إسحاق إن عليا أسلم صبيا لا يجوز عليه الحكم ، وقد كلف رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله دعاء الصبيان إلى ما لا يطيقونه ، فهو يدعوهم الساعة ويرتدون بعد ساعة فلا يجب عليهم في ارتدادهمشيء ولا يجوز عليهم حكم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ أترى هذا جائزا عندك أن تنسبه إلى الله عز وجل؟ قلت أعوذ بالله قال : يا إسحاق فأراك إنما قصدت لفضيلة فضل بها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عليا على هذا الخلق أبانه بها منهم ليعرف مكانه وفضله ولو كان الله تبارك وتعالى أمره بدعاء الصبيان لدعاهم كما دعا عليا؟ قلت : بلى قال : فهل بلغك أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله دعا أحدا من الصبيان من أهله وقرابته ، لئلا تقول إن عليا ابن عمه؟ قلت : لا أعلم ، ولا أدري فعل أو لم يفعل. قال يا إسحاق ، أرأيت ما لم تدره ولم تعلمه هل تسأل عنه؟ قلت : لا. قال : فدع ما قد وضعه الله عنا وعنك.

ثم قال : أي الأعمال كانت أفضل بعد السبق إلى الإسلام؟ قلت : الجهاد


في سبيل الله ، قال : صدقت ، فهل تجد لأحد من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ما تجد لعلي في الجهاد؟ قلت : من أي وقت؟ قال : في أي الأوقاتشيء ت؟ قلت : بدر قال : لا أريد غيرها ، فهل تجد لأحد إلا دون ما تجد لعلي يوم بدر ، أخبرني كم قتلى بدر؟ قلت نيف وستون رجلا من المشركين. قال : فكم قتلى علي وحده؟ قلت لا أدري. قال : ثلاثة وعشرون أو اثنان وعشرون والأربعون لسائر الناس. قلت يا أمير المؤمنين ، كان أبو بكر مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في عريشه ، قال : ليصنع ماذا؟ قلت : يدبر ، قال : ويحك! يدبر دون رسول الله أو معه شريكا أم افتقارا من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى رأيه ، قال : أي الثلاثة أحب إليك؟ قلت : أعوذ بالله أن يدبر أبو بكر دون رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أو أن يكون معه شريكا أو أن يكون برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله افتقار إلى رأيه. قال : فما الفضيلة بالعريش إذا كان الأمر كذلك؟ أليس من ضرب بسيفه بين يدي رسول الله أفضل ممن هو جالس؟ قلت : يا أمير المؤمنين كل الجيش كان مجاهدا. قال : صدقت ، كل مجاهد ولكن الضارب بالسيف المحامي عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وعن الجالس أفضل من الجالس ، أما قرأت في كتاب الله ( لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما ) .

قلت : وكان أبو بكر وعمر مجاهدين قال : فهل كان لأبي بكر وعمر فضل على من لم يشهد ذلك المشهد؟ قلت : نعم. قال : فكذلك سبق الباذل نفسه فضل أبي بكر وعمر.

قلت : أجل قال : يا إسحاق ، هل تقرأ القرآن؟ قلت : نعم قال : إقرأ علي :


( هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ) فقرأت منها حتى بلغت ( يشربون من كأس كان مزاجها كافورا ) إلى قوله : ( ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ) قال : على رسلك ، فيمن أنزلت هذه الآيات؟ قلت : في علي. قال : فهل بلغك أن عليا حين أطعم المسكين واليتيم والأسير قال : إنما نطعمكم لوجه الله؟ قلت : أجل قال وسمعت الله وصف في كتابه أحدا بمثل ما وصف به عليا؟ قلت : لا قال : صدقت ، لأن الله جل ثناؤه عرف سيرته ، يا إسحاق ألست تشهد أن العشرة في الجنة؟ قلت : بلى يا أمير المؤمنين. قال : أرأيت لو أن رجلا قال : والله ما أدري هذا الحديث صحيح أم لا ، ولا أدري إن كان رسول الله قاله أم لم يقله ، أكان عندك كافرا ، قلت : أعوذ بالله قال : أرأيت لو أنه قال ما أدري هذه السورة من كتاب الله أم لا أكان كافرا؟ قلت : نعم. قال : يا إسحاق أرى بينهما فرقا. يا إسحاق أتروي الحديث؟ قلت : نعم قال : فهل تعرف حديث الطير(١) ؟ قلت : نعم قال : فحدثني به.

قال فحدثته الحديث. يا إسحاق ، إني كنت أكلمك وأنا أظنك غير معاند للحق ، فأما الآن فقد بان لي عنادك ، إنك توافق أن هذا الحديث صحيح قلت : نعم ، رواه من لا يمكنني رده. قال : أفرأيت أن من أيقن أن هذا الحديث صحيح ، ثم زعم أن أن أحدا أفضل من علي ، لا يخلو من إحدى ثلاثة : من أن تكون دعوة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عنده مردودة عليه ، أو أن يقول : إن الله عز وجل عرف الفاضل من خلقه وكان المفضول أحب إليه ، أو أن يقول : إن الله عز وجل لم يعرف الفاضل من المفضول ، فأي الثلاثة أحب إليك؟

ــــــــــــــــ

(١) ـ أهدي إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله طير مشوي فقال : اللهم ائتني بأحب خلقك إليك ـ فجاء علي فأكل معه « أسد الغابة لابن الأثير » ج ٦ ص ٦٠١ ، وأورده أحمد بن حنبل والحاكم.


 فأطرقت. ثم قال : يا إسحاق لا تقل منها شيئا ، فإنك إن قلت منها شيئا استتبتك ، وإن كان للحديث عندك تأويل غير هذه الثلاثة الأوجه فقله. قلت : لا أعلم ، وإن لأبي بكر فضلا. قال : أجل ، لولا أن له فضلا لما قيل إن عليا أفضل منه ، فما فضله الذي قصدت إليه الساعة؟ قلت : قول الله عز وجل : ( ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ) فنسبه إلى صحبته ، قال : يا إسحاق ، أما إني لا أحملك على الوعر من طريقك ، إني وجدت الله تعالى نسب إلى صحبة من رضيه ورضي عنه كافرا ، وهو قوله ( فقال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا ) الآية.

قلت : إن ذلك صاحب كان كافرا ، وأبو بكر مؤمن. قال : فإذا جاز أن ينسب إلى صحبة من رضيه كافرا جاز أن ينسب إلى صحبة نبيه مؤمنا وليس بأفضل المؤمنين ولا الثاني ولا الثالث ، قلت : يا أمير المؤمنين إن قدر الآية عظيم ، إن الله يقول : ( ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا ) قال : يا إسحاق تأبى الآن إلا أن أخرجك إلى الاستقصاء عليك ، أخبرني عن حزن أبي بكر ، أكان رضى أم سخطا؟ قلت : إن أبا بكر إنما حزن من أجل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وغما أن يصل إلى رسول اللهشيء من المكروه قال : ليس هذا جوابي ، إنما كان جوابي أن تقول : رضى الله أم سخطا؟ قلت : بل رضى لله. قال : فكأن الله جل ذكره بعث إلينا رسولا ينهى عن رضى الله عز وجل وعن طاعته ، قلت : أعوذ بالله. قال : أو ليس قد زعمت أن حزن أبي بكر رضى لله؟ قلت : بلى قال : أو لم تجد أن القرآن يشهد أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال له : « لا تحزن » نهيا له عن الحزن ، قلت : أعوذ بالله. قال : يا إسحاق ، إن مذهبي الرفق بك لعل الله يردك إلى الحق ويعدل بك عن


الباطل لكثرة ما تستعيذ به. وحدثني عن قول الله ( فأنزل سكينته عليه ) من عنى بذلك : رسول الله أم أبا بكر؟ قلت : بل رسول الله قال : صدقت. قال فحدثني عن قول الله عز وجل : ( ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم ) إلى قوله ( ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ) أتعلم من المؤمنون الذين أراد الله في هذا الموضع؟ قلت : لا أدري يا أمير المؤمنين. قال : الناس جميعا انهزموا يوم حنين فلم يبق مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إلا سبعة نفر من بني هاشم : علي يضرب بسيفه بين يدي رسول الله ، والعباس آخذ بلجام بغلة رسول الله ، والخمسة محدقون به خوفا من أن يناله من جراح القومشيء ، حتى أعطى الله لرسوله الظفر فالمؤمنون في هذا الموضع علي خاصة ثم من حضره من بني هاشم. قال: فمن أفضل : من كان مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في ذلك الوقت وأنزل عليه السكينة ، أم من انهزم عنه ولم يره الله موضعا لينزلها عليه؟ قلت : بل من أنزلت عليه السكينة! قال : يا إسحاق ، من أفضل ، من كان معه في الغار أم من نام على فراشه ووقاه بنفسه ، حتى تم لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ما أراد من الهجرة؟ إن الله تبارك وتعالى أمر رسوله أن يأمر عليا بالنوم على فراشه وأن يقي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بنفسه ، فأمره رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بذلك.

فبكى علي رضي الله عنه. فقال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : ما يبكيك يا علي أجزعا من الموت؟ قال : لا ، والذي بعثك بالحق يا رسول الله ، ولكن خوفا عليك ، أفتسلم يا رسول الله؟ قال : نعم قال : سمعا وطاعة وطيبة نفس بالفداء لك يا رسول الله. ثم أتى مضجعه واضطجع ، وتسجى بثوبه. وجاء المشركون من قريش فحفوا به ، لا يشكون أنه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وقد أجمعوا أن يضربه من كل بطن من بطون قريش رجل


ضربة بالسيف لئلا يطلب الهاشميون من البطون بطنا بدمه. وعلي يسمع ما القوم فيه من تلف النفس ولم يدعه ذلك إلى الجزع ، كما جزع صاحبه في الغار ، ولم يزل علي صابرا محتسبا. فبعث الله ملائكته فمنعته من مشركي قريش حتى أصبح فلما أصبح قام ، فنظر القوم إليه فقالوا : أين محمد؟ قال : وما علمي بمحمد أين هو؟ قالوا : فلا نراك إلا كنت مغررا بنفسك منذ ليلتنا. فلم يزل علي أفضل ، ما بدأ به يزيد ولا ينقص حتى قبضه الله إليه. يا إسحاق هل تروي حديث الولاية؟ قلت : نعم يا أمير المؤمنين. قال : أروه ففعلت. فقال : يا إسحاق ، أرأيت هذا الحديث هل أوجب لعلي أبي بكر وعمر ما لم يوجب لهما عليه؟ قلت : إن الناس ذكروا أن الحديث إنما كان بسبب زيد بن حارثة لشئ جرى بينه وبين علي وأنكر ولاء علي ، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه قال : وفي أي موضع قال هذا؟ أليس بعد منصرفه من حجة الوداع؟ قلت : أجل قال : فإن زيد بن حارثة استشهد قبل الغدير ، كيف رضيت لنفسك بذلك؟ أخبرني لو رأيت أبنا لك قد أتت عليه خمس عشرة سنة يقول : مولاي مولى ابن عمي أيها الناس ، فاعلموا ذلك.

أكنت منكرا عليه تعريفه الناس ما لا ينكرون ولا يجهلون؟ فقلت : اللهم نعم. قال : يا إسحاق : أتنزه ابنك عما لا تنزه عنه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويحكم! لا تجعلوا فقهاءكم أربابا إن الله جل ذكره قال في كتابه : ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ) ولم يصلوا لهم ولا صاموا ولا زعموا أنهم أرباب ، ولكن أمروهم فأطاعوا أمرهم يا إسحاق أتروي حديث « أنت مني بمنزلة هارون من موسى »؟ قلت : نعم يا أمير المؤمنين ، قد سمعته وسمعت من صححه ومن جحده. قال : فمن أوثق عندك من سمعت منه فصححه أو من جحده؟ قلت : من صححه. قال : فهل يمكن أن يكون الرسول (صلى الله عليه


وآله وسلم) مزح بهذا القول؟ قلت : أعوذ بالله.قال : فقال قولا لا معنى له فلا يوقف عليه؟ قلت أعوذ بالله. قال : أفما تعلم أن هارون كان أخا موسى لأبيه وأمه؟ قلت : بلى. قال فعلي أخو رسول الله لأبيه وأمه؟ قلت : لا. قال : أوليس هارون كان نبيا وعلي غير نبي؟ قلت : بلى. قال : فهذان الحالان معدومان من علي وقد كانا في هارون ، فما معنى قوله « أنت مني بمنزلة. هارون من موسى » قلت له : إنما أراد أن يطيب بذلك نفس علي لما قال المنافقون إنه خلفه استثقالا له. قال : فأراد أن يطيب نفسه بقول لا معنى له؟ قال فأطرقت قال : يا إسحاق له معنى في كتاب الله بين. قلت : وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال : قوله عز وجل حكاية عن موسى أنه قال لأخيه هارون : ( اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين ) قلت : يا أمير المؤمنين إن موسى خلف هارون في قومه وهو حي ، وإن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله خلف عليا كذلك حين خرج إلى غزاته. قال : كلا ليس كما قلت. أخبرني عن موسى حين خلف هارون ، هل كان معه حين ذهب إلى ربه أحد من الصحابة أو أحد من بني إسرائيل؟ قلت : لا. قال : أوليس استخلفه على جماعتهم قلت : نعم قال : فأخبرني عن رسول الله حين خرج إلى غزاته ، هل خلف إلا الضعفاء والنساء والصبيان؟ فأنى يكون مثل ذلك؟ وله عندي تأويل آخر من كتاب الله يدل على استخلافه عليا لا يقدر أحد أن يحاجج فيه. قلت : وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال : قوله عز وجل حين حكى عن موسى قوله : ( واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا ) فأنت مني يا علي بمنزلة هارون من موسى ، وزيري من أهلي ، وأخي أشد به أزري ، وأشركه في أمري ، كي نسبح الله كثيرا ونذكره كثيرا أمر أن يدخل في هذا شيئا غير هذا؟ ولم يكن ليبطل قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وأن


يكون لا معنى له. قال : فطال المجلس وارتفع النهار فقال يحيى بن أكثم القاضي : يا أمير المؤمنين قد أوضحت الحق لمن أراد الله به الخير وأثبت ما لا يقدر أحد أن يدفعه.

أهل البيت (ع)

هم أولو الأمر بعد النبي (ص)

* الحديث الأول :

قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : من سره أن يحيا حياتي ويموت مماتي ويسكن جنة عدن غرسها ربي ، فليوال عليا من بعدي وليوال وليه ، وليقتد بأهل بيتي من بعدي ، فإنهم خلقوا من طينتي ورزقوا فهمي وعلمي ، فويل للمكذبين بفضلهم من أمتي ، القاطعين فيهم صلتي لا أنالهم الله شفاعتي(١) هل هنالك أوضح من ذلك حجة علينا دلالة واضحة ومعان بينة وأوامر جازمة ، من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.

ــــــــــــــــ

(١) ـ مستدرك الحاكم ج ٣ ص ١٢٨ قال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.


* الحديث الثاني :

قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : « إني تارك فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا أبدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي ألا وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ».

وقال أيضا : « يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب وإني تارك فيكم الثقلين أولهما كتاب الله فيه هدى ونور وأهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي » وسئل زيد بن أرقم « راوي الحديث ، فهل نساؤه من أهل بيته قال : لا. وأيم الله إن المرأة تكون مع الرجل العصر أو الدهر» ثم يطلقها فترجع إلى أبيها وقومها. أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده »(١) .

ولو لم يكن لدينا سوى هذا الحديث لكفى لإثبات خلافة أهل البيت (ع) وإمامتهم وأنهم عدول القرآن لا يفترقون عنه وأن المتمسك بهما معا لن يضل أبدا والمفرط بهما أو بواحد منهما ضال بلا شك.

وقد حاول البعض أن يضع في مقابله حديث » كتاب الله وسنتي « والعجب كل العجب أن علماءهم عندما يروون هذا الحديث يكتبون في ذيله متفق عليه والحال أن حديث » وسنتي حديث مرسل لا سند له ، وأول من رواه مالك في موطئه مرفوعا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ولم يروه غيره من أصحاب الصحاح المعتبرة بينما حديث « كتاب الله وعترتي » متواتر لدى الفريقين تسنده أحاديث أخرى بألفاظ مختلفة.

والحق يقال إن واضعي الحديث « المحترفين هذا الفن » أبدعوا وأجادوا وهم

ــــــــــــــــ

(١) ـ مسلم في صحيحه باب فضائل علي بن أبي طالب ورواه بثلاثة طرق مستدرك الحاكم كتاب معرفة الصحابة ص ٢٧ ، مسند أحمد بن حنبل ج ٣ ص ١٧ ـ ص ١٦ ، الترمذي ج ٥ ص ٦٦٣ ـ ٦٦٢.


يصنعون في مقابل كل حديث حول أهل البيت (ع) حديثا يرفع من شأن غيرهم والأمثلة كثيرة سنذكر بعضها إن شاء الله.

ولا أدري كيف يتمسكون بهذا الحديث وأول من خالفه عمر بن الخطاب في رزية يوم الخميس المعروفة والتي سيأتي ذكرها حينما قال « حسبنا كتاب الله » وهو بنفسه الذي فرض حظرا على الصحابة في رواية أحاديث الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله كما أحرق أبو بكر الأحاديث المكتوبة حتى لا تختلط بالقرآن على حد زعمهم وغيرها من الحوادث التي تثبت عدم الاعتراف بالسنة كما هو متعارف عليه الآن.

وحديث العترة يثبت فيما يثبت عصمة أهل البيت (ع) لأن الذي لا يفارق القرآن ولا يفترق عنه يعني لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه مثل القرآن تماما ، ولو كان هنالك ثمة احتمال ولو ضئيل جدا بافتراق أهل البيت (ع) عن القرآن لما أكد لنا الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله في كلامه أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ، وبهذا المعنى نفهم آية التطهير التي نزلت في أهل البيت (ع).

( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) ولقد أجمعت مصادر التفسير والحديث على نزول هذه الآية في خمسة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وعلي وفاطمة والحسن والحسين كما جاء في صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة باب فضائل أهل البيت (ع)(١) .

والآية ناطقة بعصمة أهل البيت (ع) مما يؤهلهم دون غيرهم للقيام بدور الإمامة لحفظ الشريعة الإسلامية وممارسة دور الرسول (صلى الله عليه وآله

ــــــــــــــــ

(١) ـ وجاء أيضا مثل ذلك في المستدرك ج ٣ ص ١٤٧ وقال صحيح على شرط البخاري ولم يخرجه.


وسلم) القيادي في الأمة والذي لا يتأتى إلا لمعصوم مصطفى من السماء وهذا ما لخصته آية التطهير والتي صدرت بأداة الحصر « إنما » وهي من أقوى أدوات الحصر ، وفيها إذهاب الرجس عن أهل البيت (ع) والرجس يعني مطلق الذنوب والآثام والأدناس ، والقيام بالتطهير بإرادة الله تعالى كل ذلك مؤداه عصمة أهل البيت (ع).

وعندنا في السودان من أوضح الواضحات التي لا تقبل الجدل عندنا في السودان أن أصحاب الكساء أو أصحاب العباءة هم الخمسة الذين نزلت فيهم آية التطهير كما تواتر في الأحاديث.

* حوار حول العصمة في حديث الثقلين.

جرى حوار بيني وبين أحد الأصدقاء حول عصمة الإمام قال لي : أنتم مغالون تبالغون في حب أهل البيت (ع) حتى ادعيتم أنهم معصومون ومفوضون بالتشريع ونحن لا نرى سوى عصمة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله .

قلت : أولاً أهل السنة والجماعة لا يقولون بأن النبي معصوم في كلشيء بل في أمر التبليغ فقط ، ولا ندري كيف يحددون ويصنفون الأمور الواردة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أي منها من الدين وأي من غيره وذلك بخلاف قول الشيعة الذين يقولون بعصمة النبي المطلقة ولا فرق في ذلك بين أمور التشريع وغيرها. أما عصمة أهل البيت فالآية واضحة في دلالتها يقول تعالى : ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ) الآية. أضف إلى ذلك مجموعة الأحاديث التي نستشف منها بوضوح دلائل العصمة وحسبك في ذلك حديث الثقلين بعد أن ثبتت صحته لدى جمهور المسلمين سنة وشيعة.

قال : هذا الحديث لا يدل على العصمة فهو فقط يخبرنا بالرجوع لأهل البيت.

قلت : بل الحديث أوضح من أن يبحث فيه عن العصمة إذ أن صحة الحديث يؤكد عصمتهم وإليك البيان ، وسألته : ـ ما قولك في القرآن؟ قال : ـ


ماذا تقصد؟! قلت : ـ هل يأتيه الباطل من بين يديه أو من خلفه؟ قال : ـ لا. قلت : ـ إن اقتران أهل البيت (ع) بالكتاب والتصريح بعدم الافتراق عنه يدل على عصمتهم. إذ أن صدور أي مخالفة للشريعة منهم سواء كان عمدا أم سهوا أم غفلة يعتبر افتراقا عن القرآن ، لو قلنا بأنهم يفترقون عنه ولو للحظة فهذا تكذيب للرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله الذي أخبر عن الله عز وجل بعدم وقوع الافتراق وتجويز الكذب على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله متعمدا مناف لعصمته حتى في مجال التبليغ وقد أكد على الحديث في أكثر من موضع.

أضف إلى ذلك أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله اعتبر التمسك بهم عاصما من الضلالة دائما وأبدا كما هو مقتضى ما تفيده كلمة لن التأبيدية فإذا كان هنالك مجال لضلالتهم ولو للحظة فكيف يكون التمسك بهم عاصما.

هذا عن العصمة أما ما قلته عن التفويض فلا أحد من الشيعة يقول به ، إنما هو قول أعداء الدين الذين حاولوا تشويه الصورة النقية للتشيع ، وأنت إذا أردت أن تتعرف على معتقدات الشيعة فيجب عليك الاطلاع عليها من كتبهم وأقوال علمائهم لا من كتب وأقوال المناوئين لهم الذين لا يتورعون عن الكذب والافتراء ، ومعروف عند الشيعة أن الأئمة يقولون بما قاله الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وها هو الإمام أمير المؤمنين علي (ع) يقول « علمني رسول الله ألف باب من العلم يفتح لي من كل باب ألف باب » فهم لا يقولون بالتفويض بل أهل السنة والجماعة هم الذين فوضوا الصحابة في التشريع حتى أمضوا اجتهادات الصحابة الواضحة مقابل النصوص المؤكدة.

بعد هذا الحوار أخذ صاحبي يبحث له عن مخرج وبدأ يقفز بالحديث هنا وهناك ويحاول أن يجد ثغرة يصطادني بها وعندما لم يجد قال لي : ـ يا أخي أنا مفوض أمري إلى الله نحن أهل تسليم.


قلت : ـ التسليم لا يكون إلا للحق ، أما التفويض لله فلا يلغي إرادتك ويجمد عقلك. إذا كنت تصبوا إلى الحقيقة واصل بحثك عنها ثم فوض الأمر إلى الله يهديك إلى الصراط المستقيم ، أما أن تكون لا تدري أعلى حق أنت أم على غيره ثم تفوض الأمر هذا تبرير لا يقبل شرعا ولا عقلا. وتركته وذهبت.

بقي أن نبين بعض المصادر التي ذكر فيها حديث الثقلين : ـ

* صحيح مسلم فضائل علي (ع).

* صحيح الترمذي ج ٥ ص ٦٦٢ ـ ٦٦٣.

* صحيح أحمد بن حنبل ج ٣ ص ١٧ ـ ج ٥ ص ١٨٢ ومواضع متعددة.

* مستدرك الحاكم ج ٣ ص ١٠٩ وكتاب معرفة الصحابة ص ٢٧ وغيرها من المصادر.

الحديث الثالث :

قول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله :

« مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق ».

مستدرك الحاكم ج ٢ ص ٣٤٣ وغيره من المصادر مثل كنز العمال وتاريخ البغدادي ورواية أخرى تعضدها جاءت في مستدرك الحاكم ج ٣ ص ١٤٩ « أهل بيتي أمان لأمتي » ما أبلغ تعبير النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في هذا الحديث الذي يشبه أهل البيت (ع) بسفينة نوح التي حملت المؤمنين برسالته ومن لم يؤمن بها أخذته أمواج الطوفان حتى ابنه الذي قال كما جاء في القرآن ( سآوي إلى جبل يعصمني من الماء ) (سورة هود : آية / ٤٣) لم ينج من تلك الأمواج وأصبح من الهالكين ، واليوم أمواج الفتن تتلاطم ويذهب ضحيتها أولئك الذين لم يركبوا في سفينة النجاة التي أخبر بها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وكل الذين يقدمون الأعذار والتبريرات لعدم تمسكهم بأهل البيت (ع) وركوبهم


سفينة النجاة هم كابن نوح الذي اعتبر الجبل عاصما له من الغرق دون السفينة ، والفرق أن الجبال تعددت في وقتنا الحاضر وأكثرها علوا عند من يفكر فيها جبل « عدالة الصحابة » فهل يا ترى يعصمهم من الأمواج الهادرة؟!

وحتى نعطر أجواء هذا البحث نعرج على القرآن الكريم لنستضئ بنوره ونقتبس منه بعض المعاني يستفيد منها من يريد أن يصل إلى الحق.

الآية الأولى : مباهلة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله للنصارى.

قال الله سبحانه وتعالى :

( فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين ) (سورة آل عمران : آية / ٦١).

تواتر لدى الفريقين نزول هذه الآية ـ كما بينا في حديثنا حول الزهراء (ع) في علي وفاطمة والحسنين ، جاء في صحيح مسلم « ولما نزلت هذه الآية دعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عليا وفاطمة والحسن والحسين فقال : اللهم هؤلاء أهلي ».

قال الفخر الرازي في تفسيره « وأعلم أن هذه الرواية كالمتفق على صحتها بين أهل التفسير والحديث »(١) .

إن القرآن بدقته وبلاغته يعطي لأولي الألباب بصيرة وتوجيها من أقصر الطرق وأيسرها والآية المذكورة تحمل دلالات عظيمة وتفصل معاني الاصطفاء والاختيار الإلهي في أقصر العبارات وأبلغها.

ــــــــــــــــ

(١) ـ التفسير الكبير للرازي ج ٨ ص ٨٠.


وكما جاء في الأحاديث لم يأخذ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله معه أبا بكر وعمر كما أنه لم يأخذ عائشة أو غيرها من زوجاته ..

لم يأخذ إلا هذه العصبة المباركة والتي لم يكن اختيارها اعتباطيا أو عاطفيا في وقت تمر فيه الرسالة بمنعطف تاريخي وهي تواجه نصارى نجران وتتحداهم إنما كان اختيارا ربانيا كما عبر عنه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بقوله : لو علم الله تعالى أن في الأرض عبادا أكرم من علي وفاطمة والحسن والحسين لأمرني أن أباهل بهم ، ولكن أمرني بالمباهلة مع هؤلاء فغلبت بهم النصارى.

ويأتي البعض لإقناعنا بأن الصحابة أفضل من أهل البيت (ع) وكيف يكون ذلك وهذا الاقتران بين النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته من كل مورد وكما ورد في الآيات مما يؤكد بأنهم الامتداد الرسالي له صلى‌الله‌عليه‌وآله .

وهنالك ملاحظة جديرة بالالتفات إليها ، وأذكرها لأصحاب العقول المستنيرة الباحثة دوما عما هو أحق بالاتباع وهي موقعية علي (ع) في آية المباهلة فهو ليس من أبناء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله كالحسن والحسين كما أنه بالطبع لا يدخل في قائمة النساء ومع ذلك أتى به النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولا نجد له مكانا إلا نفس النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ( وأنفسنا وأنفسكم ) هذه المفردة القرآنية تعتبر عليا الحالة التجسيدية الكاملة لشخصية الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وهذا ما أكده الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله في حديثه « علي مني وأنا من علي » فتدبر!!


الآية الثانية :

( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) (١) .

لا يختلف اثنان من وجوب طاعة أولي الأمر كما جاء في هذه الآية التي قرنت طاعتهم بطاعة الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله وهؤلاء القادة الواجبة طاعتهم على سبيل الجزم لا بد أن يكونوا في مصاف الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله من وجود الصفات والخصائص الربانية إلى وجوب الاقتداء والتمسك بهم وهذا يستوجب عصمتهم لأنه يستحيل أن يأمرنا الله تعالى على سبيل الجزم بطاعة من يحتمل خطؤه وعصيانه ، لأنه مفترض الطاعة بلا استثناء ولا حدود ، والاتباع في حالة الخطأ منهي عنه ، فكيف يجتمع الأمر والنهي في فعل واحد باعتبار واحد؟

فيثبت من ذلك أن من أمر الله بطاعتهم على سبيل الجزم وجب أن يكونوا معصومين وذلك ما توصل إليه الفخر الرازي في تفسيره فأثبت عصمة أولي الأمر ولكنه في محاولة يائسة حاول صرف المعنى عن أهل البيت (ع) إلى أهل الحل والعقد ولا نجد من هو أجدر من أهل من الأمة والذين لم نجد لهم تعريفا ثابتا أو فهما واضحا في الشرع الذي أمرنا بطاعتهم. البيت (ع) لما ذكرنا من أمر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله لنا باتباعهم وأنهم معصومون وإلى غير ذلك مما تقدم ذكره فهم أولو الأمر المعنيون بالآية.

وبهذا تكون الحقيقة قد تجلت لمن يريد الأخذ بها وإن معالم طريق الخلاص باتت واضحة وسبيل النجاة منحصر في اتباع أهل البيت (ع) وعلى الأقل فإن هذا ما

ــــــــــــــــ

(١) ـ سورة النساء : الآية / ٥٩.


 قادني إليه الدليل ـ أهل البيت الذين اصطفاهم الله لحمل أعباء الرسالة بعد رسوله الأمين صلى‌الله‌عليه‌وآله مستحفظا بعد مستحفظ أوصياء معصومون يحافظون على سير الشريعة في خطها المستقيم وينفون عنها كل الشبهات ويقفون بقوة أمام محاولة تحريفها من قبل المنافقين والحاقدين ، والتاريخ يشهد لهم بذلك وواقعنا أيضا وسنبين ذلك لاحقا.

عندما كنت أحاور ذلك السلفي الذي أجريت معه المناظرة المذكورة في أول الكتاب وفي أثناء حوارنا لمعت عيناه فجأة وكأنه عثر على ضالته وفاجأني بسؤال معتقدا أنه سيضعني في زاوية حرجة سؤال من ظن أنه بلغ منتهى العلم والحكمة ، قال : من قال لكم أن الأئمة اثنا عشر ولماذا هذا العدد بالذات؟ وضحك!! قلت له : يا أخي بالنسبة للعدد فلو فتحنا هذا الباب لمعرفة الحكمة من العدد سأجر إليك أسئلة لا قبل لك بها فلماذا كان الخلفاء أربعة فقط؟ ولماذا اختار موسى سبعين رجلا لميقات ربه ولم يكونوا ثمانين؟ ولماذا خلق الله سبع سماوات وسبعا من الأرض ولم تكن كل واحدة منهما عشرة مثلا ولماذا كان عدد نقباء بني إسرائيل اثنا عشر ولماذا يقول تعالى ( وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما ) ولم يكونوا خمسة عشر وهكذا أضف إلى ذلك أن الآيات والروايات التي وردت عن أهل البيت (ع) كافية لتوجهنا للأخذ منهم ونحن لم نجد سوى الشيعة متمسكة بهم وهنالك تعلم بعدد الأئمة ولا ضرورة للاحتجاج عليك بعدد الأئمة من مصادركم لأن الموضوع فرعي ومع ذلك وبلطف من الله تعالى لإظهار الحق ولإقامة الحجة لم تخل مصادر أهل السنة والجماعة من الأحاديث التي تحدد عدد الأئمة بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وصدفة كنت أحمل أحد مجلدات موسوعة تجمع ما جاء في الصحاح الستة من أحاديث وفتحت باب الإمارة وقرأت عليه عن جابر بن سمرة قال : قال رسول الله (صلى


 الله عليه وآله وسلم) : « يكون بعدي اثنا عشر أميرا كلهم من قريش » وقلت له : هل سمعت؟ فبهت الذي كفر وانتفض انتفاضة قوية وكأنه قد مس بطائف من الشيطان ، وقال : من أين لك هذا الحديث؟! فذكرت له المصادر وأذكرها هنا تتمة للفائدة :

* صحيح البخاري كتاب الأحكام ج ٩ ص ٧٢٩.

* صحيح مسلم ج ٣ كتاب الإمارة باب الناس تبع لقريش.

* صحيح الترمذي ج ٤ ص ٥٠١.

* سنن أبي داوود كتاب المهدي ص ٥٠٨.

* مسند أحمد بن حنبل ج ١ ص ٣٩٨.

وهذا الحديث جعل علماء أهل السنة يعيشون في تخبط ومشكلة كبيرة لن يخرجوا منها ولن يجدوا لها حلا إلا عند أتباع أهل البيت (ع) وهم الشيعة المعروفون ب‍ « الاثني عشرية » ولقد حاول البعض أن يجد تفسيرا معقولا للحديث على أرض الواقع فمنهم من عد أبا بكر وعمر وعثمان وعليا وتوقف ، ومنهم من زاد عليهم الحسن بن علي ثم تحير ، وبعضهم أضاف إليهم معاوية وبني أمية فلم يوفق لضبط العدد وآخر أصبح انتقائيا يختار كما يتراءى له وهكذا

والأمر لا غموض فيه ولا لبس عند شيعة أهل البيت ذلك بعد أن علمنا حقهم في الولاية والخلافة بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وليس من المعقول أن يخرج هذا العدد خارج دائرتهم وقد جاء في ينابيع المودة للقندوزي الحنفي الباب (٩٤) عن المناقب بسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : يا جابر إن أوصيائي وأئمة المسلمين من بعدي أولهم علي ثم الحسن ثم الحسين ثم علي بن الحسين ثم محمد بن علي المعروف بالباقر ستدركه يا جابر فإذا لقيته فأقرئه مني السلام ثم جعفر بن محمد ثم موسى بن جعفر ثم علي بن موسى ثم محمد بن علي ثم علي بن محمد ثم الحسن بن علي ثم


 القائم اسمه اسمي وكنيته كنيتي محمد بن الحسن بن علي « المهدي ذلك الذي يفتح الله تبارك وتعالى على يديه مشارق الأرض ومغاربها ».

أما النصوص الواردة من مصادر الشيعة عن طريق أهل البيت (ع) فهي متواترة وواضحة بخصوص هذا الشأن ، ولم يرع أحد من الأمة أنه أحد الأئمة الاثني عشر كما قال أهل البيت (ع) عن أنفسهم والتاريخ يخبرنا عن سيرتهم بل أعداؤهم اعترفوا بمكانتهم السامية وعلمهم الغزير وأخلاقهم الرفيعة وهم كما جاء في الحديث آنف الذكر :

١ ـ علي بن أبي طالب.

٢ ـ الحسن بن علي.

٣ ـ الحسين بن علي.

٤ ـ علي بن الحسين الملقب بزين العابدين والسجاد.

٥ ـ ثم ابنه محمد بن علي الملقب بالباقر.

٦ ـ ثم ابنه جعفر بن محمد الملقب بالصادق.

٧ ـ ثم ابنه موسى بن جعفر الملقب بالكاظم.

٨ ـ ثم ابنه علي بن موسى الملقب بالرضا.

٩ ـ ثم ابنه محمد بن علي الملقب بالجواد.

١٠ ـ ثم ابنه علي بن محمد الملقب بالهادي.

١١ ـ ثم ابنه الحسن بن علي الملقب بالعسكري.

١٢ ـ ثم ابنه محمد بن الحسن ويدعى المهدي والقائم والحجة.

هؤلاء هم أولو الأمر الذين فرض الله علينا طاعتهم في القرآن ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) وعرفنا منزلتهم ( ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم ) (سورة آل عمران : آية / ٣٤).


الفصل السادس

الانقلاب

( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين )

(سورة آل عمران : آية / ١٤٤)



ماذا حدث؟

اختزلت الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء (ع) ما حدث بكلمات بليغة في خطبتها الرائعة ، قالت : « فلما اختار الله لنبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله دار أنبيائه ومأوى أصفيائه ، ظهرت فيكم حسكة النفاق وسمل جلباب الدين ونطق كاظم الغاوين ونبغ خامل الأقلين وهدر فنيق المبطلين فخطر في عرصاتكم وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه هاتفا بكم ، فألفاكم لدعوته مستجيبين ، وللغرة فيه ملاحظين ثم استنهضكم فوجدكم خفافا ، وأحمشكم فألفاكم غضابا فوسمتم غير إبلكم وأوردتم غير مشربكم ، هذا والعهد قريب والكلم رحيب والجرح لما يندمل والرسول لما يقبر ».

عبارات رصينة تلحظ الانقلاب الذي جرى بعد وفاة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله الذي لم يأل جهدا في بيان حدود الشريعة ولم يسكت عن أمر الخلافة وأوضح للأمة ما يجب أن تتمسك به بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى ـ كما بينا ـ ولكن أبى البعض إلا أن يخالف أوامر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ليدخل الأمة في نفق مظلم ومتاهات تتخبط فيها إلى يومنا هذا اللهم إلا من أنعم الله عليه بمعرفة أهل البت (ع) حق المعرفة.

وما أن تحاول الخوض في غمار أحداث الانقلاب إلا ويظهر لك من تمسح بلباس الدين ليخرج من جيبه بطاقة الفتنة ويشهرها في وجهك ، أو يخرج لك صنم « عدالة الصحابة » ، لكي تتوجه إليه تاركا المقاييس الإلهية الحقيقية التي تميز بها الحق عن الباطل وعندما يضطر أحدهم لمناقشة قضية الخلافة يطوي هذه الصفحة سريعا قائلا : إن المسلمين والصحابة اتفقوا على خلافة أبي بكر التي


كانت بالشورى الإسلامية! أقول بإمكانكم اليوم الهروب من الحقيقة بسبب العاطفة اللامنطقية والتعصب الأعمى ولكن لا بد أن يكشف الغطاء هنالك في يوم المحشر وحينها ستقولون ( يا ليتني كنت ترابا ) .

ومع هذا يسخر الله من يسبر أغوار التاريخ ليخرج لنا الحقيقة ، وستكون كتب القوم شاهدة على وهن ما يعتمدونه من تصويب كل ما فعله الصحابة المقدسون.

وقبل مناقشة ما جرى في السقيفة من أحداث الشورى المزعومة يجدر بنا أن نتحدث عن أهم نظرية أسس عليها أهل السنة والجماعة قاعدتهم التي انطلقوا منها لأخذ معالم دينهم وهي « نظرية عدالة الصحابة » وبئس ما أسسوا ( أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله والله لا يهدي القوم الظالمين ) (١) .

هذه النظرية التي تخالف منطق القرآن والعقل بل وتناقض صريح الأحاديث الشريفة الواردة في كتب التاريخ والسيرة جعلت الأمة تتيه وتتخبط وأحيانا تجمد وتقف حائلا بين الناس والحق ، فهؤلاء الصحابة بأنفسهم يهدمون هذه النظرية من أساسها بأقوالهم وأفعالهم ، أما ما وضع من فضائل مكذوبة لهم فلا يحتاج أمرها إلى ذكاء خارق لمعرفة ضعفها ووهنها سندا ومتنا وذلك لمخالفتها الواقع ، ولو لم تكن إلا هذه النظرية لكفى بها تمييعا وتضعيفا لمعتقد أهل السنة والجماعة الذي لا يفرق بين المسلم والكافر ولا بين المؤمن والمنافق.

ــــــــــــــــ

(١) ـ سورة التوبة : آية / ١٠٩.


مع عدالة الصحابة

الصحابي عند أهل السنة والجماعة هو كل من لقي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله مؤمنا به ولو ساعة من النهار ومات على الإسلام ، وبالطبع لم يبق بمكة والطائف أحد سنة عشر إلا أسلم وشهد مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله حجة الوداع. وإنه لم يبق في الأوس والخزرج أحد في آخر عهد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله إلا ودخل في الإسلام ، وألحق بهذا الكم الهائل من أمروا في الفتوح بعد وفاة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله كل هؤلاء يدخلون تحت مصطلح الصحابي بمفهوم أهل السنة.

ويرون أنهم كلهم عدول كما قال ابن عبد البر في مقدمة كتابه الإستيعاب ، « والصحابة يشاركون سائر الرواة في كل ذلك إلا في الجرح والتعديل فإنهم كلهم عدول » وقال ابن حجر « اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول » وغير ذلك من أقوال علمائهم ويرون زندقة من يناقش أحوالهم.

* القرآن وعدالة الصحابة :

القرآن الكريم يقف عكس هذا الكلام تماما وينقضه وكذلك العقل الذي لم يهبه الله لنا إلا لتصديق الوحي ومن ثم الانطلاق لمعرفة الحقائق ، وما جرى بين أولئك الصحابة يجعلنا نقف حيارى أمام أفعالهم المخالفة للدين في زمن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وبعد وفاته وما فعلوه في أهل بيته.

والمتتبع لآيات الذكر الحكيم بعيدا عن التعصب والالتفاف إعراضا عن الحقيقة يدرك أن في الصحابة منافقين مردوا على النفاق ، ورموا فراش


الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله بالإفك وحاولوا اغتياله وفيهم المرتابون وأن القلة منهم مؤمنة بحق وقد أطلق عليهم القرآن صفة الشاكرين ( لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون ) (١) ( ولا تجد أكثرهم شاكرين ) (٢) ويقول ( وقليل من عبادي الشكور ) (٣) .

ونفس هؤلاء الأصحاب قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله عنهم أنهم يوم القيامة يختلجون دونه فيقول : « أصحابي ، أصحابي فيقال لي : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ».

ومما لا شك فيه أن المنافقين والمرتابين والذين سينقلبون على أعقابهم عاشوا مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وصلوا خلفه وصحبوه في حله وترحاله ، وهذه بعض الآيات التي تتحدث عن حال بعضهم وهم حول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله :

( قالت الأعراب آمنا ، قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ) (سورة الحجرات : آية / ١٤).

( إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون ) (سورة التوبة : آية / ٤٥).

( فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر ، قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون ) (سورة التوبة : آية / ٨١).

( ذلك بأنهم أتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم ، أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ، ولو نشاء

ــــــــــــــــ

(١) ـ سورة الزخرف : آية / ٧٨.

(٢) ـ سورة الأعراف : آية / ١٧.

(٣) ـ سورة سبأ : آية / ١٣.


 لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم ) (سورة محمد : آية / ٢٨ ـ ٣٠).

( ها أنتم تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ، ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ، والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ) (سورة محمد : آية / ٣٨).

( ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا ، أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم ) (سورة محمد : آية / ١٦).

( ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن ، قل هو أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم ، والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم ) (سورة التوبة : آية / ٦١).

( ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا ، وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ) (سورة التوبة : آية / ٢٥).

أقول أضف إليها قوله تعالى :

( ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة ، فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ) (سورة الأنفال : آية / ١٦) فتأمل!

وهنالك فئة كبيرة من المنافقين لم يتناساها القرآن وأشار إليها بوضوح في أكثر من مورد وهي جماعة لا يستهان بها ولكن للأسف ونحن ندرس التاريخ في مدارسنا لم نعلم منهم إلا عبد الله بن أبي سلول ، وكلما ذكر النفاق في عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قفز إلى ذهني هذا المنافق مع أن القرآن يركز عليهم بشدة وذلك لا يكون إلا إذا كانت حركة النفاق قوية جدا


 داخل المجتمع الإسلامي ولولا ذلك لم يولها القرآن هذا الاهتمام. والعجب كل العجب أن هذا التيار المنافق سكنت حركته بعد وفاة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ولا ندري لماذا؟ فهذه الفئة المنافقة إما أنها آمنت بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله على يد الخلفاء الثلاثة ، وإما وجدت الوضع ملائما في عهدهم فقفزت إلى أعلى مراكز السلطة وامتلكت قرار الأمة ، والأخير أقرب ، وما جرى بعد وفاة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله دليلنا على ذلك :

ما أن أجمع المسلمون على تنصيب علي (ع) بعد مقتل عثمان حتى برز النفاق من جديد ليقود الحرب ضد خليفة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله فخاض علي الحروب المتتالية ـ الجمل ، صفين ، النهروان ، وأخيرا استشهد ليعود الأمر كما كان عليه وتتسلط جبهة النفاق على رقاب المسلمين من جديد.

وهذه بعض من الآيات تبين مدى قوة جبهة النفاق في عهد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله .

( يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون ) (سورة التوبة : آية / ٦٤).

( وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم ) (سورة التوبة : آية / ١٠١).

( الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم ) (سورة التوبة : آية / ٩٧).

( ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء والله سميع عليم ) (سورة التوبة : آية / ٩٨).

( المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن


المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون ) (سورة التوبة : آية / ٦٧).

( وعد الله المنافقين والمنافقات نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم ) (سورة التوبة : آية / ٦٨).

( ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا ) (سورة الفتح : آية / ٦).

هذا قليل من كثير ولو تصفحنا كتاب الله لتعرفنا على مزيد من صفات المنافقين والمنافقات ولما احتجنا إلى كل هذا التكلف حتى نصنع هالة قدسية لكل من صاحب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله .

وهنالك كما لا يخفى على الألمعي علاقة بين حركة التيار المنافق والحروب التي جرت في عهد الإمام علي (ع) ، ونظرة إلى أحاديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حول صفات المنافقين تصل إلى السر الذي جعل الجيوش تتحرك لقتال علي (ع) قال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله لعلي (لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق).

هذا المعيار أوضح من أن يحتاج إلى بيان ، إذ أن من صفة المنافق بغض علي (ع) وأعظم مصداق للبغض في أعلى مراتبه الحرب ولقد ورد هذا الحديث في صحيح مسلم عن علي بن أبي طالب قال : « والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي صلى‌الله‌عليه‌وآله إلي أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق »(١) .

ــــــــــــــــ

(١) ـ صحيح مسلم ج ١ ص ٦١ باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي من الإيمان.


ولقد كان ذلك معروفا في عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حتى قال أبو ذر : « ما كنا نعرف المنافقين إلا بتكذيبهم الله ورسوله والتخلف عن الصلوات والبغض لعلي بن أبي طالب »(١) .

* السنة وعدالة الصحابة :

قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : ـ « ليردن علي أناس من أصحابي الحوض حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني فأقول : أصحابي فيقال : لا تدري ما أحدثوا بعدك »(٢) .

يا قوم ما لكم كيف تحكمون؟ من أين لكم بهذه الخزعبلات التي يرفضها القرآن والسنة؟ لماذا نظل نبرر كل انحراف؟ وإلى متى نغض الطرف عما حدث؟ حتى هؤلاء الصحابة شهدوا على أنفسهم بأنهم أحدثوا الكثير بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كما جاء في البخاري « عن العلاء بن المسيب عن أبيه قال : لقيت البراء بن عازب رضي الله عنهما فقلت : طوبى لك صحبت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وبايعته تحت الشجرة! فقال : يا بن أخي إنك لا تدري ما أحدثنا بعده »(٣) .

وقال أنس بن مالك « ما عرفت شيئا مما كان على عهد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله غير الصلاة وقد ضيعتم ما ضيعتم منها. وقال الزهري دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي فقلت : ما يبكيك؟ فقال : لا أعرف شيئا مما أدركت إلا هذه الصلاة وقد ضيعت »(٤) .

ــــــــــــــــ

(١) ـ مستدرك الحاكم ج ٣ / ١٢٩.

(٢) ـ البخاري باب الحوض كتاب الرقاق ج ٤ / ٩٥ صحيح مسلم كتاب الفضائل باب إثبات حوض نبينا.

(٣) ـ البخاري ج ٥ ص ٦٦.

(٤) ـ البخاري ج ١ ص ٧٤.


وروى أنس بن مالك أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال للأنصار : إنكم سترون بعدي أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله على الحوض ، قال أنس فلم نصبر »(١) .

وإليك هذه الحادثة التي توضح حال هؤلاء الصحابة مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله » عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنه) قال : أقبلت عير من الشام تحمل طعاما ونحن نصلي مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله الجمعة فانفض الناس إلا اثني عشر رجلا فنزلت هذه الآية ( وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما ) .

وغير ذلك من الأحداث التي تبين الحالات المتباينة بين الصحابة ، ولكن أهل السنة وخاصة علماءهم أبو إلا يطمسوا الحقيقة ويستغفلوا العامة بلعبهم على وتر العاطفة وارتباط الناس بدينهم فجعلوا الصحابة أصلا من أصول الدين لا يجوز النقاش فيه أو السؤال عنه أو الطعن فيه بينما يمكنك الحديث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بكل ارتياح ، وأصبح عندهم الأمر عكسيا الأصل (النبوة) صار فرعا والفرع (الصحابة) أصبح أصلا ، (وعند نقدك لأحد الصحابة تتهم بالزندقة وعندما تدافع عن عصمة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله يثبتون بشتى الطرق أنه يخطئ ويسهو ويصيبه السحر وأن عمر بن الخطاب يفكر ويقدر أفضل منه)(٢) ، والمسلمون منقادون لعلمائهم بدون تعقل ودراية ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ) (٣) . فخاضوا بهم في

ــــــــــــــــ

(١) ـ البخاري ج ٢ / ١٣٥.

(٢) ـ أنظر البخاري ج ١ / ٢٢٥ و ج ٢ / ٧٢٦.

(٣) ـ سورة التوبة : آية / ٣١.


متاهات لا يعلم مداها إلا الله سبحانه وتعالى ، وكثيرا ما يشتبه البعض في الاستدلال على عدالة جميع الصحابة بقوله تعالى ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ) مع أن الآية تتحدث عن المؤمنين فقط وتحصر رضى الله سبحانه وتعالى فيهم ، والاستدلال بقوله تعالى (المؤمنين) على أنهم جميع الصحابة محل نظر يضاف إلى ذلك أن هنالك منافقين قد بايعوا رسول الله على هذه الواقعة ومن ضمنهم كما ذكر المؤرخون عبد الله بن سلول المنافق المعروف فهل يا ترى تشمله هذه الآية؟ إذا قلنا بالنفي فالمعنى الواضح أن الآية لا تشمل كل من بايع وإنما المؤمنين منهم وبالتالي فهي مخصصة ولا يصح أصلا الاحتجاج بها لأنها أخص من المدعى ، وإثبات إيمان كل الصحابة يحتاج إلى دليل سابق على ذلك. ثم إن الله تعالى يقول في آية أخرى ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ) والآية صريحة بإخبارها أن هنالك من ينكث وبهذا يكون رضا الله تعالى ما دام الإيمان والاستقامة وعدم الانتكاث ، وحديث إبراء المتقدم يؤكد على ذلك.

* الصحابة عند شيعة أهل البيت (ع) :

أما أهل البيت وشيعتهم فيرون أن لفظ الصحابي ليس مصطلحا شرعيا وإنما شأنه شأن سائر مفردات اللغة العربية ، والصاحب في لغة العرب بمعنى الملازم والمعاشر ولا يقال إلا لمن كثرت ملازمته ، والصحبة نسبة بين اثنين ، ولذلك لا تستعمل الصاحب وجمعه الأصحاب والصحابة في الكلام إلا مضافا ، كما ورد في القرآن الكريم ( يا صاحبي السجن ) و ( أصحاب موسى ) وكذلك كان يستعمل في عصر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله يقال :


صاحب رسول الله ، وآصحال رسول الله ، مضافا إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أو مضافا إلى غيره مثل قولهم (أصحاب الصفة) لمن كانوا يسكنون صفة مسجد الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ثم استعمل الصحابي بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بلا مضاف إليه وقصد به أصحاب النبي ، وصار اسما لهم ، وعلى هذا فإن (الصحابي) و (الصحابة) من اصطلاح المتشرعة وتسمية المسلمين ، وليس اصطلاحا شرعيا.

أما عدالتهم فإن مدرسة أهل البيت (ع) ترى تبعا للقرآن أن في الصحابة منافقين ومرتابين الخ كما بينا بالآيات والأحاديث ، والصحبة عندهم ليست بهذا المفهوم الذي أسس عليه أهل السنة دينهم ، وعندما يتحدثون عن الصحابة يضعون نصب أعينهم آيات الذكر الحكيم وقول إمامهم علي (ع) عندما سئل أمن المعقول أن تكون عائشة وطلحة والزبير على باطل قال : « ويحك يا رجل لا يعرف الحق بالرجال ، اعرف الحق تعرف أهله ».

وهكذا فالشيعة يقدسون ما قدسه الله ويلتزمون بالولاء لمن التزم بقيم السماء ويتبرؤون من أعداء الله ورسوله وأهل بيته المنصوص عليهم ، ولهم أدعية يقرؤونها ويدعون بها لأصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله المخلصين ومن أشهرها ما ورد في الصحيفة السجادية للإمام الرابع للشيعة علي بن الحسين « زين العابدين (ع) ».

« اللهم وأصحاب محمد خاصة الذين أحسنوا الصحبة والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره وكاتفوه وأسرعوا إلى وفادته وسابقوا إلى دعوته واستجابوا له حيث أسمعهم حجة رسالته ، وفارقوا الأرواح والأولاد في إظهار كلمته ، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته وانتصروا به ، ومن كانوا منظومين على محبته يرجون تجارة لن تبور في مودته والذين هجرتهم العشائر إذ تعلقوا بعروته الخ الدعاء.


* مصيبة الأمة :

والمصيبة التي منيت بها هذه الأمة هي عدم كتابتها للحديث وذلك بفضل ذكاء أبي بكر وعمر الحاد اللذين شددا في منع نشر كلمات النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله فتأخر زمان التدوين لينتهز معاوية الفرصة ويغدق في العطاء للوضاعين للحديث ويوسع عليهم لضرب خصومه السياسيين وعلى رأسهم علي (ع) الذي أمر معاوية بسبه على المنابر ، استفاد معاوية من هذا المنع وأجزل في الدفع لوعاظ السلاطين لكي يختلقوا له مجموعة من الفضائل والمناقب للخلفاء الثلاثة في مقابل فضائل لعلي (ع) ، وعلى امتداد التاريخ لم يبق حديث في فضائل أهل البيت (ع) إلا وألفوا في مقابله فضيلة لأعدائهم ، ومثال ذلك حديث « أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم » والذي كان في مقابل حديث « النجوم أمان لأهل السماء وأهل بيتي أمان لأهل الأرض ».

قلت لأحدهم وهو يحاورني : إن كان حديث أصحابي كالنجوم صحيحا أفلا يعتبر علي منهم فيحق لي اتباعه؟ قال : علي من أكابر الصحابة! قلت له : إذا أنا أقتدي بعلي (ع) الذي رفض بيعة أبي بكر وقاتل عائشة وطلحة والزبير ولو ظفر بطلحة والزبير أثناء القتال في صفوف أعدائه لقتلهم ، وكنت سأقاتل مع علي (ع) لو كنت حاضرا في حرب صفين ولو تمكنت من معاوية لقتلته ، وكنت سأجهز على عمرو بن العاص وهو يظهر سوأته لعلي (ع) حتى لا يقتله! أليس من حقي أن أقتدي بأي صحابي كما تدعون؟! ألا ساء ما يحكمون.

* حديث العشرة المبشرين المزعوم :

ما بدأت حوارا مع أحد ما جرى بعد رسول الله (صلى الله عليه


وآله وسلم) إلا وبادرني « إنهم مبشرون بالجنة » مستندا إلى حديث العشرة المبشرين بالجنة كما يزعمون وإنه لعمري حديث لا يحتاج مني إلى كثير عناء لإثبات وهنه ومخالفة متنه لواقع الأحداث التاريخية ، وهو لا يعدو أن يكون إحدى الأكاذيب التي وضعت كغيرها من الفضائل ، وأورده هنا كنموذج لمأساة الأمة.

العشرة المبشرون بالجنة هم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، وطلحة والزبير ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص ، وسعيد بن زيد وأبو عبيدة بن الجراح.

هذا الحديث الضعيف سندا كما بين فطاحل العلم يكذبه متنه كذلك ولا ندري لماذا اشتهر هؤلاء العشر بالتبشير بالجنة وحصرت فيهم مع أن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بشر غيرهم كآل ياسر والحسن والحسين وأبي ذر ، والقرآن أيضا يبشر كل من آمن وعمل صالحا ثم اهتدى بالجنة.

إن هؤلاء الذين يرفعون عقيرتهم بمثل هذه الروايات الموضوعة لم يفطنوا إلى وضوح كذب الأحاديث إذ أنها لو كانت وردت عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله حقيقة لسمعنا في التاريخ احتجاج عمر بها مثلا في السقيفة كدعاية انتخابية لأبي بكر يسند بها انتخابه له.

وياليتني أجد من يوضح لي هل من الممكن أن يكون عبد الرحمن بن عوف أحد رواة هذا الحديث معتقدا بصحته ومع ذلك يسل سيفه على علي (ع) يوم شورى الستة قائلا : بايع وإلا تقتل؟ ويقول لعلي (ع) بعدما انتقضت البلاد على عثمان : إذاشيء ت فخذ سيفك وآخذ سيفي إنه قد خالف ما أعطاني. وهل أبو بكر وعمر المبشران بالجنة هما اللذان ماتت الصديقة بضعة المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآله وهي واجدة عليهما؟ وهل هما اللذان قالت لهما : إني أشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني ولئن لقيت النبي لأشكونكما


إليه؟ وهل أبو بكر هذا هو الذي أوصت فاطمة (ع) أن لا يصلي عليها وأن لا يحضر جنازتها؟ وهل كان عمر يصدق هذه الرواية وله إلمام بها وهو يناشد مع ذلك حذيفة اليماني العالم بأسماء المنافقين ويسأله عن أنه هل هو منهم؟

وهل كان طلحة والزبير يؤمنان بقول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وهما يؤلبان على عثمان ويشاركان في قتله؟ وهما اللذان خرجا على إمامهما وخليفة المسلمين المفروض عليهما طاعته بعد أن عقدت له البيعة فنكثا بيعته وأسعرا عليه نار البغض وقاتلاه وقتلا.

أو ليس طلحة والزبير هما اللذان ارتكبا من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في هتك حرمته ما لم يرتكبه أحد ، حينما أخرجا زوجته عائشة تسير بين العساكر في البراري والفلوات غير مبالين في ذلك ولا متحرجين؟!!

وغير ذلك الكثير مما يؤكد أن الحديث مكذوب على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من أصله ولا تحتاج معرفة ذلك إلى كبير عناء.

السقيفة

حتى نتعرف على حقيقة ما جرى يوم تنصيب أبي بكر خليفة للمسلمين لا بد لنا من أن نتصفح أحداث ذلك اليوم ومن ثم نحدد هل هي الشورى كما يدعون :

جاء في طبقات ابن سعد « عندما انتقل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى الرفيق الأعلى اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة وتبعهم جماعة من المهاجرين(١) . ولم يبق حول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله إلا أقاربه الذين


تولوا غسله وتكفينه وهم : علي والعباس وابناه الفضل وقثم وأسامة بن زيد وصالح مولى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وأوس بن خولي الأنصاري ، ولخص عمر بن الخطاب خبر السقيفة فقال : إنه كان من خبرنا حين توفي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، أن الأنصار اجتمعوا في السقيفة » سقيفة بني مساعدة وخالف عنا علي والزبير ومن معهما فقلت لأبي بكر : إنطلق بنا إلى إخواننا الأنصار فانطلقنا حتى أتيناهم فإذا رجل مزمل ، قلنا من هذا؟ فقالوا : هذا سعد بن عبادة يوعك. فلما جلسنا قليلا تشهد خطيبهم فأثنى على الله ، ثم قال : أما بعد ، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام وأنتم معشر المهاجرين رهط نبينا وقد دفت إلينا من قومكم دافة. قال عمر : فلما رأيتهم يريدون أن يختزلونا من أصلنا ويغصبونا الأمر وقد كنت زورت في نفسي مقالة أقدمها بين يدي أبي بكر فلما أردت أن أتكلم قال : على رسلك فكرهت أن أغضبه ، فقام فحمد الله وأثنى عليه فما ترك شيئا كنت زورت في نفسي أن أتكلم به لو تكلمت إلا قد جاء به أو بأحسن منه وقال : أما بعد يا معشر الأنصار فإنكم لا تذكرون منكم فضلاً إلا وأنتم له أهل (وإن العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش)(١) (وهم أوسط دارا ونسبا) (ولكن قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين) فبايعوا أيهماشيء تم فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح ، فلما قضى أبو بكر كلامه قام منهم رجل فقال : « أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش ».

ــــــــــــــــ

(١) ـ تاريخ الطبري ج ٢ ص ٤٤٦.


قال عمر فارتفعت الأصوات وكثر اللغط فلما أشفقت الاختلاف قلت لأبي بكر : ابسط يدك أبايعك قال أبو بكر : بل أنت يا عمر فأنت أقوى لها مني وكان عمر كما ينقل الطبري أشد الرجلين وكان كل واحد منهما يريد صاحبه يفتح يده يضرب عليها ففتح عمر يد أبي بكر وقال : إن لك قوتي مع قوتك فبايع الناس واستثبتوا البيعة وتخلف علي والزبير واخترط الزبير سيفه وقال : لا أغمده حتى يبايع علي فبلغ ذلك أبا بكر وعمر فقال عمر : خذوا سيف الزبير فاضربوا به الحجر قال فانطلق إليهم عمر فجاء بهما تعبا وقال لتبايعان وأنتما طائعان أو لتبايعان وأنتما كارهان »(١) .

يقول عمر ثم نزونا على سعد حتى قال قائلهم قتلتم سعدا فقلت : قتل الله سعدا وإنا والله ما وجدنا أمرا هو أقوى من مبايعة أبي بكر »(٢) .

هكذا كانت أحداث السقيفة ، مهزلة تاريخية عاد الناس فيها إلى جاهليتهم حتى قال أحدهم لعمر « والله لنعيدنها جذعة » وهو نفسه القائل « أنا جذيلها المحكك ».

إن ما جرى في السقيفة لعبة سياسية ومسرحية درامية وضع لها السيناريو وحبكت خيوطها قبل تنفيذها ، ولم يكن المنطق فيها للقيم والمبادئ بل لنعرات جاهلية.

ولم نر فيها وجودا للمهاجرين سوى هذا الثلاثي أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وهو ما يحتاج إلى تفسير فلماذا هؤلاء بالذات دون غيرهم وكما يقول عمر لقينا رجلان صالحان شهدا بدرا فأخبرانا بخبر السقيفة ولم يذكر اسميهما. فمن هما وما هو السر في اختيارهما لهؤلاء.

ثم إن وجود هذا الثلاثي في المدينة غير شرعي لأنهم مأمورون بإنفاذ الجيش الذي أعطى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله أمر القيادة فيه لأسامة

ــــــــــــــــ

(١) ـ المصدر ص ٤٤٤.

(٢) ـ المصدر ص ٤٤٧.


 كما سيأتينا خبره.

وماذا كان يضير هؤلاء الثلاثة إذا عملوا على تهدئة الأوضاع حتى يدفن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله خصوصا وأن فيهم أبا بكر ، وعلى حد زعمهم له المكانة التي كان يمكن استغلالها لذلك أم أن الأمور ستصبح على خلاف ما يشتهون.

أما الحضور الكمي لهذه الشورى فلا أظن أنه كان كبيرا خصوصا لو علمنا أن هذه السقيفة مكان لا يتسع بأي حال من الأحوال إلى عدد كبير أضف إلى ذلك غياب عدد كبير من أصحاب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وعلى رأس أولئك علي والهاشميون لأنهم كانوا في شغل عن الأمر بمصيبة وفاة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله التي تناساها الخليل الصديق وهو يسعى وراء الخلافة. يقول عمر « إنه كان من خبرنا حين توفي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أن عليا والزبير ومن كان معهما تخلفوا عنا في بيت فاطمة »(١) .

أي شورى هذه التي لم يحضرها باب مدينة العلم الفاروق الأكبر والصديق الأول علي بن أبي طالب (ع) ، ومن أين تستمد شرعيتها وكل سكان المدينة آنذاك ناهيك عن الدولة الإسلامية لم تجمع على ترشيح أبي بكر. وحتى الذين بايعوا لم يكن دافعهم إلى ذلك شخصية أبي بكر فهنالك من بايع لموازنات سياسية كما فعلت الأوس عندما بايعت أبا بكر قال بعضهم وفيهم أسيد بن حضير وكان أحد النقباء : والله لئن وليتها الخزرج عليكم مرة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة ، ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيبا أبدا ، فقوموا فبايعوا أبا بكر(٢) .

 احتج أبو بكر على القوم قائلا : لن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من

ــــــــــــــــ

(١) ـ المصدر ص ٤٤٦.

(٢) ـ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي ج ٢ / ٢.


 قريش هم أوسط العرب نسبا ودارا واحتج عمر قائلا : من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ونحن أولياؤه وعشيرته ..

إذا كان هذا هو المعيار فأهل بيت النبوة وعلى رأسهم علي (ع) أولى ، الذي قال عندما سمع احتجاجهم : « احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة ».

فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم

فكيف بهذا والمشيرون غيب

وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم

فغيرك أولى بالنبي وأقرب

وأخيرا قال عمر عن بيعة أبي بكر « إن بيعة أبي بكر كانت فلتة فقد كانت كذلك غير أن الله وقى شرها »(١) .

وأنا أقول كانت فلتة مزقت الأمة تمزيقا وأبعدتها عن الصراط المستقيم.

علي (ع) والخلافة

أعلن علي (ع) والعباس والهاشميون رفضهم لبيعة أبي بكر من الوهلة الأولى وظلوا في بيت فاطمة (ع) معارضين ، ولقد حاول أبو سفيان الاصطياد في الماء العكر ، جاء في الطبري « لما اجتمع الناس على بيعة أبي بكر قال أبو سفيان : ما بال هذا الأمر في أقل حي من قريش ، وأقبل وهو يقول : والله إني لأرى عجاجة لا يطفئها إلا دم يا آل عبد مناف فيما أبو بكر من أموركم أين المستضعفان علي والعباس وقال : أبا حسن أبسط يدك أبايعك والله لئنشيء ت لأملأنها عليه خيلاً

ــــــــــــــــ

(١) ـ الطبري ج ٢ ص ٤٤٥.


ورجالاً »(١) ، لكن عليا (ع) رفض عرضة لأنه كان يعلم نوايا أبي سفيان وبني أمية المعادية للإسلام فقال له : « إنك والله طال ما بغيت الإسلام شرا لا حاجة لنا في نصيحتك »(٢) ، وقد هدأ أبو سفيان بعد أن ولى أبو بكر ابنه يزيد(٣) .

الإمام علي (ع) كان يدرك أن الأمة الإسلامية في مفترق طرق والناس تتجاذبهم الأهواء وأي محاولة لتصحيح الانحراف بحرب مسلحة يمثل خطرا يهدد بيضة الإسلام التي يحافظ عليها علي (ع) وهو الأمين عليها.

ولقد بين أهل البيت (ع) لماذا لم يعارض علي (ع) الخلفاء بالسيف قال الإمام الصادق (ع) في جواب سؤال وجهه إليه بعض أصحابه : ما منع أمير المؤمنين أن يدعو الناس إلى نفسه ويجرد على من ابتزه حقه سيفه؟ فقال : تخوف أن يرتدوا وأن لا يشهدوا أن محمدا رسول الله ».

والتاريخ يعلن لنا معارضته لما كان يجري فإننا لا نعلم لعلي (ع) دورا سياسيا بارزا على عهد الخلفاء ولم نسمع له خبرا في كل الحروب بعد وفاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وهو المشهود له بمواقفه الجهادية في حياة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله .

وعندما طلب منه عبد الرحمن بن عوف في شورى الستة أن يعمل بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الشيخين رفض الأخيرة مما يشكك في مطابقة سيرة الشيخين « أبي بكر وعمر » لسنة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ولو كان يعتقد بمطابقتها لسيرة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلماذا يرفضها إذن؟.

وفي أكثر من موقع يبين الإمام علي (ع) حقه في الخلافة وانحصار الإمامة في

ــــــــــــــــ

(١) ـ الطبري ج ٢ ص ٤٤٩.

(٢) ـ المصدر السابق.

(٣) ـ المصدر السابق.


أهل بيت النبوة (ع) يقول « أين الذين زعموا أنهم الراسخون في العلم دوننا كذبا وبغيا علينا ، أن رفعنا الله ووضعهم وأعطانا وحرمهم ، وأدخلنا وأخرجهم بنا يستعطى الهدى ويستجلى العمى ، إن الأئمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم ، لا تصلح على سواهم ولا تصلح الولاة في غيرهم »(١) .

وفي كلام له يقول : (أما الاستبداد علينا بهذا المقام ونحن الأعلون نسبا والأشدون برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله نوطا فإنها كانت أثرة شحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس آخرين والحكم لله والعود إليه يوم القيامة(٢) .

ويقول (ع) عن أهل البيت « هم موضع سره ولجأ أمره وعيبة علمه ، وموئل حكمه ، وكهوف كتبه ، وجبال دينه ، بهم أقام انحناء ظهره ، وأذهب ارتعاد فرائصه ..

لا يقاس بآل محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله في هذه الأمة أحد ولا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا ، هم أساس الدين وعماد اليقين ، إليهم يفئ الغالي وبهم يلحق التالي ولهم خصائص حق الولاية وفيهم الوصية والوراثة »(٣) .

كما جاء في نفس المصدر قوله « نحن شجرة النبوة ومحط الرسالة ومختلف الملائكة ، ومعادن العلم ، وينابيع الحلم ، ناصرنا ومحبنا ينتظر الرحمة ، وعدونا ومبغضنا ينتظر السطوة »(٤) .

أحد العلماء من الذين يدعون حب أهل البيت (ع) جرى بينه وبين بعض

ــــــــــــــــ

(١) ـ نهج البلاغة ضبط صبحي الصالح ص ٢٠١.

(٢) ـ المصدر نفسه ص ٢٣١.

(٣) ـ المصدر السابق ص ٤٧.

(٤) ـ المصدر السابق ص ١٦٢ ـ ١٦٣.


الإخوة حوار قال لهم : « إن لعلي ولاية أعطاها له الله سبحانه وتعالى ، ولو كانت خلافة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله له ، لتمكن من السيطرة عليها بدعاء منه ، ولا يستطيع أحد أن يحتل مكانه ».

من الواضح أن هذا القول الضعيف البين الوهن لا يمكن أن ننفي به مسألة الانقلاب على علي (ع) ، لأن ذلك يقودنا إلى عدة أسئلة منها كيف ذبحوا الأنبياء السابقين وهم أولياء الله بلا خلاف ، وكيف أوذي أفضل الأنبياء وأكملهم وحبيب إله العالمين محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله ولماذا تكسر رباعيته وينهزم الجيش يوم أحد ألم يكن في إمكانه بدعاء منه أن يهزم جميع المشركين.

إن الأنبياء والأولياء جاؤوا لهداية الناس دون جبر أما المعجزة والكرامة فليست لقهر العباد بالقوة للسير على الصراط المستقيم ، وإنما كانت لإتمام الحجة وبيان حقيقة مكانة الأولياء عند الله تعالى ، ولو كان كل انحراف يواجه بالتدخل الغيبي لإرجاع الناس إلى الحق لما كان هنالك معنى للابتلاء ولا معنى للثواب والعقاب ، يقول تعالى ( ولو شاء ربك لأمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) (١) .

إن الإمام والخليفة يعرف بالنص من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وعلى الناس الالتزام بنصرته ، كما الكعبة تعرف بحج الناس إليها فيأتونها ولا تأتي لأحد ، جاء في أسد الغابة عن علي (ع) قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : « أنت بمنزلة الكعبة ، تؤتى ولا تأتي ، فإن أتاك هؤلاء القوم فسلموها إليك ـ يعني الخلافة ـ فاقبل منهم ، وإن لم يأتوك فلا تأتهم حتى يأتوك »(٢) .

ولقد اختصر أمير المؤمنين علي (ع) وجهة نظره في خطبته المعروفة

ــــــــــــــــ

(١) ـ سورة يونس : آية / ٩٩.

(٢) ـ أسد الغابة في معرفة الصحابة ج ٣ ص ٦٠٩ لابن الأثير


بالشقشقية(١) يقول فيها : ـ

« أما والله لقد تقمصها فلان(٢) وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى ، ينحدر عني السيل ولا يرقى إلي الطير ، فسدلت دونها ثوبا ، وطويت عنها كشحا وطفقت أرتأي بين أن أصول بيد جذاء ، أو أصبر على طخية عمياء ، يهرم فيها الكبير ، ويشيب فيها الصغير ، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه!.

فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجى ، أرى تراثي نهبا ، حتى مضى الأول لسبيله فأدلى بها إلى فلان(٣) بعده ثم تمثل بقول الأعشى : ـ

شتان ما يومي على كورها

ويوم حيان أخي جابر

فيا عجبا!! بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته ـ لشد ما تشطرا ضرعيها ـ فصيرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها ويخشن مسها ، ويكثر العثار فيها والاعتذار منها ، فصاحبها كراكب الصعبة إن أشنق لها خرم وإن أسلس لها تقحم فمني الناس ـ لعمر الله ـ بخبط وشماس وتلون واعتراض ، فصبرت على طول المدة وشدة المحنة حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أني أحدهم ، فيا لله وللشورى! متى اعترض الريب في مع الأول منهم ، حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر!ولكني أسففت إذ أسفوا وطرت إذ طاروا فصغا رجل منهم لضغنه ، ومال الآخر لصهره مع هن وهن إلى أن قام ثالث القوم نافجا حضنيه بين نثيله ومعتلفه وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضم الإبل نبتة الربيع ، إلى أن انتكث عليه فتله وأجهز عليه عمله ، وكبت به بطنته ».

ــــــــــــــــ

(١) ـ نهج البلاغة خطبة ٣.

(٢) ـ أبو بكر.

(٣) ـعمر بن الخطاب.


خلافة علي (ع)

بعد وفاة عثمان لم يكن للأمة مناص من الاتجاه إلى من يحملهم على جادة الطريق كما قال عمر ، إذ أن الفساد السياسي وصل إلى قمته وصارت أموال المسلمين في يد الطلقاء ، كان لا بد للأمة أن تبحث عمن يذكرهم بسيرة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بعد إعراض دام سنوات أوصلهم إلى ما أوصلهم إليه ..

جاءت الخلافة إلى علي (ع) وهي تحبو محملة بجراحات مثخنة من جراء اجتهادات السابقين ، لم يبق من الإسلام إلا اسمه ومن القرآن إلا رسمه أخيرا انكشف الغطاء وعرفوا الحل « ولا أبقى الله الأمة لمعضلة ليس لها أبو الحسن » اجتمعوا عليه وطلبوا منه أن يقبل الخلافة ، أشار عليهم أن يبحثوا عن غيره لأنه كان يعلم بأنهم لن يستطيعوا معه صبرا على الحكم بالحق ، وأنه لن يخاف في الحق لومة لائم كما قال في الأموال التي وزعها عثمان على محبيه وهي ملك للمسلمين عامة ، « والله لو وجدته قد تزوجت به النساء وملك به الإماء لرددته فإن في العدل سعة ومن ضاق عليه العدل ، فالجور عليه أضيق ».

هكذا سيكون علي ولن يعجب هذا الحال بعض الذين تعودوا على العطايا والهبات الملكية زمن الخلفاء إضافة إلى الذين لا يرغبون في شخص علي (ع) حاكما. فألبوا الناس على قتاله ، وحكم علي (ع) المسلمين في فترة اتسمت بالحروب التي كانت فيصلا بين الحق والباطل وقد أخبره الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله « تقاتل على التأويل كما قاتلت على التنزيل ».

يقول الإمام علي (ع) في أمر مبايعته :

« فما راعني إلا والناس كعرف الضبع ينثالون علي من كل جانب ، حتى

 


 لقد وطئ الحسنان وشق عطفاي مجتمعين حولي كربيضة الغنم ، فلما نهضت بالأمر » نكثت طائفة ومرقت أخرى وقسط آخرون »(١) كأنهم لم يسمعوا الله سبحانه يقول : ( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين ) بلى : « والله لقد سمعوها ووعوها ، ولكنهم حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها » الشقشقية.

* حرب الجمل :

كان طلحة والزبير ذوا حظوة حتى عهد عثمان ، وكانا يطمعان في الكثير على عهد علي (ع) ، وعندما لم يجدا بغيتهما عند إمام العدل أضمرا في نفسيهما أمرا وطلبا الإذن من علي (ع) بعد أن بايعاه بالذهاب إلى مكة للعمرة فأذن لهما وهو يعلم ما يضمران وقال لأصحابه : « والله ما أرادا العمرة ولكنهما أرادا الغدرة » ولحقا بعائشة في مكة وحرضاها على الخروج.

* عائشة بنت أبي بكر :

في النصف الثاني من حقبة خلافة عثمان بن عفان كانت السيدة عائشة « من أشد الناس على عثمان حتى أنها أخرجت ثوبا من ثياب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فنصبته في منزلها وكانت تقول للداخلين إليها : هذا ثوب رسول الله لم يبل وقد أبلى عثمان سنته وقالوا أنها كانت أول من سمى عثمان نعثلا (اسم أحد اليهود بالمدينة) ، وكانت تقول اقتلوا نعثلا! قتل الله نعثلا(٢) .

وكما تنقل إلينا المصادر التاريخية كانت السيدة عائشة بمكة ، خرجت إليها

ــــــــــــــــ

(١) ـ أصحاب الجمل ـ الخوارج ـ صفين بالتوالي.

(٢) ـ الطبري ج ٣ / ٤٧٧.


 قبل أن يقتل عثمان ، فلما قضت حجها انصرفت راجعة ، فلما صارت في بعض الطريق ، لقيها ابن أم كلاب (أحد معارفها) فقالت له : ما فعل عثمان قال : قتل! قالت : بعدا وسحقا.

ولكن ما نعجب له هو مسيرها بجيش جرار لقتال علي (ع) لأنه قتل عثمان كما تزعم ، فكيف تطالب بقتل عثمان ثم تقود الجيوش للأخذ بثأره؟!

يقول الطبري عندما لقيت عائشة ابن أم كلاب الذي أخبرها بمقتل عثمان قالت : ثم صنعوا ماذا؟ قال : أخذها أهل المدينة بالاجتماع فجازت بهم الأمور خير مجاز ، اجتمعوا على علي بن أبي طالب فقالت : والله ليت أن هذه انطبقت على هذه إن تم الأمر لصاحبك ، ردوني ، فانصرفت إلى مكة وهي تقول : قتل والله عثمان مظلوما والله لأطلبن بدمه فقال لها ابن أم كلاب : ولم! فوالله إن أول من أمال حرفه لأنت ولقد كنت تقولين اقتلوا نعثلا فقد كفر »(١) .

وللرجل كل الحق في تعجبه هذا ، ولكن بنظرة سريعة لتاريخ عائشة مع علي (ع) نجد أنها لم تكن على توافق معه منذ عهد رسول الله ، وكلماتها التي ذكرناها آنفا تدلل على مدى بغضها لعلي (ع) والذي ترجم إلى الحرب والتأليب والتحريض بل وقيادة جيش لقتاله ، وقد تقدم قول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله « لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق » ونفس هذه المصادر التي ذكرت الحديث تخبرنا عن بغض عائشة لعلي (ع) حتى أنها كانت لا تطيق ذكر اسمه(٢) وينقل الإمام أحمد بن حنبل « إن أبا بكر جاء مرة واستأذن على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وقبل الدخول سمع صوت عائشة عاليا وهي

ــــــــــــــــ

(١) ـ الطبري ج ٣ / ٤٧٦ ـ ٤٧٧.

(٢) ـ البخاري ج ١ ص ١٦٢ ـ ج ٣ ص ١٣٥ ـ ج ٥ ص ١٤٠.


تقول للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : والله لقد عرفت أن عليا أحب إليك مني ومن أبي تعيدها مرتين حتى ضربها أبوها »(١) .

مجموعة من الصفات النفسية كانت وراء موقف عائشة من أهل البيت (ع) حتى أنها صرحت بعدم حبها للحسن (ع) عندما أرادوا دفنه عند جده المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآله فخرجت عليهم قائلة (لا يدفن في بيتي من لا أحب) ، ولعل أبرز تلك الصفات غيرتها العجيبة والتي لم تخف على الجميع ولقد درسناها في مناهجنا الدراسية. وهنالك عوامل أخرى كثيرة كانت السبب في خروج عائشة على علي (ع) لعل أهمها موقف علي وأهل البيت (ع) من خلافة أبيها ، ووقفة الزهراء في وجهه أيضا ومعلوم أن الزهراء (ع) زوجة علي (ع) وأم الحسن والحسين وفوق ذلك هي البنت الوحيدة للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله من خديجة زوجته الأولى التي كانت تغير منها عائشة حتى وهي في العالم الآخر فتأمل ، لم نجد ما يبرر خروج عائشة على الإمام علي (ع) بل وجدنا أن ذلك خلاف الشرع وفقا للدليل النقلي والعقلي وإجماع الأمة.

إن عائشة بخروجها تكون مخالفة لصريح الآيات القرآنية التي تأمر نساء النبي بالاستقرار في بيوتهن ( وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى ) وقد عمل كل نساء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بذلك ما عدا عائشة.

كما أن خروجها على الخليفة الشرعي فيه إشكال بغض النظر عن كونها امرأة مأمورة بالبقاء في بيتها وذلك منهج أهل السنة والجماعة ، والإمام علي (ع) أجمعت عليه الأمة كخليفة للمسلمين فلا يجوز لها الخروج عليه وقتاله إذ أن ذلك

ــــــــــــــــ

(١) ـ مسند أحمد بن حنبل ج ٤ / ٢٧٥.


يعتبر خروجا عن الدين بقولنا وبقولهم.

ثم إن العقل يحكم بتناقض موقفها فهي تارة تطالب بقتل عثمان وعندما يحدث ذلك تطلب ثأره ، هذاشيء غريب وموقف غير مفهوم يحتاج إلى تأمل حتى نستطيع أن نحدد موقفنا خصوصا وإنه قد قيل أن نصف الدين عند الحميراء.

وقد أخبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بخروجها كما جاء في المستدرك قال : ذكر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله خروج بعض أمهات المؤمنين فضحكت عائشة فقال : انظري يا عائشة أن لا تكوني أنت « ثم أخبر أن التي تخرج ستنبحها كلاب الحوأب. وعندما نبحت عليها الكلاب قالت : أي ماء هذا؟ قالوا : الحوأب قالت : ما أظنني إلا راجعة فقال الزبير : لا بل تقدمي ويراك الناس قالت : ما أظنني إلا راجعة سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول كيف بإحداكن إذا نبحتها كلاب الحوأب »(١) .

وهي في حياة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله نراها كما جاء في الآيات المباركة من سورة التحريم والتي فصلت في أمر زوجات النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وبينت لنا أن نساء الأنبياء ليس من الضرورة أن يكن على قدر من الإيمان ، بل يمكن أن يصرن على خلاف ما عليه أزواجهن من الأنبياء وليس ذلك بالأمر المستبعد والله تعالى يضرب لنا الأمثال لعلنا نعقل ( ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين ) (٢) .

ــــــــــــــــ

(١) ـ مستدرك الحاكم ج ٣ ص ١١٩ ـ ١٢٠.

(٢) ـ سورة التحريم : آية / ١١.


هذا المثل جاء في سورة التحريم التي تتحدث عن بعض أفعال عائشة مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول تعالى ( إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبرئيل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيرا ) (١) . الآيات كما قال عمر نزلت في عائشة وحفصة كما ذكر البخاري(٢) .

ويهددهن الله تعالى بالطلاق ( عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا ) (٣) .

وأنا لا أريد الحديث عن سيرتها تفصيلا لأن المقام مقام جهاد وحرب وقيادة جيوش وهو خاص بالرجال ولكن لكي تتضح الرؤيا أوردنا ما أوردناه.

أحد الأصدقاء كان يحاور بعض الوهابية عن جهاد المرأة فاحتدم النقاش بينهما وتعصب الوهابي في وجه هذا الأخ صارخا : « الجهاد للمرأة غير جائز ويعتبر تبرجا وهو حرام » فقال له : « إذا لماذا خرجت أمكم يوم الجمل ».

هذه هي أطراف حرب الجمل ، علي (ع) خليفة المسلمين وولي أمرهم من جهة والجهة الأخرى على قيادتها عائشة وطلحة والزبير.

وقد كانت عائشة هي القائد الفعلي لجيشها وكانت تتصرف فيه وكأنها الخليفة الشرعي. وأظنها بدأت تتوهم بأن في إمكانها أن تحل محل أبيها ، ومما يؤيد ذلك ما ذكره ابن أبي الحديد أن عائشة كتبت وهي في البصرة إلى زيد بن صوحان العبدي رسالة تقول له فيها : من عائشة أم المؤمنين بنت أبي بكر زوجة

ــــــــــــــــ

(١) ـ سورة التحريم : آية / ٥.

(٢) ـ البخاري باب وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه.

(٣) ـ سورة التحريم : آية / ٦.


 رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى ابنها الخالص زيد بن صوحان ، أما بعد فأقم في بيتك وخذل الناس عن ابن أبي طالب وليبلغني عنك ما أحب فإنك أوثق أهلي عندي. والسلام.

فأجابها الرجل : من زيد بن صوحان إلى عائشة بنت أبي بكر أما بعد فإن الله أمرك بأمر وأمرنا بأمر : أمرك أن تقري في بيتك ، وأمرنا أن نجاهد ، وقد أتاني كتابك تأمريني أن أصنع خلاف ما أمرني الله به ، فأكون صنعت ما أمرك الله به وصنعت أنت ما به أمرني ، فأمرك عندي غير مطاع ، وكتابك لا جواب له.

هكذا كانت عائشة وهي تحارب الإمام المفترض الطاعة بمنظورنا وخليفة المسلمين المجمع عليه دون باقي الخلفاء بمنظور أهل السنة والجماعة ، وانتصر عليها أمير المؤمنين وعقر ناقتها وسار فيها بسيرة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله مع أهل مكة إذ قال لهم « اذهبوا فأنتم الطلقاء » وأرسلها علي (ع) إلى المدينة سالمة.

صفين

لن أتحدث عن صفين في تفاصيلها إنما موضوعنا حول قيادة الجيش الذي حارب عليا (ع) من صفين ، لأن القيادة تبين لنا الفاصل بين الجيشين وأيهما الحق وأيهما الضلالة. وفي صفين يكفي أن تعلم أن قيادة الجيش المقابل لمعاوية كانت متمثلة في علي (ع) حتى تحكم على معاوية ومن معه أنهم على خطأ فادح ، ومع ذلك كان وجود عمار بن ياسر في جيش علي (ع) تذكرة ودلالة على أن الفئة الباغية معاوية وأصحابه إذ أنه من المتفق عليه قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لعمار « يا عمار تقتلك الفئة الباغية » ولقد استشهد عمار في صفين كما هو معلوم.


لم أقف على قول يفصل في حادثة إسلام معاوية وفي اعتقادي أن معاوية لم يجد له مكانا وسط المسلمين إلا بعد توليته الشام من قبل عمر الذي أطلق له العنان دون المحاسبة التي اشتهر بها وذلك تتمة للصفقة بين أصحاب السقيفة وبني أمية كما تقدم ذكره عندما أراد أبو سفيان أن يحرض عليا (ع) على القتال. وعمر يريد أن يستمر الهدوء على عهد خلافته فأسكت بني أمية بالشام وهم لا يهمهم كيف تكون الدولة الإسلامية بقدر ما يهتمون بوجود مكانة لهم في هذا الواقع الذي فرض عليهم ودخلوا فيه اضطرارا لا إيمانا برسالة الإسلام ونبوة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولقد وضح ذلك جليا عندما تسلموا زمام السلطة فحاربوا عليا وأبناءه لأنهم امتداد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وبما أن معاوية لا يستطيع أن يسب محمدا صلى‌الله‌عليه‌وآله لجأ إلى سب علي (ع) وجعل ذلك سنة عند خطباء دولته ، والرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول « من سب عليا فقد سبني »(١) .

والنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أوضح من هو معاوية كما جاء في تاريخ الطبري قال : رأى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : أبا سفيان مقبلا على حمار ومعاوية يقود به ويزيد أخوه يسوق قال : اللهم العن الراكب والقائد والسائق.

أما شخصية معاوية بمنظار علي (ع) فسوف نجدها في رسائله لمعاوية حيث جاء في رد للإمام علي على خطاب أرسله معاوية :

« أما بعد فقد أتتني منك موعظة موصلة ، ورسالة محبرة نمقتها بضلالك وأمضيتها بسوء رأيك ، وكتاب امرئ ليس له بصر يهديه ولا قائد يرشده ، وقد

ــــــــــــــــ

(١) ـ المستدرك ج ٣ / ١٢٠.


دعاه الهوى فأجابه ، وقاده الضلال فاتبعه فهجر لاغطا وضل خابطا »(١) .

في رسالة أخرى له يقول الإمام : « ومتى كنت يا معاوية من ساسة الرعية وولاة

أمر الأمة؟ بغير قدم سابق ولا شرف باسق ونعوذ بالله من لزوم سوابق الشقاء وأحذرك أن تكون متماديا في غرة الأمنية مختلف العلانية والسرية.

ولقد دعوت إلى الحرب فدع الناس جانبا واخرج إلي واعف الفريقين من القتال ، لتعلم أينا المرين على قلبه والمغطى على بصره! فأنا أبو الحسن قاتل جدك وأخيك وخالك شدخا يوم بدر وذلك السيف معي ، وبذلك القلب ألقى عدوي ما استبدلت دينا ولا استحدثت نبيا وإني لعلى المنهاج الذي تركتموه طائعين ودخلتم فيه مكرهين »(٢) .

* رسالة محمد بن أبي بكر لمعاوية :

كتب محمد بن أبي بكر إلى معاوية : ـ

بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن أبي بكر إلى الغاوي معاوية بن صخر. سلام على أهل طاعة ممن هو مسلم لأهل ولاية الله.

أما بعد : ـ فإن الله جل جلاله وعظمته وسلطانه وقدرته خلق خلقا بلا عنت ولا ضعف في قوته ولا حاجة به إلى خلقهم إلى أن قال : فكان أول من أجاب للرسول وآب وصدق ووافق وأسلم وسلم أخوه وابن عمه علي بن أبي طالب فصدقه بالغيب المكتوم ، وآثره على كل حميم فوقاه كل هول وواساه بنفسه في كل خوف ، فحارب حربه ، وسالم سلمه فلم يبرح مبتذلا لنفسه في ساعات الأزل (الضيق الشديد) ومقامات الروع حتى برز سابقا لا نظير له في

ــــــــــــــــ

(١) ـ نهج البلاغة من رسائل أمير المؤمنين رقم ٧.

(٢) ـ نفس المصدر رسالة ١٠.


جهاده ، ولا مقارب له في فعله ، وقد رأيتك تساميه وأنت أنت ، وهو هو المبرز السابق في كل خير أول الناس إسلاما وأصدق الناس نية وأطيب الناس ذرية وأفضل الناس زوجة وخير الناس ابن عم وأنت اللعين ابن اللعين ثم لم تزل أنت وأبوك تبغيان الغوائل لدين الله ، وتجهدان على إطفاء نور الله وتجمعان على ذلك الجموع وتبذلان فيه المال وتحالفان فيه القبائل ، على ذلك مات أبوك ، وعلى ذلك خلفته ، والشاهد عليك بذلك من يأوي ويلجأ إليك من بقية الأحزاب ورؤوس النفاق والشقاق لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله والشاهد لعلي مع فضله المبين وسبقه القديم أنصاره الذين ذكروا في القرآن فأثنى الله عليهم من المهاجرين والأنصار فهم معه عصائب وكتائب حوله : يجادلون بأسيافهم ويهريقون دماءهم دونه ، يرون الفضل في اتباعه والشقاء في خلافه ، فكيف يالك الويل تعدل نفسك بعلي وهو وارث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ووصيه وأبو ولده ، وأول الناس اتباعا وآخرهم به عهدا ، يخبره بسره ، ويشركه في أمره وأنت عدوه وابن عدوه؟ فتمتع ما استطعت بباطلك وليمدد لك ابن العاص في غوايتك ، فكأن أجلك قد انقضى وكيدك قد وهي وسوف يستبين لمن تكون العاقبة العليا ، واعلم أنك إنما تكايد ربك الذي قد أمنت كيده ، ويئست من رحمته وهو لك بالمرصاد وأنت منه في غرور وبالله وأهل رسوله الغناء والسلام على من اتبع الهدى(١) .

هذه الرسالة تتطابق وواقع معاوية الحقيقي في التاريخ ، معاوية الذي جمع حوله الهمج والرعاع حتى أنه صلى بأهل الشام الجمعة يوم الأربعاء وأرسل لعلي (ع) إني جئت بقوم لا يفرقون بين الجمعة والأربعاء ، إضافة إلى المصلحيين

ــــــــــــــــ

(١) ـ مروج الذهب ج ٣ ص ٢٠.


والدهاة أمثال عمرو بن العاص.

ومما يثير العجب أن تجد كتابا باسم (رجال حول الرسول) يتحدث كاتبه عن عمار بن ياسر فيثبت أنه صحابي جليل به عرف أن الفئة الباغية فئة معاوية وبعد ذلك بصفحات يتحدث عن عمرو بن العاص ـ قادة الفئة الباغية فيثبت أيضا أنه صحابي جليل!!

والحديث عن عمرو بن العاص ـ داهية معاوية ويده اليمنى ـ طويل ومتشعب ويكفينا دوره العجيب في قضية التحكيم التي لعب فيها دهاؤه ومكره الدور الكبير لتكون السبب المباشر لخروج الخوارج.

ولقد رفض عمرو مشاركة معاوية إلا مقابل جزء من دنيا معاوية فقبل معاوية أن يشتري منه دينه مقابل نصف دنياه. يقول المسعودي « وكان عمرو بن العاص قد انحرف عن عثمان لانحرافه عنه وتولية مصر غيره فنزل الشام ، فلما اتصل به أمر عثمان وما كان من بيعة علي كتب إلى معاوية يهزه ويشير عليه بالمطالبة بدم عثمان وكان فيما كتب إليه : ما كنت صانعا إذا قشرت من كلشيء تمتلكه فاصنع ما أنت صانع ، فبعث إليه معاوية فسار إليه ، فقال له معاوية. بايعني ، قال : لا والله لا أعطيك من ديني حتى أنال من دنياك ، قال : سل ، قال : مصر طعمة ، فأجابه إلى ذلك وكتب له به كتابا ، وقال عمرو بن العاص في ذلك ».

معاوي لا أعطيك ديني ولم أنل

به من دناكم فانظرن كيف تصنع

فإن تعطني مصرا فارع صفقة

أخذت بها شيخا يضر وينفع(١)

وجاء في تاريخ الطبري أن عمرو بن العاص قال لمعاوية « أما والله إن قاتلنا معك نطلب بدم الخليفة إن في النفس من ذلك ما فيها حيث تقاتل من تعلم

ــــــــــــــــ

(١) ـ المصدر ج ٢ ص ٣٦٣.


سابقته وفضله وقرابته ولكن إنما أردنا هذه الدنيا فصالحه معاوية وعطف عليه »(١) .

هؤلاء هم قادة جيش معاوية في صفين باعوا دينهم بدنياهم وحاربوا إمام زمانهم وخليفة المسلمين ومع ذلك يأتي من يقول أن معاوية وعمرو بن العاص صحابة ويجب التسليم!!

وما جرى من عمرو بن العاص ومعاوية في المعركة يبين مدى جبنهم وحرصهم على الحياة الدنيا ، يقول المسعودي ثم نادى علي : يا معاوية علام يقتل الناس بيني وبينك؟ هلم أحاكمك إلى الله. فأينا قتل صاحبه استقامت له الأمور ، فقال عمرو لمعاوية : قد أنصفك الرجل ، فقال له معاوية :

 ما أنصفت وإنك لتعلم أنه لم يبارزه رجل قط إلا قتله أو أسره ، فقال له عمرو : ما يجمل بك إلا مبارزته ، فقال معاوية : طمعت فيها بعدي وحقدها عليه. ثم إن معاوية أقسم على عمرو لما أشار عليه بهذا أن يبرز إلى علي فلم يجد عمرو من ذلك بدا ، فبرز فلما التقيا عرفه علي فرفع السيف ليضربه به ، فكشف عمرو عن عورته وقال : مكره أخوك لا بطل. فحول علي وجهه عنه وقال : قبحت ، ورجع عمرو لصاحبه »(٢) .

دنا عمار بن ياسر من عمرو أثناء المعركة فقال : يا عمرو بعت دينك بمصر تبا لك طالما بغيت في الإسلام عوجا »(٣) .

لقد كانت شخصيات الصحابة مكشوفة لدى بعضهم وكل واحد يعرف نفسيات الآخر ولقد تجلى ذلك في الحروب المتتالية وهذا واقع لا يمكن أن ننكره ويجب علينا أن نميز فيه بين الفاسق والمؤمن.

ــــــــــــــــ

(١) ـ تاريخ الطبري ج ٣ ص ٥٦٠.

(٢) ـ المسعودي ج ٢ ص ٣٦٩.

(٣) ـ تاريخ الطبري ج ٤ ص ٢٧.


والحديث عن معاوية وصاحبه عمرو يطول بحيث لا يسع المجال لعرض تاريخهما الحافل بالعجائب ونقتصر على التذكير ببعض غرائب معاوية التي لا يستطيع أحد نكرانها.

عض أفعال معاوية

* اغتصابه الخلافة بالقهر.

* قتل حجر بن عدي وأصحابه لأنهم رفضوا سب علي (ع) والبراءة منه ووقفوا في وجه من يفعل ذلك وقد قالت عائشة لمعاوية : الله الله في حجر وأصحابه وعاتبته وقالت : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : يقتل بعدي بعذراء (بالشام) سبعة رجال يغضب الله وأهل السماء لهم(١) . وقال الإمام علي (ع) : « يا أهل الكوفة سيقتل منكم سبعة نفر هم خياركم بعذراء مثلهم كمثل أصحاب الأخدود ».

* جعل سب علي (ع) سنة يتبرك بها غربانه في أقطار حكومته.

* سفك دماء شيعة الإمام الطاهر علي (ع) واستباحة أموالهم وأعراضهم وقطع أصولهم بقتل ذراريهم وأطفالهم وحتى نسائهم ، ولا أدري أين كان ابن آكلة الأكباد والرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله يوصي الأمة بهم خيرا.

* اجتهاده وإلحاقه زياد ابن أبيه وقد قال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله الولد للفراش وللعاهر الحجر.

* نقض كل المواثيق والعهود التي أبرمها مع الإمام الزكي الحسن بن

ــــــــــــــــ

(١) ـ الإصابة في تمييز الصحابة ابن حجر العسقلاني ص ٣١٥.


علي (ع) بعد أن عقد معه صلحا ، إلا أن معاوية وعندما هدأت له الأمور خطب في أهل الكوفة وقال : يا أهل الكوفة إني ما قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج. ولقد علمت أنكم تصلون وتزكون وتحجون ولكنني قاتلتكم لأتأمر عليكم وعلى رقابكم(١) إلى أن قال : وكل شرط شرطته وكلشيء أعطيته الحسن بن علي تحت قدمي هاتين لا أفي به «.

* وختم صفحته السوداء مع الحسن (ع) بدس السم إليه فلقي الحسن (ع) ربه شهيدا مظلوما ، ولما سقي السم ، وقام لحاجته ثم رجع فقال : لقد سقيت السم عدة مرات فما سقيت مثل هذه لقد لفظت طائفة من كبدي فرأيتني أقلبه بعود في يدي.

وكان معاوية قد أطمع جعدة بنت الأشعث زوجة الحسن (ع) بالزواج من يزيد ابنه ثم طلب منها دس السم للحسن (ع) ، ولما استشهد الحسن (ع) أرسل لها قائلا : إنا نحب حياة يزيد ولولا ذلك لوفينا لك بتزويجه.

* أما أعظم ما فعله فهو استخلافه يزيد وهو الخمير السكير ، وسيأتيك خبره مع وجوه الصحابة وأفضال القوم.

إن بني أمية يبحثون عن هذه الفرصة منذ أن علاهم محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله بالسيف ونصره الله عليهم وهم مشركون وأظهره على جزيرة العرب بعد أن أكرمه بالنبوة وحباه بالرسالة ، ولا يخفى عداء بني أمية لبني هاشم ، فكيف بهم إذا كان النبي من بني هاشم والأوصياء والخلفاء منهم ، وما كان في خلد معاوية يوم استقرت له السلطة وتم له الملك أن يتخذ ابنه ولي عهده ويأخذ له البيعة ويؤسس حكومة أموية مستقرة في أبناء بيته ، فلم يزل يروض الناس لبيعة

ــــــــــــــــ

(١) ـ البداية والنهاية لابن كثير ج ٨ ص ١٣٤.


يزيد سبع سنين يرسل للأقطار بعد أن بويع له بالشام وسافر معاوية بنفسه إلى المدينة ومكة ساعيا وراء البيعة لابنه.

ونختم المطلب بقول الحسن البصري عندما سئل عن معاوية ، قال : ـ أربع خصال كن في معاوية لو لم يكن فيه منهن إلا واحدة لكانت موبقة : انتزاؤه على هذه الأمة بالسفهاء حتى ابتزها أمرها بغير مشورة منها وفيهم بقايا الصحابة وذوي الفضيلة ، واستخلافه ابنه يزيد بعده سكيرا خميرا يلبس الحرير ويضرب بالطنابير ، وادعاؤه زيادا وقد قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الولد للفراش وللعاهر الحجر ، وقتله حجرا ويل له من حجر « قالها مرتين »(١) .

أقول ربما يداري الرجل بعض أفعال معاوية وإلا فالموبقات كثيرة حدث عنها ولا حرج.

ــــــــــــــــ

(١) ـ الطبري ج ٤ ص ٢٠٨ ـ ابن كثير ج ٨ ص ٣٣.



الفصل السابع

كربلاء امتداد للسقيفة



كيف يرون معاوية ويزيد :

في إحدى المرات التقى بعض الإخوة الشيعة مع مجموعة وهابية صدفة وكنت موجودا ولم تكن الرؤية واضحة لدي وإن كانت ملامح الصواب بدأت تلوح لي ، ويبدو أن هؤلاء الوهابية كان لهم حوار سابق مع الشيعة فبدأوا معهم النقاش حول قضية الحسين (ع) وكربلاء ورأيت الوهابية وقد احتوشوا الإخوة والشرر يتطاير من أعينهم وكأنهم يريدون القتال ، تحدث أحد الشيعة عن عدم أحقية معاوية في تنصيب يزيد خليفة للمسلمين فذكر اسم معاوية مجردا من الترضي عليه فصرخ أحدهم في وجهه قائلا : ـ

قل رضي الله عنه هل هو أخوك حتى تذكره مجردا؟!.

فرد عليه الشيعي : هل أنت وأنا أفضل من علي (ع) وأكثر فهما منه؟ فشمر أحدهم عن ساعديه وكأنه ينوي ضربه وهو يقول : إسمعوا هذا هو ديدن الشيعة يشككون في كلشيء وهذا الرجل يسألنا سؤالا بديهيا والإجابة عنه واضحة فلا أحد يرى أن هنالك أفضل من علي سوى الخلفاء الثلاثة رضي الله عنهم جميعا وأرضاهم.

فالتفت إليه الشيعي وقال ، أولاً فليتكلم أحدكم ، ثانياً : إذا أردت الحديث فافهم أولاً ما أقول ثم تحدث ، وثالثا إذا كان علي (ع) أفضل منا وهو كذلك بلا شك فهو أدرى منا بالأصول أليس كذلك؟!

قالوا بحذر : نعم فقال لهم : علي حارب معاوية ، ليس فقط لم يترض عليه كما تطالبونني بل قاتلة أشد قتال ولو ظفر به لألحقه بأجداده ، قال أحدهم وهو يمضغ مسواكا : نقول كما قال السلف تلك دماء عصم الله منها سيوفنا فلنعصم ألسنتنا ، ونحن نرى معاوية صحابيا جليلا وأنه فعل خيرا عندما نصب يزيد ونرى


أن خروج الحسين بن علي كان خطأ منه وقد تاب يزيد.

قال الشيعي : قولك فنعصم منها ألسنتنا لا ينطبق عليك لأنك الآن تقول أن معاوية صحابي جليل إذا لقد أخطأ علي في حربه لمعاوية ثم من قال لك أنك لن تسأل عن تلك الدماء. لا بد أن يكون لكم موقف تجاه ما جرى ، فهما جهتان إحداهما على حق والأخرى على باطل ووقوفك الآن في وجهي اشتراك في تلك (الفتنة) كما تدعي.

أما عن الحسين بن علي فهو لم يخطئ كما تقول فهو كما قال عنه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : سيد شباب أهل الجنة وهو من أهل بيت النبوة وتعلم من جده كيف ينصر الحق ، ويزيد تعلم من أبيه ما تعلم كما نقلت إلينا كتب التاريخ ، قاطعه أحد الوهابية : يجب على المسلمين أن يقتلوا هؤلاء الشيعة أينما وجدوهم فإنهم فتنة.

قال له أحد الشيعة وهو يبتسم : هكذا دائما كان أعداء الشيعة بأسم الحق يقتلون الحق وباسم الفتنة يحجبون الناس عن الحقائق وبالنتيجة أنت لا تفترق عن سلفك كثيرا ، إنك تربية ذلك المنهج الذي تبناه معاوية ويزيد وآل أمية ومن إليهم.

عندما وصل الحوار إلى هذا الحد أخذت أحدهم على جانب وأخبرته بأني لست شيعيا ولكني أسمع بهم فمن هم وماذا يقولون ولماذا تهاجمونهم بهذه الطريقة.

فقال لي : يا أخي أبعدك الله عن أمثال هؤلاء إنهم مشركون زنادقة يسبون الصحابة ويقولون أن جبرائيل خان الأمانة وأعطى الرسالة لمحمد وهي في الأساس لعلي ابن أبي طالب كما أنهم يعبدون الحجارة ويقولون بأشياء ما أنزل الله بها من سلطان

قلت مندهشا : من الذي قال لك؟!

قال مفتخرا : نحن نعرفهم جيدا ..


أحسست بغثيان بسبب كذب هؤلاء القوم. لقد قرأت بعض كتب الشيعة التي ألفها كبار علمائهم ورأيت بعض الإخوة الشيعة ، لم أقرأ أو أسمع ما قاله هذا الوهابي. ولا أدري كيف يدعون نصرة الحق وهم يكذبون بل يبالغون فيه إلى حد يؤسف له ، صرخت في وجهه بلا وعي مني : ألا يمكنك أن تنصر الحق الذي تدعيه بدون أن تكذب وتفتري على القوم. فارتبك متلعثما : كيف تقول لي مثل هذا الكلام؟! قلت : أنت الذي أجبرتني على ذلك أنا قرأت للشيعة وجلست معهم وأعرف جيدا ما يقولون وما ذكرته لي بعيد عنهم كل البعد فهم يوقرون الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله أكثر مني ومنك ويحترمون المقدسات الدينية ويؤمنون بالله ويدعونه ليل نهار ، ثم إن كلامك هذا متناقض فهم إذا كانوا يؤمنون بجبرائيل كونه يحمل وحي الرسالة للرسول فكيف يعبدون الحجر ، ثم إن مثل هذه التهم صارت قديمة لا يصدقها أحد والناس أكبر وعيا من أن تنطلي عليهم هذه الأكاذيب. قال : يبدوا أنك منهم! قلت : لست شيعيا ولو كنت فلاشيء يمنعني من التصريح بذلك لكنني الآن فقط عرفتكم ، أنتم لا تستطيعون الدفاع عن باطلكم إلا عن طريق الكذب ، ومما يحزنني أنني كنت أعتقد بأن أنصار السنة « الوهابية » هم أكثر الناس ورعا وتقوى ، لكن الآن تجليتم لي بحقيقتكم. أدرت له ظهري كيما أرجع إلى الإخوة فقال لي : على كل حال يجب ألا تتأثر بكلام هؤلاء فإن في حديثهم سحرا يؤثر ، ضحكت وقلت له : هذا ما قالته قريش للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله عندما جاء بالقرآن ، ورجعت إليه مرة أخرى قائلا له : ـ دعنا من كل ذلك فأنا أسألك حول قضية الحسين بن علي كمسألة واضحة ماذا تقولون فيها؟ سكت وكأنه يبحث عن إجابة ثم قال : لماذا تبحثون عن هذه الأشياء؟!

قلت : أجب على سؤالي ودع عنك السبب.


قال : معاوية صحابي جليل ، ويزيد كان أميرا على المسلمين والحسين خرج على ولي أمر زمانه ، ولو كان يزيد قد أخطأ فربما يكون قد تاب فلا داعي لأن نتحدث حوله ونشهر به.

قلت مختتما هذا الحوار الذي لن يثمر عنشيء : أنت بهذا تلغي الآيات القرآنية التي شهرت بقابيل ونمرود وفرعون والسامري وغيرهم من الطغاة أعداء الرسالات ،

وبقولك هذا تبرر لكل مخطئ في هذه الدنيا لأنه ربما يتوب ، وبهذه العقلية تعطل الدين ويصبح كل التاريخ بلا فائدة ، كلمة أخيرة أقولها لك أنتم لا ترتقون لمستوى الدفاع عن شريعة السماء لأنها لا تحتاج إلى مراوغة وكذب وافتراء وحديثي معك الآن إذا لم أصبح بسببه شيعيا فهو يبعدني عنكم أكثر فأكثر.

وحاول أن يعتذر قائلا : على كل حال نصيحة لك لا تقرأ لهؤلاء ونحن سنكون بالمرصاد لهم.

قلت : إذا كانوا على حق فالله ناصرهم وإن كانوا على باطل فأنتم أكثر بطلانا منهم ، وتركته وانصرفت راجعا إلى الإخوة فوجدت أن الوهابية لم تزل تدافع عن يزيد ومعاوية فتركتهم وانصرفت إلى بعض أشغالي أسفا على حال هؤلاء المساكين الذين يرددون ما يقوله أحبارهم بلا وعي ولا فهم.

مع الحسين (ع) :

قضية الحسين (ع) من أولى القضايا التي أخذت مساحة من دواخلي وعمقت جرحا أحسست به منذ اللحظة الأولى التي بدأت فيها الحقائق تتكشف مزيحة جهلا ووهما كنا نعيشه بإيعاز وتخطيط ذكي من أولئك الذين حرفوا الحقائق وفقا لأهوائهم ورغباتهم وبتنا نحن نعيش في قصور من زجاج نحلم بأن


يعيد التأريخ نفسه لنعيش تلك الحياة المعصومة التي كان يعيشها الصحابة والرعيل الأول من التابعين الذين عاشوا في صدر الإسلام ، ولا ننسى دور علمائنا الذين ظلوا يرددون ما وجدوه في التاريخ دون نظر وتحليل لما جرى فيه.

وقضية الحسين (ع) من القضايا التي أراد أعداء الإسلام أن لا تبرز للناس لأنها تمثل حلقة من حلقات الصراع بين الحق والباطل وتعتبر من أنصح صفحات التاريخ في قضية الجهاد والتضحية في سبيل رسالة السماء.

كثيرا ما كنت أسمع في مجتمعي السوداني أن فلانا (مظلوم ظلم الحسن والحسين) ولكن من ظلمهم وكيف؟ وما هو أساس ذلك الظلم؟ وهل الحسن والحسين من الشخصيات الهامشية في الإسلام حتى لا نقف عند ما جرى لهم من هذه الأمة التي لم تحفظ النبي فيهم؟!.

غاية ما تعلمناه في مدارسنا أنه كانت هنالك مذبحة في منطقة كربلاء بطلها الحسين بن علي بدون ذكر لأسباب أو نتائج ، ويبدو أن أهل السنة والجماعة لديهم قناعة بفتوى شريح القاضي « الحسين خرج عن حده فليقتل بسيف جده » أو أنهم يدفنون رؤوسهم في الرمال حياء مما فعله سلفهم (الصالح) في أهل بيت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله .

استوقفتني قضية الحسين (ع) كثيرا كما استوقفتني قضية أمه الزهراء وأنا أبحث عن جهة الحق ، قرأت وسمعت عن قصة الحسين (ع) وعشت معه تارة أبكي وأخرى ألعن فيها من ظلمه وتارة أتأمل في واقع أمة كهذه ، لم أسمع بمثل هذه البشاعة من قبل ، أو سمعت ولكن كالعادة مخدرا بمقولة أن ما جرى في صدر الإسلام مرورا بالأمويين والعباسيين لا يجب علينا أن نبحث فيه ، ولا أن نتساءل ما هو جذر المشكلة ، لأن ذلك سيقودنا إلى نتائج ربما تخدش في أولئك المقدسين مما يجعل غضب الرحمن يصب علينا صبا.


وقضية الحسين (ع) ستضعنا أمام أسئلة كثيرة وعلامات استفهام الإجابة عليها ستفضي بنا إلى أن الحسين كقضية لم يقتل في كربلاء ، بل إن أصل القضية يرجع إلى ما بعد وفاة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله هنالك كانت البداية ، والنهاية كانت بجسد الحسين (ع) ليظهر يزيد بن معاوية أحقادا بدرية كما جاء في التاريخ فحينما جاؤوه برأس الحسين (ع) قال :

ليت أشياخي ببدر شهدوا

جزع الخزرج من وقع الأسل

لأهلوا واستهلوا فرحا

ثم قالوا يا يزيد لا تشل

قد قتلنا القرم من ساداتهم

وعدلنا ميل بدر فاعتدل

إن القضية ليست خروج الحسين (ع) ضد أمير المؤمنين كما تسميه حاشية الضلالة عبدة الدينار والدرهم الذين باعوا دينهم من قبل لأبيه وأتموا الصفقة بقتلهم ابن بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، إن القضية قضية عداء طبيعي بين الحق والباطل وعداء تاريخي بين الهاشميين والأمويين ، وما يزيد إلا امتداد لأبيه الذي اكتسب شرعيته وملكه من الخليفة الثاني عمر بن الخطاب الذي اشتهر بقساوته ومساءلته للولاة فيما عدا معاوية « كسرى العرب » كما يقول عنه عمر لما عرف به من حبه للبذخ والترف واهتمامه بالمظاهر ، وهكذا كان معاوية في وضع مريح جعله يمتلك امبراطورية مسلحة بالشام ادخرت لنصرة الباطل فظهرت في صفين ضد علي ابن أبي طالب وفي النهاية أصبحت مقرا لحكم بني أمية.

والحديث عن كربلاء ذو شجون ، وما جرى فيها من أحداث يقرح الجفون ويفطر الفؤاد ، لقد خرج أبو عبد الله الحسين (ع) ليصلح في الأمة ويعيدها إلى رشدها وذلك بإرجاعها إلى المنبع الحقيقي المتمثل في خلفاء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من أهل بيته المنصوص عليهم ، وها هو يقول قبل خروجه


« إني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب ».

لم تلتزم الأمة بوصية النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في استخلاف علي فابتلاها الله تعالى برجل كمعاوية سلط على رقابهم مراهقا فاجرا هو ابنه يزيد كما نجد في التاريخ الذي يحدثنا عن شخصية يزيد فيقول ابن كثير « كان يزيد صاحب شراب وفيه أيضا إقبال على الشهوات وترك بعض الصلوات في بعض الأوقات ». وقال صاحب الأغاني « كان يزيد أول من سن الملاهي في الإسلام من الخلفاء وآوى المغنين وأظهر الهتك وشرب الخمر ».

وجاء في أنساب الأشراف « كان يزيد أول من أظهر شرب الشراب والاستهتار الغناء والصيد واتخاذ القيان والغلمان والتفكه بما يضحك منه المترفون من القرود والمعافرة بالكلاب والديكة ».

هذا يسير مما وجدناه في كتب التاريخ عن شخصية يزيد ولو لم يفعل إلا قتله الحسين وأهل بيت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وسبيه النساء الهاشميات لكفاه ليصاب بلعنات من السماء تلحقها لعنات من التاريخ الذي لم يحفظ لنا عن يزيد إلا الانحراف والمجون واللهو ، وقتل الأبرياء والتسلط على رقاب المسلمين إلى أن أهلكه الله ، ولا عجب أن يظهر من يدافع عن يزيد ويكتب كتابا ويطبعه باسم « حقائق عن أمير المؤمنين يزيد » فالتاريخ يعيد نفسه وسيستمر الصراع بين الحق والباطل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، ولكن مما يؤسف له حقا أن هنالك من يصدق هذه الترهات والخرافات ومحاولات الدفاع عن شخصيات سقط عنها القناع ولم يرحمها التاريخ.


من هو الحسين (ع) :

لولا أن منهج البحث يتطلب التعرض لسيرة يزيد لما تطرقت لذكرشيء منها ، ويكفي أن نتعرف على شخصية الحسين (ع) لندرك أن من قتله أو سكت على قتله أو رضي الله بذلك أو أسس أساس هذا الظلم والجور على أهل البيت (ع) هم أعداء للدين وللإسلام.

لقد جاء في الصحاح ، الحديث المتواتر لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : « حسين مني وأنا من حسين أحب الله من أحب حسينا ». إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الذي لا ينطق إلا صدقا وعدلا كرس في العقول مفهوم حب أهل البيت (ع) وليس ذلك بسبب القرابة الدموية كما بينا ، إذ أنه لا يعقل وكيف تكون عواطفه مرتكزات تنطلق منها الأمة لتحديد معتقداتها وهو المبلغ لرسالة السماء وكل كلمة تنطق بها تمثل مفردة يجب النظر إليها بعين الاعتبار ، ولقد قرن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله حب الحسين بحب الله بلا قيد ولا شرط وذلك لا يكون إلا إذا كان الحسين يجسد الإرادة الإلهية والامتداد للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في مسؤولية تحمل الرسالة والدفاع عنها ، ولذلك قال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله : « الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة » وأهل الجنة في سن واحدة وفيها من كل الأمم من يستحقها ومع ذلك فهما سيدا أهل الجنة!.

ماذا نعرف عن الحسن والحسين اللذين يستحقان هذه المرتبة العالية « سيادة أهل الجنة »؟ سؤال وجهته إلى أكثر من شخص تحير في الإجابة عليه « هل الله سبحانه وتعالى جعل الجنة لأقرباء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بدون عمل وإنجاز يستحقون به ذلك!!! إن الحسن والحسين إمامان أوصى بهما النبي (صلى


 الله عليه وآله وسلم) لأنهما من الأئمة الذين سيقع عليهم عب ء مواصلة المسيرة الرسالية على أن تلتف حولهم الأمة لتأخذ منهم معالم دينها.

والحسين من أهل الكساء الذين نزلت فيهم آية التطهير والمباهلة إنه الإمام البر التقي النقي ابن بنت المصطفى وثالث أولي الأمر المفروض علينا طاعتهم يذبح في كربلاء كما يفعل بالكبش ومع ذلك غيبوا الحقيقة عن الناس أرادوا لنا أن نعيش في جهل أن لا نقرأ خلف السطور في كتب التاريخ لماذا سمحت الأمة لنفسها أن تقتل أهل بيت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ومن الممهد لذلك؟ لأن ظلم الحسين يجعلنا نتساءل عن ظلم الحسن والذي يعني التحدث عن معاوية وذلك يقودنا بالبحث عما أسموه بالفتنة في عهد عثمان وهذا بلا شك سيؤدي إلى هدم السقيفة على رؤوس أصحابها ، وهذا ما يخشاه علماؤنا الأفاضل.

إن الحسين لم يقتل في كربلاء وحدها يقول العلامة السيد هادي المدرسي : إن للحسين قضيتان. « قضية الجسد المقطع وقضية الحق المضيع » صحيح أن جسد الحسين قطع في كربلاء وفصل الرأس عن الجسد ولكن الحق مضيع منذ اعتلى أبو بكر منصة الحكم بلا حق وأبعد أبا الحسن عليا (ع) الخليفة الشرعي وعندما بلغ الأمر بالأمة أن يتسلط عليها شارب الخمر وراكب الفجور ضحى الحسين بنفسه وأهل بيته لينبه الأمة إلى خطورة ما هي عليه وإلى ذلك يشير الإمام الحسين (ع) عندما أرادوا منه أن يبايع يزيد وهو في المدينة قال : « نحن أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة بنا فتح الله وبنا يختم ويزيد شارب الخمر وقاتل النفس ومثلي لا يبايع مثله ».

وشئ متوقع أن تسمع الأمة بأن يذبح ابن بنت نبيها فلا تنصره ، فهذا هو الخليفة الأول أبو بكر يأمر بجمع الحطب حول بيت أم الحسين (ع) ليحرق أو يعطوه الشرعية وها هو عمر بن الخطاب يقف على باب دارها مهددا بالحرق


 حتى ولو كانت بنت المصطفى فيه كما مر فالقضية لها خلفية تاريخية منذ وفاة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فالجرأة التي جعلت أولئك يتطاولون على أولياء الله ويتخذون منصب الخلافة هدفا يهون في سبيله التنازل عن رسالة الإسلام حتى ولو أدى ذلك إلى قتل علي وفاطمة (ع) وهتك ستار بيت النبوة والنيل من بيت نزل فيه الوحي ومنه انطلقت الرسالة كل هذا لا بد أن يترجم يوما في صورة قبيحة ستظل نقطة سوداء في جبين الأمة وصفحة دموية في تاريخها ألا وهي واقعة الطف التي كان أبطالها هم أهل ذلك البيت الذي هتك حرمته الخلفاء بما أحدثوه من أمور مع أن العهد قريب والرسول لما يقبر أما في زمن يزيد فقد أحكمت القبضة للكفار والمنافقين وبدأوا يقطفون ثمار السقيفة ، وتجلت أهدافهم لمحو رسالة السماء في أقبح صورها ظهر عاشوراء ٦١ ه‍.

رفض الإمام الحسين عقد البيعة ليزيد وبدأ في الاستعداد وتحرك إلى مكة التي أتته فيها الكتب والرسائل من أهل الكوفة يطلبون منه القدوم ، فأرسل إليهم ابن عمه مسلم بن عقيل فاجتمع عليه أهل الكوفة وبايعه ثمانية عشر ألفا ، فلما علم يزيد بذلك عزل واليه على الكوفة نعمان بن بشير وولى عبيد الله بن زياد طالبا منه تتبع مسلم وقتله فقدم عبيد الله وتتبع الشيعة فثار عليه مسلم ولكن أهل الكوفة خذلوه عندما مارس معهم ابن زياد سياسة الترغيب والترهيب وبقي مسلم وحيدا يقاتل حتى قتل في تفاصيل مأساوية وقتل معه كبير الشيعة هناك هاني بن عروة وأرسل ابن زياد برأسيهما إلى يزيد.

توجه الحسين إلى العراق بعد استلامه رسالة من مسلم قبل قتله تفيد بعدد من بايع وانتظارهم له ، وقد حاول البعض أن يثني الحسين (ع) عن الخروج إلا أنه كان يقول : « والله لو أنني كنت في جحر هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتى يقضوا في حاجتهم والله ليعتدن علي كما اعتدت اليهود على السبت »


 وكما يقول ابن كثير يقول « لأن أقتل بمكان كذا وكذا أحب إلي من أن تستحل بي يعني مكة » لقد كان يعلم أن القوم غير تاركيه حتى يبايع ولكنه كان مستعدا للتضحية فداء لهذا الدين ولا يبايع مثل يزيد ، يقول الإمام الحسين (ع) : « الحمد لله وما شاء الله ولا قوة إلا بالله ، خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة ، ما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف وخير لي مصرع أنا لاقية ، كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلا فيملأن مني أكراشا جوفا وأجربة سغبا لا محيص عن يوم خط بالقلم ، رضا الله رضانا أهل البيت نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين ، لن تشذ عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لحمته وهي مجموعة له في حظيرة القدس تقربها عينه وينجز بها وعده. من كان باذلا فينا مهجته ، وموطنا نفسه على لقاء ربه فليرحل معنا ، فإني راحل مصبحا إن شاء الله ».

وانطلق غير مبال بأولئك الذين جبنوا عن مجابهة الباطل وسكتوا عن نصرة الحق ، انطلق ولسان حاله يقول : إن كان دين محمد لا يستقيم إلا بقتلي فيا سيوف خذيني ، وفي الطريق لقي الفرزدق فاستخبره الخبر فقال : إن القوم قلوبهم معك وسيوفهم عليك.

أرسلت الجيوش لتقطع عليه الطريق وطلبوا منه إما البيعة أو القتل فرفض الإمام (ع) البيعة وقدم لهم خيارات أخرى رفضوها ثم خطب الحسين في ذلك الجيش « أيها الناس إن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : من رأى منكم سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله ناكثا لعهد الله مخالفا لسنة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغير عليه بفعل ولا قول كان حقا على الله أن يدخله مدخله إلى أن قال : وأنا أحق من غير ».

رفضوا رجوعه أو التوجه إلى يزيد وتركوه يسير مجانبا الطريق حتى يرسلوا


 لابن زياد ليدلي برأيه ، لقي الحسين (ع) رجلا من أهل الكوفة فقال له : « فالا تنصرنا فاتق الله أن تكون ممن يقاتلنا فوالله لا يسمع واعيتنا أحد ثم لا ينصرنا إلا هلك ».

نزول الركب المقدس في كربلاء :

حطت الركاب في كربلاء ومنع أهل البيت (ع) الماء وجاء الأمر من عبيد الله بن زياد إلى عمر بن سعد قائد الجيش الرسمي للوالي : أما بعد فإني لم أبعثك إلى حسين لتكف عنه ولا لتطاوله ولا لتمنيه السلامة والبقاء ولا لتقعد له عندي شافعا ، انظر فإن نزل حسين وأصحابه على الحكم واستسلموا فابعث بهم إلي سلما وإن أبوا فازحف عليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم فإنهم لذلك يستحقون ، فإن قتل الحسين فأوطئ الخيل صدره وظهره فإنه عاق مشاق قاطع ظلوم وليس عهدي في هذا أن يضر بعد الموت شيئا ولكن على قول من قال : لو قد قتلته فعلت هذا به! إن أنت مضيت لأمرنا فيك جزيناك جزاء السامع المطيع ، وإن أبيت فاعتزل عملنا وجندنا وخل بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر فإنا قد أمرناه بأمرنا والسلام.

أحاطوا به يوم عاشوراء ـ بأبي وأمي ـ ولم يكن معه إلا بضعة وسبعون نفسا ما بين طفل وشاب وشيخ وامرأة ، خطب في أعدائه وحاول وعظهم وهدايتهم إلى سبيل الرشاد ولكن هيهات لقد ختم الله على قلوبهم وحقت عليهم كلمة العذاب ، وقد قال فيما قال : تبا لكم أيتها الجماعة وترحا! أحين استصرختمونا والهين فأصرخناكم موجفين سللتم علينا سيفا لنا في أيمانكم! وحششتم علينا نارا اقتدحناها على عدونا وعدوكم فأصبحتم إلبا لأعدائكم على أوليائكم بغير عدل أفشوه فيكم ولا أمل أصبح لكم فيهم ، فهلا لكم الويلات تركتمونا والسيف مشيم والجأش طامن ، والرأي لما يستحصف ولكن أسرعتم إلينا كطيرة الدبا وتداعيتم علينا كتهافت الفراش ، ثم نقضتموها سفها وضلة فسحقا لكم


 يا عبيد الأمة وشذاذ الآفاق ونبذة الكتاب ومحرفي الكلم وعصبة الإثم ونفثة الشيطان ومطفئي السنن. ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون وحجور طابت وطهرت وأنوف حمية ونفوس أبية لا تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام ألا وإني زاحف بهذه الأسرة على قلة العدد وخذلان الناصر ،. أما والله لا تلبثون بعدها إلا كريثما يركب الفرس ، حتى تدور بكم دور الرحى وتقلق بكم قلق المحور ، عهد عهده إلي أبي عن جدي رسول الله « فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون ، إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم ».

ثم رفع يديه إلى السماء وقال : « اللهم احبس عنهم قطر السماء وابعث عليهم سنين كسني يوسف وسلط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأسا مصبرة فإنهم كذبونا وخذلونا وأنت ربنا عليك توكلنا وإليك المصير ».

ثم قال (ع) : والله لا يدع الله أحدا منهم إلا انتقم لي منه قتلة بقتلة وضربة بضربة وإنه لخير لي ولأهل بيتي وأشياعي.

هذا هو كلام أبي عبد الله الحسين (ع) فاقرأ وتأمل تحس فيه بشفافية الروح المؤمنة وتدرك معنى الرسالية مما يؤكد أن ثورة الحسين لم تكن لتغيير نظام حاكم فقط إنما صرخة لتنبيه الأمة للانحراف العقائدي وابتعادها عن أوصياء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ولكن من يستمع ..

أصر القوم على تنفيذ جريمتهم وبدأوا القتال الذي تطايرت فيه الأيدي وتساقطت الرؤوس ولم يرحم كبير ولا صغير مثل أصحاب الإمام حبيب بن مظاهر وزهير بن القين وغيرهم أولئك الذين فهموا ماذا تعني نصرتهم للحسين (ع) وهم على علم بقتلهم فكانوا يتفانون في الدفاع عن ابن رسول الله.


في عز القتال ووسط ذلك الجو الملتهب بحرارة المعركة يصلي الإمام صلاة الخوف مع أصحابه فيقف أحد الأصحاب لحمايته ويستقبل السهام بصدره دفاعا عن حجة الله على خلقه حتى إذا أصبح جسمه كالقنفذ من كثرة السهام سقط على وجه الأرض متمتما « هل وفيت يا بن رسول الله ».

وبدأ الشهداء يرتمون في أحضان الحور العين الواحد تلو الآخر ، الهاشميون وأبناء علي (ع) وأبناء الحسن ، ثم أبناء الحسين وكان آخرهم طفلا رضيعا للحسين (ع) أخرجه لهم ليجودوا عليه بقطرة ماء بعد أن صار يتلوى من العطش ، وقد جف ثدي أمه فاستقبله القوم بالسهام حتى ذبح في حجر أبيه.

وبقي الحسين وحيدا يلقي تارة نظرة إلى مخيم النساء بعد قليل سيصرن سبايا وهن بنات رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وتارة ينظر إلى القوم الذين احتوشوه استعدادا لقتله ويبكي! سألته أخته زينب لماذا البكاء؟ قال : أبكي لهؤلاء القوم الذين يدخلون النار بسببي هل رأيتم إنسانا يبكي على عدوه الذي يظلمه؟! لم يكن هذا إلا من الأنبياء.

ثم قاتلهم حتى قتل ونفذوا وصايا ابن زياد ، ففصلوا الرأس عن الجسد ثم أمروا بالخيل لتطأ صدره الشريف.

هذه بعض تفاصيل رزية الأمة وما أعظمها من رزية بكت لها السماوات قبل الأرض ، وبكى لها الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله يوم ولادة الحسين (ع) ، وستظل ذكراها تدمي القلوب ، وصدق رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حينما قال « إن للحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تطفأ أبدا ».

ما زالت ذكرى أبي عبد الله (ع) عند شيعته محفوظة رغما عن أنوف بعض الجهلة الذين صاروا على منابر العلماء يتحدثون عن الدين وهو منهم براء في غفلة من الناس.


ابن زياد ما يزال جاثما على صدر الأمة باسم جديد وشريح القاضي ما زال يفتي بلسان حديث : بكفر ونجاسة شيعة أبي عبد الله الحسين (ع) وطهارة اليهود ووجوب الصلح معهم(١) ، بل هم أفضل من شيعة الحسين (ع) ، وما يزال التضليل والكبت كما فعل قاتلوا الحسين (ع) عندما جاءوا بالسبايا وتساءل الناس من هؤلاء فقالوا أنهم سبايا من الديلم فشمت الناس بهم ووصل الأمر ببعضهم أن فكر في امتلاك إحدى السبايا كجارية وهن ربيبات بيت الوحي الذي حرمت على أهله الصدقة وأمر الله بمودتهم ، قال تعالى : ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) .

ولكن ما زالت خطبة زينب بنت علي (ع) تدوي في أسماع الشيعة وهي تخاطب يزيد الذي أدخل إليه رأس الحسين وهو متخذ مجلسا للشراب ووضع الرأس بين يديه فراح ثنايا الحسين بمخصرته وهو ينشد :

لعبت هاشم بالملك فلا

خبر جاء ولا وحي نزل

لست من خندف إن لم أنتقم

من بني أحمد ما كان فعل

خطبت عقيلة الهاشميين زينب بلسان يفرغ عن أبيها علي (ع) خطبة طويلة نختار منها هذا المقطع الذي جعل المجالس تعقد للحسين في أوساط شيعته إلى يومنا هذا وإلى ما شاء الله قالت فيما قالت مخاطبة يزيد « فكد كيدك واسع سعيك وناصب جهدك فوالله لا تميت وحينا ولا تمحو ذكرنا ولا يرحض عنك عارها ، وهل رأيك إلا فند وأيامك إلا عدد ، وجمعك إلا بدد ، يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين ».

رغم توارثنا لعادات بني أمية وقبولنا لها مثل الاحتفال بيوم عاشوراء الذي

ــــــــــــــــ

(١) ـ فتوى بعض العلماء حول التطبيع مع اليهود مثل ابن باز.


قتل فيه ابن بنت الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله نعيب على الشيعة إقامتها لمجالس العزاء الحسينية ، ولا دليل لدينا سوى ادعاء عمر بن الخطاب لحرمة البكاء وهو القائل « كل الناس أفقه منك يا عمر ». لقد بكى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لقتل الحسين في يوم ولادته ، كما بكته السماء بل حتى الجمادات كما جاء في كتب التاريخ ، وبكاء النساء لمقتل حمزة أيضا وتشجيع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لهن وإعانتهن حينما قال : على مثل حمزة فلتبك البواكي ، ولقد أقام عليه أهل المدينة مآتم العزاء فلم نر مستنكرا لذلك فيما وصل إلينا.

والمحاولات التي يبثها المغرضون اليوم حول البكاء على الحسين ما هي إلا إحدى المحاولات لإسكات صوت الحق وإطفاء نور الله ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ، ولو لم يفعل الشيعة ذلك لإحياء ذكرى كربلاء لحاولوا طمسها كما فعلوا بحادثة الغدير ولقالوا لنا اليوم أن الذي قتل لم يكن الحسين بن علي (ع).

ويكفي فخرا لمجالس الحسين أنها ما فتئت تؤرق مضاجع الطغاة وتلهب في النفوس المؤمنة روح الجهاد ويكفي قراءة خطبة واحدة من خطب الحسين (ع) ليسري مفعولها السحري في الأرواح المؤمنة.

لن أستطيع في هذه الوجيزة أن أستعرض كافة جوانب كربلاء ولكن يجب على الأمة ألا تغلق على نفسها مثل هذه الكنوز التي لا يعرفها إلا من هداه الله.

السجود على التربة الحسينية :

هنالك مسألة مرتبطة بهذا البحث ، كثير من الناس استشكل فيها على الشيعة ، ومن خلال تجربتي الشخصية لم أجد عند أحد دليلا شرعيا يؤيد إشكاله


اللهم إلا ما يتناقله ببغاوات الوهابية فيما يرتبط بالتوحيد والشرك الذي هم أبعد الناس فهما له ، والمسألة هي السجود على التربة الحسينية قال لي بعضهم « الشيعة يا أخي يعبدون الحجر ويصلون له » وكثيرا ما سمعت هذه الجملة لذا وجب علي توضيح الأمر حتى لا نصبح كالهمج الرعاع أتباع كل ناعق نميل مع كل ريح.

أولاً : إن للسجود صيغتين :.

أ ـ السجود للشئ.

ب ـ السجود على الشئ.

أما الأول فهو حالة من حالات الشرك بلا خلاف ، والشيعة تحرم ذلك البتة لأنه سجود لغير الله وهذا لا يحتاج مني إلى كبير عناء فلتراجع فتاوى علماء الشيعة في ذلك.

أما الثانية فالكل يسجد على شيء ، والسجود لا يتحقق في الأساس إلا على شيء.

والشيعة يسجدون على التربة وليس للتربة ، ويكون السؤال لماذا التربة الحسينية بالخصوص؟ وهذا السؤال سنجيب عليه في نقطتين : الأولى فيما يختص بالتربة كما هي والثانية بخصوص التربة الحسينية.

* النقطة الأولى :

إن علماء مدرسة أهل البيت (ع) ومن أقوال أئمتهم يوجبون أن يكون موضع الجبهة في الصلاة من الأرض أو ما أنبتته الأرض مما لا يؤكل ولا يلبس في الغالب.

أما فقهاء أهل السنة الأربعة فإنهم يجوزون السجود على كلشيء بما في


ذلك الأرض.

وعلماء الشيعة لهم ما يؤيد قولهم من مصادر أهل السنة نذكر منها : ـ

١ ـ حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله .

« جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا » (بخاري ج ١ / ١٠٩).

٢ ـ وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله :

« جعلت لي الأرض كلها مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا » (بخاري ج ١ / ٣٧١ ، مسلم ١ / ٣٧١).

٣ ـ وعن أبي سعيد الخدري في حديث جاء فيه :

« وكان سقف المسجد من جريد النخل وما نرى في السماء شيئا فجاءت قزعة فأمطرنا فصلى بنا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله حتى رأيت الطين والماء على جبهته وأرنبته صلى‌الله‌عليه‌وآله » (بخاري ج ٢ / ٣٨٦).

وكثير من الأحاديث التي تؤكد على مسألة السجود على التربة.

* النقطة الثانية : لماذا السجود على التربة الحسينية.

أولاً : السجود على التربة الحسينية يمثل حالة من حالات السجود على الأرض وإجماع المسلمين على صحة السجود على الأرض وترابها قائم فلا يوجد مبرر لاستثناء تربة الحسين (ع).

ثانياً : إن أئمة أهل البيت (ع) كانوا يؤكدون على مسألة السجود على التربة الحسينية والإمام علي بن الحسين (ع) أول من سجد عليها وكل أئمة أهل البيت (ع) كان يسجدون عليها ويؤكدون على استحباب السجود عليها كما جاء عن الإمام الصادق (ع) « إن السجود على تربة أبي عبد الله الحسين يخرق الحجب السبع ».


وتربة الحسين عبارة عن تراب من كربلاء يخلط بالماء ويصب في قوالب ثم يجفف ويوضع في موضع الجبهة للسجود عليه.

ثالثا : هنالك دلالات كبيرة في السجود على تربة سيد الشهداء (ع) لا تخفى على الألمعي منها(١) : ـ

١ ـ الدلالة العقائدية :

عمر بن سعد غداة يوم عاشوراء صلى بجيشه صلاة الصبح جماعة ثم قتل الصلاة في ظهيرة نفس اليوم بقتله سيد الشهداء ، ونحن بصلاتنا على تربة الحسين نعلن أننا لا نصلي صلاة ميتة مثل صلاة عمر بن سعد وأميره يزيد وأبيه ومن ولاه ، لا نحن نصلي صلاة الحسين وأبيه وجده وهذا ما يكرس مفهوم الولاء لأهل البيت (ع) عند شيعتهم ولهذا ركز الأئمة (ع) على التذكير بتربة الحسين (ع) التي يعني السجود عليها تمام التسليم والخضوع لله بانتهاج نهج أوليائه.

٢ ـ الدلالة التاريخية :

حاول البعض طمس معالم يوم الغدير الذي بويع فيه لعلي (ع) بالخلافة ، وعاشوراء كانت في عهد بني أمية وما أدراك ما بنو أمية ، والتربة الحسينية وثيقة تاريخية حية تحمل شواهد الجريمة التي نفذها الحكم الأموي يوم العاشر من محرم ، وإذا كانت الأجهزة الظالمة عبر التاريخ قد مارست أساليب المصادرة لقضية كربلاء ، وما زال امتدادهم إلى يومنا هذا ، فإن الأئمة من أهل البيت (ع) رسخوا في وعي الأمة وفي وجدان الأجيال حالة التعاطي والارتباط بقضية الحسين (ع) من خلال الإحياء والرثاء والبكاء والزيارة وفي هذا المسار تأتي مسألة التأكيد على التربة الحسينية.

ــــــــــــــــ

(١) ـ التشيع ـ السيد عبد الله الغريفي.


٣ ـ الدلالة الجهادية :

التربة الحسينية إحدى صيغ التجذير للوهج الثوري والجهادي في حس الجماهير المسلمة ، وهذا ما تحتاج إليه كل الأمة الإسلامية ، خاصة ونحن نعيش فترة يواجه فيها المد الإسلامي بكل أنواع الحروب ، والتعامل مع هذه التربة ليس تعاملا مع كتلة ترابية جامدة وإنما هو تعامل مع مزيج متحرك من مفاهيم الثورة وقيم الجهاد ومضامين الشهادة ، فمع كل ذرة من ذرات هذه التربة صرخة جهادية ونداء ثوري ومفهوم استشهادي لا يقوى الزمن بكل امتداداته ولا تقوى الأجهزة المتسلطة بكل إمكاناتها أن تجمد تلك الدلالات فالتربة الحسينية عقيدة وجهاد وثورة وحركة واستشهاد.


الفصل الثامن

في دائرة النور

( الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسه نار ، نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شئ عليم )

(سورة النور : آية / ٣٥)



من ركام الباطل إلى النور

من وسط ركام الباطل المظلم أسرعت إلى حيث النور وانكشف الغطاء عن البصر إثر الحجة تلو الأخرى والدليل يضاف إليه دليل والعقل يستنير ولا سبيل إلا أهل البت (ع) ، ودخلت دائرة النور والنور لا يرى إلا بنفسه ،. وسنا بريق كنوز أهل البيت يخطف الأبصار.

تأسفت لحال من لم يوفقه الله للاهتداء إليهم ، ونظرة عامة إلى منهجهم وكلماتهم وأحوالهم كافية للتدليل على أنهم هم أمناء الله على وحيه المنزل على نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله هذه الأمانة العظمى التي لا يمكن أن يتحملها من يعتريه الشيطان بين الفنية والأخرى ولا يؤدي حقها من كان كل الناس أفقه منه ولا يستطيع حفظها من آثر هواه وهوى عشيرته على التمسك بأبسط مفردات الحق.

أهل البت (ع) كلماتهم نور لم أسمع بها عند الآخرين ، منهجهم في تربية الأمة وتوجيهها يجعلك تحس بمعنى خلافة الله في الأرض ، لم يشهد التاريخ بأنهم تعلموا على أيدي أحد بل الكل يدعي الرجوع إليهم وما الفقهاء الأربعة إلا نتاج جامعة الإمام الصادق العلمية في المدينة المنورة والتي تخرج منها أيضا جابر بن حيان بعلم الكيمياء الذي أخذه من الإمام الصادق (ع) ، ولا يسعني أن أستعرض ولو قطرة من بحار علومهم التي أخذ منها شيعتهم فكان تفوقهم على من سواهم في جميع المجالات ، وموسوعة واحدة من مصادرهم الحديثية تكفي لتلتهم كل ما عند أهل السنة والجماعة من مصادر ، وبحار الأنوار بمجلداته العشرة بعد المائة دلتنا على ذلك وحقا إنه بحار من أنوار العلم.

وقد سعى المفسدون في الأرض إلى تشويه صورة مذهب أهل البيت (ع) وحاولوا ممارسة التضليل الإعلامي ، ومن جملة ذلك الطعن في نهج البلاغة الجامع


لبعض خطب ورسائل وكلمات أمير المؤمنين (ع) وهو هو بمتنه الذي أعجز البلغاء وإن ما جاء فيه كاف لبيان صحة النسبة لأمير المؤمنين وعلى هؤلاء أن يأتونا بخطبة واحدة قالها أحد الخلفاء أو كلمة قصيرة تشبه الخطب الواردة في نهج البلاغة. قيل لأحد الإخوة أن نهج البلاغة وضعه الشريف الرضي فقال لهم إذا هو إمام مفترض الطاعة!!

ولأهل البيت (ع) تراث عظيم كان من الممكن أن تستفيد منه الأمة ولكنها أبت إلا نفورا ، وإحدى معاجزهم التي بهرتني ، ذلك المنهج في الدعاء وكيفية التقرب إلى الله تعالى والأدب الرفيع في مخاطبة الرب سبحانه ، والقارئ للصحيفة السجادية وهي صحيفة كلها أدعية للإمام الرابع علي بن الحسين السجاد (ع) يتعجب لماذا لم يهتم علماء السنة بهذه الصحيفة هل لأنها واردة عن أحد الأئمة أهل البيت؟ أم ماذا!!.

أحد الإخوة الذين استبصروا ، كان يميل للوهابية بعد أن عملوا على تزريقه أفكارهم ومعتقداتهم وقبل أن ينغمس معهم تماما من الله عليه بأحد الأصدقاء والذي أعطاه بعض مؤلفات الشيعة ليقرأها ، ولقد سمع من قبل عن الشيعة وحذر منهم ، فطلب مني ومن بعض الإخوة جلسة حوار حول التشيع وما إليه فرحبنا به وجلسنا فدار النقاش حول معتقدات الشيعة وبعد نقاش طويل تنفس قائلا : هذا الكلام حق لا لبس فيه ولكن لماذا يقولون عن الشيعة كل هذه الأقاويل؟! قلت له : كما أن للحق أنصارا يعملون على نصرته. فإن للباطل جنودا وشياطين يوحون إليهم ، ولا يمكن أن يعتمد الباطل لا على باطل.

قال هذا الأخ وعلامات الأسف والتأثر واضحة عليه : لقد قالوا لنا إن الشيعة يخالفون المسلمين في كلشيء حتى الصلاة.

كان وقت صلاة المغرب قد حان فقلت : الآن بإمكانك أن تصلي معنا


لترى هل صلاتنا تختلف كما يدعون.

توضأنا وصلينا وكان اليوم يوم خميس وبعد الصلاة وكما هو معروف عند الشيعة يستحب قراءة دعاء كميل وهو دعاء علمه أمير المؤمنين علي (ع) لأحد أصحابه وهو كميل بن زياد النخعي والشيعة يواظبون على قراءته.

قرأنا ذلك الدعاء وأحسست بانفعال هذا الأخ بالدعاء ، حينها تألمت لهذه الأمة المحرومة من هذه الكنوز التي لم يبخل بها أهل البيت (ع) خصوصا فيما يختص بالأدعية التي تجعل الإنسان في عالم آخر وهو يناجي ربه.

بعد الدعاء رأيت الدموع في عينيه وهو يقول بحرقة : خدعونا وقالوا لنا أن الشيعة لا يعرفون الصلاة والله نحن ما عرفنا الصلاة ولم نفهم الصلاة.

فقرات

من أدعية أهل البيت (ع)

* ـ من دعاء الصباح لأمير المؤمنين (ع).

« اللهم يا من دلع لسان الصباح بنطق تبلجه وسرح قطع الليل المظلم بغياهب تلجلجه وأتقن صنع الفلك الدوار في مقادير تبرجه وشعشع ضياء الشمس بنور تأججه ، يا من دل على ذاته بذاته وتنزه عن مجانسة مخلوقاته وجل عن ملاءمة كيفياته ، يا من قرب من خطرات الظنون وبعد عن لحظات العيون وعلم بما كان قبل أن يكون ، يا من أرقدني في مهاد أمنه وأمانه وأيقظني إلى ما منحني من مننه وإحسانه ، وكف أكف السوء عني بيده وسلطانه ».

« افتح اللهم لنا مصاريع الصباح بمفاتيح الرحمة والفلاح وألبسني اللهم من


أفضل خلع الهداية والصلاح واغرس اللهم بعظمتك في شرب جناني ينابيع الخشوع وأجر اللهم لهيبتك من آماقي زفرات الدموع وأدب اللهم نزق الخرق مني بأزمة القنوع ».

* ـ من دعاء يوم عرفة للإمام الحسين (ع) :

« الحمد لله الذي ليس لقضائه دافع ولا لعطائه مانع ولا كصنعه صنع صانع وهو الجواد الواسع فطر أجناس البدائع وأتقن بحكمته الصنائع لا تخفى عليه الطلائع ولا تضيع عنده الودائع جازي كل صانع ورايش كل قانع وراحم كل ضارع ومنزل المنافع والكتاب الجامع بالنور الساطع وهو للدعوات سامع وللكربات دافع وللدرجات رافع وللجبابرة قامع فلا إله غيره ولاشيء يعدله وليس كمثله شئ وهو السميع البصير اللطيف الخبير وهو على كلشيء قدير ، اللهم إني أرغب إليك وأشهد بالربوبية لك مقرا بأنك ربي وأن إليك مردي ابتدأتني بنعمتك قبل أن أكون شيئا مذكورا وخلقتني من التراب ثم أسكنتني الأصلاب آمنا لريب المنون واختلاف الدهور والسنين

« اللهم اجعلني أخشاك كأني أراك وأسعدني بتقواك ولا تشقني بمعصيتك وخر لي في قضائك وبارك لي في قدرك حتى لا أحب تعجيل ما أخرت ولا تأخير ما عجلت ، اللهم اجعل غناي في نفسي واليقين في قلبي والإخلاص في عملي والنور في بصري والبصيرة في ديني ومتعني بجوارحي واجعل سمعي وبصري الوارثين مني وانصرني على من ظلمني. إلهي كيف أعزم وأنت القاهر وكيف لا أعزم وأنت الآمر إلهي ترددي في الآثار يوجب بعد المزار فاجمعني علك بخدمة توصلني إليك كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك عميت عين لا تراك عليها رقيبا وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبك نصيبا ».


* ـ مناجاة الشاكرين : للإمام زين العابدين (ع) :

بسم الله الرحمن الرحيم

« إلهي أذهلني عن إقامة شكرك تتابع طولك ، وأعجزني عن إحصاء ثنائك فيض فضلك ، وشغلني عن ذكر محامدك ترادف عوائدك ، وأعياني عن نشر عوارفك توالي أياديك ، وهذا مقام من أعترف بسبوغ النعماء ، وقابلها بالتقصير ، وشهد على نفسه بالإهمال والتضييع ، وأنت الرؤوف الرحيم البر الكريم ، الذي لا يخيب قاصديه ، ولا يطرد عن فنائه آمليه ، بساحتك تحط رحال الراجين ، وبعرصتك تقف آمال المسترفدين ، فلا تقابل آمالنا بالتخييب والايئاس ، ولا تلبسنا سربال القنوط والإبلاس ، إلهي تصاغر عند تعاظم آلائك شكري ، وتضاءل في جنب إكرامك إياي ثنائي ونشري ، جللتني نعمك من أنوار الإيمان حللا ، وضربت علي لطائف برك من العز كللا ، وقلدتني مننك قلائد لا تحل ، وطوقتني أطواقا لا تفل ، فآلاؤك جمة ضعف لساني عن إحصائها ، ونعماؤك كثيرة قصر فهمي عن إدراكها فضلا عن استقصائها ، فكيف لي بتحصيل الشكر ، وشكري إياك يفتقر إلى شكر ، فكلما قلت لك الحمد وجب علي لذلك أن أقول لك الحمد ، إلهي فكما غذيتنا بلطفك وربيتنا بصنعك ، فتمم علينا سوابغ النعم ، وادفع عنا مكاره النقم ، وآتنا من حظوظ الدارين أرفعها وأجلها عاجلا وآجلا ، ولك الحمد على حسن بلائك وسبوغ نعمائك حمدا يوافق رضاك ويمتري العظيم من برك ونداك يا عظيم يا كريم ، برحمتك يا أرحم الراحمين

* قبسات من نور آل محمد :

إن الفقه الشيعي هو الشجرة الطيبة الراسخة الجذور المتصلة الأسس بالنبوة ، والذي امتاز بالسعة والشمولية والعمق والدقة والقدرة على مسايرة


العصور المختلفة ، والمستجدات المتلاحقة من دون أن يتخطى الحدود المرسومة في الكتاب والسنة ويعتمد الفقه الشيعي إضافة إلى الكتاب والسنة العقل والإجماع الكاشف عن وجود النص أو موافقة المعصوم.

إن الشيعة الإمامية قدمت في ظل هذه الأسس الأربعة فقها يتناسب مع المستجدات ، جامعا لما تحتاج إليه الأمة ، ولم يغلق باب الاجتهاد(١) عندهم ، بل ظل مفتوحا طيلة القرون الماضية إلى يومنا هذا ، فأنتج عبر العصور فقهاء عظاما ، وموسوعات كبيرة لم يشهد التاريخ لها ولهم مثيلا ، والمقام لا يتسع لبسط الكلام عن الفقه الجعفري كما أن مفهوم الاجتهاد عند الشيعة غير ما هو عند السنة ، فليراجع معالم المدرستين ج ٢.

إلا أن هنالك بعض الاختلافات بين الفقه الجعفري وفقه أهل السنة والجماعة حاول البعض أن يتخذها ذريعة ليرمي التشيع بكل فرية وتشويه ، وأنا لست بصدد بيان كل مواقع الاختلاف ، ولكني سأختار بعض المفردات عند الفقه الشيعي يثير حولها الجاهلون شبهات لاتهام الشيعة ، سأطرحها لأبين رأي الدين فيها ثم أترك للقارئ الحكم.

وقبل ذلك أقول أن الاختلاف ليس في الفروع فقط ، بل هنالك خلافات جوهرية في الأصول العقائدية فالحديث عن التوحيد يطول ، يلتقي فيه أهل السنة مع الشيعة ويفترقون ، فالله سبحانه وتعالى في كتب أهل السنة والجماعة والتي بلورها الوهابيون في كتبهم يمشي ويتحرك من مكان إلى آخر وينزل ويصعد ويضحك وله يدان وقدمان وساق الخ حتى أبتعد الناس عن ربهم.

ــــــــــــــــ

(١) ـ المكلف إما مجتهد يستنبط الأحكام الشرعية أو محتاط أو مقلد لمرجع مجتهد جامع للشرائط المذكورة في كتب الفقه.


أذكر هنا أن أحد الشباب الذين خدعوا بالوهابية جرى حوار بينه وبين أحد الإخوة وكان محور حديثهما التوحيد وكان هذا الوهابي مصرا على أن لله مكانا وحيزا يوجد في العرش فوق السماوات ، فقال له الأخ : يعني إذا اخترعت صاروخا يسير أسرع من الضوء واتجهت به إلى السماء هل بإمكاني الوصول إلى مكان الله ووجوده هناك؟

قال : نعم! فضحك الأخ وقرر الصمت.

هذا حال التوحيد الذي من أجله بعث الأنبياء عند القوم ، أما الشيعة فإن أئمتهم لم يتركوا لهم مجالا ليشطوا عن الحق والمعرفة الصحيحة كما فعل غيرهم ، وإنما تركوا لهم كنوزا من المعارف الإلهية نزل بها الوحي على النبي محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله ويكفي من ذلك ما جاء في نهج البلاغة عن علي بن أبي طالب (ع) يقول في إحدى تلك الخطب مبينا حقيقة التوحيد :

« الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون ، ولا يحصي نعماءه العادون ، ولا يؤدي حقه المجتهدون ، الذي لا يدركه بعد الهمم ، ولا يناله غوص الفطن ، الذي ليس لصفته حد محدود ، ولا نعت موجود ولا وقت معدود ولا أجل ممدود فطر الخلائق بقدرته ونشر الرياح برحمته ، ووتد الصخور ميدان أرضه.

أول الدين معرفته ، وكمال معرفته التصديق به ، وكمال التصديق به توحيده ، وكمال توحيده الإخلاص له. وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه ، لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف ، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة ، فمن وصف الله فقد قرنه ، ومن قرنه فقد ثناه ومن ثناه فقد جزأه ومن جزأه فقد جهله ، ومن جهله فقد أشار إليه ، ومن أشار إليه فقد حده ، ومن حده فقد عده ، ومن قال (فيم) فقد ضمنه ومن قال (علام) فقد أخلى منه كائن لا عن حدث ،


موجود لا عن عدم الخ »(١) .

وهنالك الكثير من المفارقات بين المدرستين تحتاج إلى مجلدات لاستقصائها وعلى الجميع أن يبحث ليلقى الله على حجة وسأذكر بعض المفردات الفقهية الخلافية لنرى مع من الحق.

* التقية :

ما أكثر ما شنع خصوم الشيعة عليهم في التقية التي غاب معناها عن أذهانهم ورسموا لها معاني من مخيلتهم الخربة فصاروا يتهمون بها الشيعة والتشيع ، وعندما أوضح هنا معنى التقية وشرعيتها لا أنتصر للشيعة ومعتقداتهم بقدر ما أنصر القرآن ومفاهيمه التي تمسك بها الشيعة فكان صحة ما يعتقدون به فرعا لأصل صحة القرآن الذي غابت بصائره عن العقول النجدية فتاهت حتى أنها تكاد لا تفقه الفرق بين الطهارة والنجاسة.

البعض يردد أقوال الآخرين دون تمحيص ومعرفة غافلين عن خطورة استهزائهم بما لا يعلمون فيستهزئون من حيث لا يشعرون بالحق والقرآن وذلك ستكون عاقبته وخيمة ، وما أكثر ما سمعت « أن الشيعة منافقون لأنهم يعتقدون بالتقية وهي تعني النفاق وإظهار خلاف الباطن » ضاربين بذلك الآيات القرآنية وسيرة الأنبياء عرض الحائط.

وقبل استعراض أدلة شرعية التقية من القرآن والسنة كما جاء في كتب أهل السنة والجماعة ، والتي أرى أن الشيعة أعلم بها من أهلها ، نتحدث عن معنى التقية وظروفها.

ــــــــــــــــ

(١) ـ نهج البلاغة الخطبة الأولى ..


إن الشيعة ومنذ وفاة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله عاشوا في اضطهاد وتشريد وتقتيل من قبل السلطات الجائرة التي تعاقبت ، وبعد واقعة كربلاء أصبح الشيعة وحدهم المناوئين للحكام والمتصدين لهموم الأمة باعتبار أن أئمتهم هم الحافظون للشريعة ، لذلك كرست الحكومات كل جهودها لضربهم.

لهذا السبب ولغيره عرف الشيعة بالتقية دون غيرهم من الفرق الإسلامية التي كان علماؤها ومن ورائهم العامة يؤيدون كل سلطان عادل أو جائر ، بينما يصور لنا الإمام الباقر (ع) حال الشيعة آنذاك يقول : « وكان من أعظم ذلك وأكبره زمن معاوية بعد موت الحسن (ع) فقتلت شيعتنا بكل بلدة وقطعت الأيدي والأرجل على الظنة وكل من يذكر بحبنا والانقطاع إلينا سجن أو نهب ماله أو هدمت داره ثم لم يزل البلاء يشتد ويزداد إلى زمان عبيد الله بن زياد قاتل الحسين (ع) ثم جاء الحجاج فقتلهم كل قتلة وأخذهم بكل ظنة وتهمة حتى أن الرجل ليقال له زنديق وكافر أحب إليه من أن يقال شيعة علي ».

هذا هو الحال باختصار وعند عرضنا للأدلة سيتبين بإذن الله تعالى أن التقية حاجة فطرية وكلنا نستخدمها في حياتنا العملية خصوصا أولئك الذين يواجهون الطواغيت في كل مكان ، يعلمون بأهميتها في مسيرتهم الجهادية.

والتقية في اللغة معناها الحذر ، قال ابن منظور في لسان العرب توقيت واتقيت ، أتقيه تقى وتقية وتقاء : يعني حذرته.

أما التقية شرعا كما عرفها الشيخ الأنصاري من ـ كبار علماء الشيعة المتقدمين ـ في كتابه المكاسب (التحفظ عن ضرر الغير بموافقته في قول أو فعل مخالف للحق).

وشرعية التقية تؤخذ من الكتاب والسنة كمصدرين للتشريع وستجد أن العقل يؤيد مشروعيتها.


* أما من الكتاب العزيز :

قوله تعالى ( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله فيشيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ) (آل عمران / ٢٨).

وواضح من قوله تعالى ( إلا أن تتقوا منهم تقاة ) شرعية التقية وأن المؤمن إذا خاف من الكفار يجوز له مداراتهم تقية منه ودفاعا عن نفسه من غير أن يعتقد ذلك.

يقول الفخر الرازي في تفسير هذه الآية :

(المسألة الرابعة) اعلم أن للتقية أحكاما كثيرة ونحن نذكر بعضها :

« الحكم الأول » إن التقية إنما تكون إذا كان الرجل في قوم كفار ، ويخاف على نفسه وماله فيداريهم بلسانه وذلك بأن لا يظهر العداوة باللسان ، بل يجوز أن يظهر الكلام الموهم للمحبة والموالاة ولكن بشرط أن يضمر خلافه وأن يعرض في كل ما يقول ، فإن التقية تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلوب.

« الحكم الثاني » هو أنه لو أفصح بالإيمان والحق حيث يجوز له التقية كان ذلك أفضل.

« الحكم الثالث » إنها إنما تجوز فيما يتعلق بإظهار الموالاة والمعاداة ، وقد تجوز أيضا فيما يتعلق بإظهار الدين ، فأما ما يرجع ضرره إلى الغير كالقتل والزنا وغصب الأموال والشهادة بالزور وقذف المحصنات واطلاع الكفار على عورات المسلمين فذلك غير جائز.

« الحكم الرابع » ظاهر الآية يدل أن التقية إنما تحل مع الكفار الغالبين ، إلا أن مذهب الشافعي رضي الله عنه أن الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والمشركين حلت التقية محاماة عن النفس.


« الحكم الخامس » التقية جائزة لصون النفس. وهل هي جائزة لصون المال؟

يحتمل أن يحكم فيها بالجواز لقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله « حرمة مال المسلم كحرمة دمه » ولقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله « من قتل دون ماله فهو شهيد » ولأن الحاجة إلى المال شديدة ، والماء إذا بيع بألفين سقط فرض الوضوء وجاز الاقتصار على التيمم دفعا لذلك القدر من نقصان المال فكيف لا يجوز ههنا والله أعلم.

« الحكم السادس » قال مجاهد : هذا الحكم كان ثابتا في أول الإسلام لأجل ضعف المؤمنين ، فأما بعد قوة دولة الإسلام فلا ، وروي عن عوف بن الحسن أنه قال : لتقية جائزة للمؤمنين إلى يوم القيامة ، وهذا القول أولى لأن دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الامكان(١) .

يتضح من كلام الرازي دلالة الآية على شرعية التقية ، ويذكر ذات المعنى ابن كثير في تفسيره(٢) .

** ويقول الله سبحانه وتعالى ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) (سورة النحل / ١٠٦).

 والتي نزلت في عمار بن ياسر ، وكلنا يعرف قصة تعذيب كفار قريش له حتى قال ما طلبوه منه من تمجيد آلهتهم وغير ذلك ، إلا أن الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله بشره وأبويه بالجنة وقال له إذا عادوا فعد بمثل ما قلت ، ولا أعتقد أن هنالك أوضح من ذلك لفهم التقية والتي مارسها مؤمن آل فرعون كما جاء في القرآن ( وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه ) (سورة غافر : آية / ٢٨).

ــــــــــــــــ

(١) ـ التفسير الكبير للفخر الرازي ج ٨ / ١٣.

(٢) ـ تفسير القرآن العظيم ج ١ / ٣٠٨.


* أما من السنة :

فقد أورد الرازي نقلا عن البخاري في صحيحه من كتاب الأدب باب المداراة مع الناس عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : « إنا لنكشر في وجوه قوم وقلوبنا تلعنهم » ، كما نقل ـ الرازي ـ أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : لأحدهما : أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال : نعم نعم نعم ، فقال : أفتشهد أني رسول الله؟ قال : نعم. وكان مسيلمة يزعم أنه رسول بني حنيفة ومحمد رسول قريش فتركه ودعا الآخر فقال : أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال : نعم ، قال : أفتشهد أني رسول الله؟ قال : إني أصم ثلاثا فقدمه وقتله فبلغ ذلك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : أما هذا المقتول فمضى على يقينه وصدقه فهنيئا له وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه(١) .

كل ذلك يدلل على مشروعية التقية وأنها حكم عام يشمل كل إنسان ، وبضم حديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : « رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه » يكتمل المطلب.

والتقية كحكم لها ضوابطها وحدودها والشيعة فيما يرتبط بفروع دينهم لا يحتاجون لغيرهم للأخذ منهم ولقد جئنا بالأدلة حتى لا يطلق البسطاء تهمهم بجهل. وإليك روايات عن طريق أهل البيت (ع) وهم الحجة على شيعتهم لا غيرهم :

* ـ عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) قال : اتقوا على دينكم فاصحبوه بالتقية فإنه لا إيمان لمن لا تقية له إنما أنتم من الناس كالنحل في الطير لو

ــــــــــــــــ

(١) ـ تفسير الرازي ج ٨ / ١٢.


 أن الطير تعلم ما في أجواف النحل ما بقي منهاشيء إلا أكلته ولو أن الناس علموا ما في أجوافكم أنكم تحبوننا أهل البيت لأكلوكم بألسنتهم ولنجلوكم في السر والعلانية رحم الله عبدا منكم كان على ولايتنا.

* ـ عن الإمام محمد بن علي الباقر (ع) : التقية في كل ضرورة وصاحبها أعلم بها حين تنزل به.

* ـ وعنه أيضا : إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغ الدم فلا تقية.

* ـ وقال الإمام الصادق (ع) : « من لا تقية له لا دين له ».

وهذا قليل من كثير ورد عن طريق أهل البيت (ع) وعرفنا أصله في القرآن ، والعقل يذعن بذلك إذ أنه من البداهة أن التوقي والحذر مطلوبان في كل الأحوال ، ولا تكون التقية بذلك نفاقا كما حاول البعض أن يعرفها وكيف يأمرنا الله بالنفاق.

كما أنها لا تجعل من الدين وأحكامه سرا من الأسرار كما ذهب إليه بعض المستشرقين وأذيالهم ، فكيف تكون السرية عند الشيعة ، وهذه كتبهم ليس دونها حاجز أو حجاب ، فليبحث الجميع وليفتش. هذه النجف أمامكم وتلك قم فارحلوا إليها وانزلوا على مكاتبها فلن تجدوا دونكم سترا أو ممانعة ، أي الكتب أحببت فهي تحت يدك وفي متناولها وفيها أمهات الكتب ومصادر الأحكام لم تبق مسألة إلا وفصلت ولم تطرح قضية إلا وحلت وعلماؤهم شهرتهم عمت أرجاء المعمورة.

وفي الخاتمة أورد قصة لأحد الأصدقاء المهتدين ، التف حوله عدد من الشباب يحاولون إجباره على أن يعترف بأن التقية نفاق فقال لهم : عرفوا لي النفاق. قالوا : هو إضمار الكفر وإظهار الإيمان ، قال لهم : أما التقية فهي إظهار الكفر وإضمار الإيمان كما جاء في القرآن فهل لديكم دليل بحرمة ذلك؟


فسكتوا. وقد قال الإمام علي (ع) « لو سكت الجاهل ما اختلف حول الحق اثنان »(*) .

* الوضوء :

إن الوضوء واجب ، وبنقصانه بلا سبب تكون الصلاة باطلة ، هذا ما اتفق عليه المسلمون ، إلا أن هنالك اختلافا في كيفيته والتي بلا شك يتوقف عليها صحة صلاة الجميع ، والشيعة تبعا لأئمتهم يعتقدون بصحة الوضوء الذي يتعبدون به ووضوء غيرهم غير تام ولا تصح به الصلاة ولهم أدلتهم على ذلك من القرآن والسنة.

وبالرغم من أن هذه المسائل التي ذكرناها فرعية تتبع الأصل إلا أن بعض الكتاب والمرتزقة والمأجورين أبوا إلا أن يدخلوا الناس في مباحث فرعية لإلهائهم الناس عن الالتفات إلى الاختلاف في المنبع والذي يؤدي إلى الاختلاف في طعم الماء بسبب ذلك إلا أن علماء الشيعة لم يتوانوا في إثبات حتى فروع دينهم من كتب العامة. هنا تكمن قوة الحجة.

هناك اختلاف بين مدرسة أهل السنة والجماعة ومدرسة أهل البيت (ع) حول حكم الأرجل في الوضوء بالإضافة إلى كيفية غسل الأيدي.

أما الأخيرة فإن الشيعة يرون أن الغسل في اليدين يبتدئ بالمرفقين وينتهي بأطراف الأصابع ولا يسوغ الابتداء بأطراف الأصابع والانتهاء بالمرفقين ، ولو فعل المتوضئ ذلك بطل وضوؤه وقد أخذوا ذلك من الممارسة العملية لوضوء الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله الذي بينه الأئمة (ع) فيما ورد عنهم :

ــــــــــــــــ

(*) ـ فليراجع كتاب إسلامنا في التوفيق بين الشيعة والسنة ـ التشيع ـ لعبد الله الغريفي.


* سئل الإمام الباقر (ع) عن وضوء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فدعا بطشت أو بتور فيه ماء فغسل كفيه ، ثم غمس كفه اليمنى في التور فغسل وجهه بها واستعان بيده اليسرى بكفه على غسل وجهه ، ثم غمس كفه اليسرى في الماء فاغترف بها من الماء فغسل يده اليمنى من المرفق إلى الكف لا يرد الماء إلى المرفقين ثم غمس كفه اليمنى في الماء فاغترف بها من الماء فأفرغه على يده اليسرى من المرفق إلى الكف لا يرد الماء إلى المرفق كما صنع باليمنى ثم مسح رأسه وقدميه إلى الكعبين بفضل كفيه لم يجدد ماء(١) .

ومن خلال آية الوضوء نستطيع أن نتعرف على الكيفية ثم نرى ما هو حكم الأرجل ونأتي بالأدلة من الطريقين. يقول تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين ) (سورة المائدة : آية / ٦).

قد يقال بأن دلالة الآية صريحة في بيان كيفية الوضوء ووجوب غسل اليدين بدءا بالأصابع وإنهاء بالمرفقين ، ولكن بقليل من التأمل نقول أن اليد مشتركة بين الأصابع إلى الزند إلى المرفق وإلى الكتف ، فإذا قيل اغسلوا أيديكم يكون مجملا ومبهما يحتاج إلى مفسر يعين حد المغسول به فجاءت إلى المرافق و ( إلى ) هنا لبيان حد المغسول به لا لبيان كيفية الغسل والآية ناظرة إلى ما هو متفاهم عرفا إذ أنه إذا قيل لشخص اغسل هذا البيت أو ضع عليه طلاء إلى السقف فهل يبدأ من تحت إلى أعلى أم العكس؟ ولعل فتاوى الأئمة الأربعة بالجواز لا بالوجوب في الابتداء بالأصابع يؤكد هذا المعنى ولو كانت ( إلى ) جاءت لبيان كيفية الغسل لوجب على الأئمة الأربعة أن يفتوا بوجوب ذلك.

ــــــــــــــــ

(١) ـ وسائل الشيعة ج ١ / ٢٧٥.


ولفظ ( إلى ) يستخدم أحيانا بمعنى « مع » كقوله تعالى ( ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ) .

والشيعة اتبعوا بالإضافة إلى النص من هم أعرف بالقرآن من غيرهم.

* حكم الأرجل :

أما حكم الأرجل فهو أوضح من مسألة كيفية غسل اليدين ومن خلال نفس الآية وهو وجوب المسح ، ولا معنى للقول بالغسل وهو مخالف للآية الكريمة بالإضافة إلى السيرة العملية لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وفيما يلي بيان ذلك.

* في قوله تعالى ( وأرجلكم ) وردت قراءتان مشهورتان : ـ

القراءة الأولى :

( وأرجلكم ) بالجر وهي قراءة ابن كثير وحمزة وأبي عمرو وعاصم (في رواية أبي بكر عنه) كما ذكر ذلك الرازي في تفسيره(١) وبناء على هذه القراءة فالأرجل معطوفة على الرؤوس فوجب مسحهما كما وجب ذلك في الرؤوس ، يقول الرازي :

اختلف الناس في مسح الرجلين وفي غسلهما ، فنقل القفال في تفسيره عن ابن عباس وأنس بن مالك وعكرمة والشعبي وأبي جعفر محمد بن علي الباقر : أن الواجب فيهما المسح ، وقال الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري : المكلف مخير بين المسح والغسل.

أما القراءة الثانية وهي قراءة « وأرجلكم » بالنصب وهي قراءة نافع وابن عامر وعاصم في رواية حفص عنه كما ذكر ذلك الرازي ، وبناء على هذه القراءة

ــــــــــــــــ

(١) ـ تفسير الرازي ج ١١ / ١٦١.


يكون حكم الأرجل المسح أيضا ، لأنها معطوفة على الرؤوس المنصوبة محلا المجرورة لفظا فقوله تعالى ( برؤوسكم ) لها حالتان :

ـ النصب محلا لأنها مفعول به.

ـ الجر لفظا لأنها مسبوقة بحرف الجر.

فالأرجل المعطوفة على الرؤوس يجوز فيها حالتان.

ـ النصب عطفا على المحل.

الجر عطفا على اللفظ. والعطف على المحل وارد في لغة العرب فيقال « ليس فلان بعالم ولا عاملا » بنصب عامل عطفا لها على محل عالم.

* كما أنه لا يصح عطف الأرجل على الوجوه والأيدي ، حيث لا يجوز العطف على الأبعد مع إمكان العطف على الأقرب ، وكذلك لوجود الفاصل الأجنبي ، فلا يصح أن يقال (ضربت زيدا ومررت ببكر وخالدا) بعطف خالد على زيد لوجود الفاصل وهو « مررت ببكر » كذلك في آية الوضوء لا يصح عطف (أرجلكم) على ( وجوهكم وأيديكم ) لإمكان العطف على الأقرب وهو ( رؤوسكم ) ولوجود الفاصل الأجنبي وهو جملة ( وامسحوا برؤوسكم ) .

* أخبار من مصادر سنية توضح وجوب المسح دون الغسل :

١ ـ في مسند الإمام أحمد عن علي قال « كنت أرى باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما حتى رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يمسح

 


 ظاهرهما »(١) .

٢ ـ أخرج الحاكم في المستدرك بسنده إلى رفاعة بن رافع عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : « إنها لا تتم صلاة أحد حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله عز وجل يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح رأسه ورجليه إلى الكعبين »(٢) ، قال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، وقد أخرجه بخمسة أسانيد صحيحة.

٣ ـ أخرج الإمام أحمد بسنده عن أبي مال الأشعري أنه قال لقومه اجتمعوا أصلي بكم صلاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : فلما اجتمعوا قال : هل فيكم أحد غيركم قالوا : إلا ابن أخت لنا ، قال : ابن أخت القوم منهم ، فدعا بجفنة فيها ماء فتوضأ وتمضمض واستنشق وغسل وجهه ثلاثة وذراعيه ثلاثا ومسح برأسه وظهر قدميه ثم صلى بهم(٣) .

٤ ـ أخرج ابن ماجة في سننه قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله « لا تتم الصلاة لأحد حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين »(٤) .

٥ ـ وأخرج أيضا عن الربيع قالت : أتاني ابن عباس عن هذا الحديث تعني حديثها الذي ذكرت أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله توضأ وغسل رجليه فقال ابن عباس : « إن الناس أبوا إلا الغسل ولا أجد في كتاب الله إلا المسح »(٥) .

ــــــــــــــــ

(١) ـ مسند أحمد بن حنبل ج ١ / ٩٥.

(٢) ـ المستدرك ج ١ / ٢٤٢.

(٣) ـ مسند أحمد بن حنبل ج ٥ / ٣٤٢.

(٤) ـ سنن ابن ماجة ج ١ / ١٥٦.

(٥) ـ سنن ابن ماجة ج ١ / ١٥٦.


هذا هو حكم الأرجل في الوضوء « المسح » ، وقد قال ابن عباس للذين يقولون بالغسل : ألا تتدبرون القرآن لقد أبدل الله تعالى الغسل مسحا في التيمم وأسقط المسح في آية التيمم فما لكم لا تفقهون؟!

يقول تعالى في نفس آية الوضوء من سورة المائدة ( وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ) (سورة المائدة : آية / ٦) فتأمل

* الجمع بين الصلاتين :

هو الجمع بين صلاتي الظهر والعصر ويسمى عند الفقهاء بالظهرين ، والمغرب والعشاء ويسمى بالعشائين بالإضافة إلى صلاة الصبح.

والأدلة على ذلك كثيرة ومتواترة من القرآن الكريم وعن طريق المدرستين.

يقول الله تعالى ( أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا ) (سورة الإسراء : آية / ٧٨).

ـ الدلوك : معناها الزوال.

ـ الغسق : فيه قولان :

أ ـ أول ظلمة الليل.

ب ـ شدة الظلمة في نصف الليل.

ـ قرآن الفجر : صلاة الفجر.

وبناء على تفسير الغسق بأول الليل يكون النص قد حدد ثلاث أوقات للصلاة :

الوقت الأول : الزوال وهو بداية الوقت للظهر والعصر معا.


الوقت الثاني : أول الليل وهو بداية الوقت للمغرب والعشاء معا.

الوقت الثالث : الفجر وهو الوقت الخاص بالصبح.

وبناء على تفسير الغسق بنصف الليل يكون النص دالا على جواز الجمع فوقت الفرائض الأربع : الظهر والعصر والمغرب والعشاء ممتد من الزوال إلى نصف الليل فالظهر والعصر يشتركان في الوقت من الزوال إلى الغروب إلا أن الظهر قبل العصر ، ويشترك المغرب والعشاء في الوقت من الغروب إلى نصف الليل غير أن المغرب قبل العشاء ، أما فريضة الصبح فقد اختصها الله بوقتها المنوه به في قوله تعالى ( وقرآن الفجر ) (١) .

يقول الفخر الرازي في تفسيره لهذه الآية « يكون المذكور في الآية ثلاثة أوقات : وقت الزوال ووقت أول المغرب ووقت الفجر ، وهذا يقتضي أن يكون الزوال وقتا للظهر والعصر فيكون هذا الوقت مشتركا بين هاتين الصلاتين وأن يكون أول المغرب وقتا للمغرب وقتا للمغرب والعشاء فيكون هذا الوقت مشتركا أيضا بين هاتين الصلاتين فهذا يقتضي جواز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء مطلقا ».

إلا أن الرازي يعقب قائلا « إلا أنه دل الدليل على أن الجمع جائز بعذر السفر وعذر المطر وغيره »(٢) .

ونحن نرد عليه قوله الأخير للأدلة التي تواترت عن طريق أهل السنة والجماعة والتي أكدت على جواز الجمع مطلقا في الحضر ودون عذر ، وأهل البيت (ع) قالوا أيضا بذلك وأهل البيت أدرى بما فيه.

ــــــــــــــــ

(١) ـ التشيع ـ السيد عبد الله الغريفي.

(٢) ـ تفسير الفخري الرازي ج ٢١ / ٢٧.


الأدلة من السنة :

١ ـ عن سهل بن حنيف قال : سمعت أبا أمامة يقول : صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك فوجدناه يصلي العصر فقلت : يا عم ما هذه الصلاة التي صليت؟ قال : العصر وهذه صلاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله التي كنا نصلي معه(١) .

٢ ـ عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال : « إن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله صلى بالمدينة سبعا وثمانية الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء »(٢) .

٣ ـ خطب ابن عباس يوما بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم وجعل الناس يقولون الصلاة ، الصلاة فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني الصلاة الصلاة ، فقال ابن عباس : أتعلمني الصلاة لا أم لك! ثم قال : رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله جمع بين الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء ، فقال عبد الله بن شقيق (راوي الحديث) فحاك في صدري من ذلكشيء فأتيت أبا هريرة فسألته فصدق مقالته(٣) .

٤ ـ عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : صلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الظهر والعصر جميعا بالمدينة من غير خوف ولا سفر ، قال أبو الزبير فسألت سعيدا لم فعل ذلك؟ قال : سألت ابن عباس كما سألتني فقال : أراد أن لا يحرج أحدا من أمته(٤) .

٥ ـ عن ابن عباس قال : جمع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بين

ــــــــــــــــ

(١) ـ البخاري ج ١ / ٢٨٨.

(٢) ـ المصدر ج ١ / ١٨٦.

(٣) ـ مسلم ج ٢ / ١٥٢ باب الجمع بين الصلاتين في الحضر.

(٤) ـ مسلم ج ٢ / ١٥٢ نفس الباب.


الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر ، قال الراوي : قلت

لابن عباس : لم فعل ذلك. قال : كي لا يحرج أمته(١) .

* الأدلة من طريق أهل البيت (ع) :

هذا هو حال الجمع بين الصلاتين كما هو واضح إطلاقه في كل الأحوال تخفيفا للأمة ، وذلك ما جاءت به كتب أهل السنة والجماعة ، أما ما جاء عن أهل البيت (ع) فكثير نختار منه :

١ ـ عن الإمام الصادق (ع) قال :

صلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بالناس الظهر والعصر حين زالت الشمس في جماعة من غير علة ، وإنما فعل ذلك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ليتسع الوقت على أمته(٢) .

٢ ـ عن الإمام الباقر (ع) قال : « إذا زالت الشمس دخل الوقتان الظهر والعصر فإذا غابت الشمس دخل الوقتان المغرب والعشاء الآخرة ».

٣ ـ وبتفصيل أكثر يقول الإمام الصادق (ع) « إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر حتى يمضي مقدار ما يصلي المصلي أربع ركعات ، فإذا مضى ذلك فقد دخل وقت الظهر والعصر حتى يبقى من الشمس مقدار ما يصلي المصلي أربع ركعات ، فإذا بقي مقدار ذلك فقد خرج وقت الظهر وبقي وقت العصر حتى تغيب الشمس ». وقال : « إذا غابت الشمس فقد دخل

ــــــــــــــــ

(١) ـ المصدر ج ٢ / ١٥٢.

(٢) ـ وسائل الشيعة ج ٣ / ١٠١.


وقت المغرب حتى يمضي مقدار ما يصلي المصلي ثلاث ركعات ، فإذا مضى ذلك فقد دخل وقت المغرب والعشاء الآخرة حتى يبقى من انتصاف الليل مقدار ما يصلي المصلي أربع ركعات ، وإذا بقي مقدار ذلك فقد خرج وقت المغرب وبقي وقت العشاء إلى انتصاف الليل ». وسائل الشيعة.

وهكذا تكون الصلاة خمس صلوات واجبة مفروضة في اليوم والليلة هي الفجر ووقته معلوم والظهر والعصر لهما وقت مشترك يجوز الجمع فيه على أن يقدم الظهر وأيضا للمغرب والعشاء وقت مشترك يجوز الجمع فيه على أن يقدم المغرب على العشاء ، وهذا ما يؤمن به الشيعة ويعملون به ، وهو الحق.

* الزواج المنقطع « المتعة » :

باسم الشرف والكرامة أخذ البعض يطعن في أحكام الله التي شرعها في كتابه وبلغها نبيه محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله والتي التزم بها شيعة أهل البيت (ع) فكان جزاؤهم التشنيع والاتهام والإشاعات والكذب عليهم.

وبلغ ذلك حده في زواج المتعة الذي جاء به القرآن وقال به النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وأصحابه ، وعلى مشروعيته أكد أهل البيت (ع).

ولنا حديث حول هذا الموضوع ، ولكن قبل ذلك نستعرض بعض الأدلة التي تحسم الأمر تماما إذا كان أهل السنة والجماعة يؤمنون بكلام الله تعالى وقول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثم نعرج لنتعرف على أقوال أولئك الذين ظنوا بأنهم بلغوا شأوا بعيدا من معرفة ما يضر المجتمع وما يصلحه.

الدليل القرآني :

قوله تعالى : ( فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ) (سورة


النساء : آية / ٢٤).

ذكر الرازي في تفسيرها(١) ، أنه روي أن أبي بن كعب كان يقرأ ( فما استمتعتم به منهن ) إلى أجل مسمى ـ ( فآتوهن أجورهن ) وهذه أيضا قراءة ابن عباس والأمة ما أنكرت عليهما في هذه القراءة فكان ذلك إجماعا من الأمة على صحة هذه القراءة ، ويقل الرازي أثناء بحثه حول آية المتعة عن عمران بن حصين أنه قال : نزلت آية المتعة في كتاب الله تعالى ولم تنزل بعدها آية تنسخها وأمرنا بها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ولم ينهنا عنها ثم قال رجل برأيه ما شاء(٢) . ومثله يروي الإمام أحمد بن حنبل في مسنده ج ٤ / ٤٣٦ ، كما قال بنزول هذه الآية في المتعة مجاهد فيما أخرج الطبري.

وفي الدر المنثور عن الحكم أنه سئل عن هذه الآية (آية المتعة) أمنسوخة قال : لا ، وقال علي : لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلا شقي(٣) .

وأعتقد أن مفهوم هذه الآية حول المتعة واضح جدا ومن خلال سياق الآيات نستطيع أن نتعرف على أنواع الزواج التي شرعت في الشريعة الإسلامية ، وقد أكد على ذلك تواتر الروايات التي جاءت تبين الآية ، وتؤيدها مجموعة من الأحاديث التي جاءت في الصحاح.

إلا أن علماء العامة وكما تعودنا منهم كثرة محاولات التضليل وتشويه صورة الشيعة ، أنكروا المتعة وتبرأوا منها وهم يحسبون أنهم بذلك يضربون التشيع ، وغفلوا أو ربما عن وعي أنهم بذلك قد ضربوا القرآن الحكيم وطعنوا في

ــــــــــــــــ

(١) ـ تفسير الرازي ج ١٠ / ٥١.

(٢) ـ المصدر ج ١ / ٤٩.

(٣) ـ الدر المنثور ج ٢ / ٤٨٦.


الحكمة الإلهية للتشريع ، وكأنما أرادوا أن يفرضوا على الله شريعة تلائم عقولهم التي لم تستوعب مضامين الرسالة وروحها ، فصعب عليهم التعرف على الحق والتسليم له ، وكان بينها وبين الحقيقة حجاب التكبر والغطرسة وادعاء العلم ، والله يعلم وهم من جهل مركب في طغيانهم يعمهون.

أقول ذلك وأتألم لحال الأمة التي أصبح علماؤها أكثر الناس جهلا بأمور دينهم.

قرأت كتبهم واستمعت إلى علمائهم حول الزواج « المؤقت » ، فوجدت أن أفضل من تحدث عنه قال إنه تقنين للزنا ، وبقولهم هذا يكون الله تعالى ورسوله قد شرعا الزنا ـ حاشا الله ورسوله ـ حتى ولو صدقت دعواهم بنسخه أو تحريمه بعد تشريعه تكون هنالك فترة زمنية مارس فيها المسلمون الزنا مقننا ..

والآن لنر الأدلة المأخوذة من الصحاح ، هل قالت عن المتعة أنها زنا؟!.

* عن عبد الله بن مسعود قال : « كنا نغزوا مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وليس لنا نساء ، فقلنا : ألا نستخصي فنهانا عن ذلك ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل معين »(١) .

* عن سلمة بن الأكوع عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : « أيما رجل وامرأة توافقا فعشرة ما بينهما ثلاث ليال فإن أحبا أن يتزايدا أو يتتاركا. تزايدا أو تتاركا »(٢) .

* عن جابر بن عبد الله وسلمة بن الأكوع قالا : كنا في جيش فأتانا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فقال : « قد أذن لكم أن تستمتعوا فاستمتعوا »(٣) .

ــــــــــــــــ

(١) ـ صحيح مسلم ج ٢ باب نكاح المتعة وأخرجه البخاري ج ٧ / ٨.

(٢) ـ البخاري ج ٧ / ٢٥.

(٣) ـ البخاري ج ٧ / ٢٤ باب نكاح المتعة.


* عن جابر بن عبد الله قال : « كنا نتمتع على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وأبي بكر وعمر حتى نهانا عمر عنها أخيرا يعني متعة النساء »(٤) .

* عن جابر بن عبد الله قال : « تمتعنا متعتين على عهد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله الحج والنساء فنهانا عمر عنهما فانتهينا »(٥) .

* كما ذكر الرازي أنه روي أن عمر قال على المنبر : « متعتان كانتا مشروعتين في عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وأنا أنهى عنهما متعة الحج ومتعة النكاح ».

هذه وغيرها من الأحاديث والروايات تبين أن زواج المتعة زواج شرعي وأن تحريمه لم يكن من الله ورسوله إنما قال فيها الرجل « عمر » بما شاء ، ونحن غير ملزمين بقول عمر الذي ارتآه ونقبل بشهادته فيما يخص حليتها ، لأن القرآن أمرنا بأخذ ما قاله لنا الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وما شرعه أما ما قاله عمر إذا خالف كتاب الله وسنة رسوله فنضرب به عرض الحائط ، وهنالك من هو أعلم منه وكان يرجع إليه في المعضلات وقد قال بحليتها وهو الإمام علي (ع) الذي ينقل قوله السيوطي في الدر المنثور « لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلا شقي ».

وهذا ينقلنا لنخوض قليلا في الحديث عن المجتمع ، وما سببه تحريم زواج المتعة من مشاكل.

إن مشكلة الجنس من أكثر المشاكل عمقا وتعقيدا وتأثيرا في المجتمع

ــــــــــــــــ

(٤) ـ مسند أحمد بن حنبل ج ٣ / ٣٠٤.

(٥) ـ مسند أحمد بن حنبل ج ٣ / ٣٥٦.


 الإنساني بما تحمله من مضاعفات خطيرة تؤثر في مسار حياة الإنسان ومن أبرز هذه المضاعفات الانحرافات الجنسية وإشباع الغريزة بصورة غير مشروعة مما ينعكس سلبا على المجتمع ، بالإضافة إلى الانعكاسات النفسية والاكتئاب والانطواء وسائر التوترات التي تكون نتاجا للممارسة المنحرفة للجنس أو كبت هذه الغريزة والتي تعتبر متأصلة في تكوين الإنسان ولا تنفك عنه ، وغير ذلك من المشاكل التي درسها علماء النفس والتربية والاجتماع والسياسة.

والإنسان كما يحتاج للغذاء يحتاج للقنوات التي من خلالها يشبع غريزته الجنسية ، وكما هو واضح في مجتمعاتنا ـ والسودان أبرز المصاديق ـ تأخرت سن الزواج نسبة لظروف كثيرة بعضها يرتبط بالناحية المادية وبعضها يرتبط بالاستعداد الذاتي للإنسان لتحمل مسؤولية تكوين العائلة ، فأصبح الرجل يتزوج فوق سن الثلاثين ، وبين هذه السن وسن البلوغ التي تبدأ معها الحاجة للجنس سنين طويلة فتبرز الحاجة إلى وجود حلول في هذه الفترة والحل ربما يكون بأحد أمرين : أما إسكات نداء الجنس بالوعظ والإرشاد والتخويف والتحذير وهذه الوسيلة ربما يكون لها تأثير في الواقع الخارجي ولكن تبقى المشكلة في داخل كيان الإنسان تحتاج إلى حل ، والحل الآخر يكمن في الإباحة الجنسية وهذا ما لا يقبله عاقل يؤمن بالقيم الدينية والمثل والمبادئ الإنسانية كما أنه يترتب عليه مضاعفات خطيرة في حياة الإنسان وسلوكه إضافة إلى كثير من السلبيات على مستوى الفرد والمجتمع.


يقول العالم النفسي « برتراندرسل » : (إن سن الزواج قد تأخرت بغير اختيار وتدبير فإن الطالب كان يستوفي علومه قبل مائة سنة أو مائتين في نحو الثامنة عشرة أو العشرين فيتأهب للزواج في سن الرجولة الناضجة ، ولا يطول به عهد الانتظار إلا إذا آثر الانقطاع للعلم مدى الحياة ، وقل يؤثر ذلك بين المئات والألوف من الشباب.

وأما في العصر الحاضر فالطلاب يتخصصون لعلومهم وصناعاتهم بعد الثامنة عشرة أو العشرين ، ويحتاجون بعد التخرج من الجامعات إلى زمن يستعدون فيه لكسب الرزق من طريق التجارة والأعمال الصناعية والاقتصادية ، ولا يتسنى لهم الزواج وتأسيس البيوت قبل الثلاثين ، فهنالك فترة طويلة يقضيها الشاب بين سن البلوغ وسن الزواج لم يحسب لها حساب في التربية القديمة ، وهذه الفترة هي فترة النمو الجنسي والرغبة الجامحة وصعوبة المقاومة للمغريات ، فهل من المستطاع أن نسقط حساب هذه الفترة من نظام المجتمع الإنساني كما أسقطها الأقدمون وأبناء القرون الوسطى؟ إننا إذا أسقطناها من الحساب فسيكون نتيجة ذلك شيوع الفساد والعبث بالنسل والصحة بين الشباب والشابات)(١) .

وفي الواقع إن كلمة المؤمنين علي (ع) لخصت معاناة الأمة من جراء تحريم الزواج المؤقت ، قال علي (ع) « ما كانت المتعة إلا رحمة من الله رحم بها أمة محمد ولولا نهي عمر ما زنى إلا شقي ».

هذه الرحمة الإلهية تعني أن المتعة تحمي الإنسان من كل المضاعفات الخطيرة

ــــــــــــــــ

(١) ـ الزواج المؤقت ص ١١ محمد تقي الحكيم.


التي تفرزها مشكلة الجنس ، ولا تبقي للزنا أثرا في مجتمعاتنا إلا لدى من تجذرت عنده نزعات الشذوذ الخلقي ، ومع المتعة لا يبقى أي داع لتحليل العادة السرية ، كما أفتى بذلك بعض علماء الدين المعاصرين.

وقد وقع في يدي صدفة كتاب طبع في السعودية طباعة فاخرة عنوانه الإسلام والجنس يقول فيه الكاتب : « وفي حالات الاضطرار يجوز للمسلم ممارسة العادة السرية لأنه لا حرج في الدين » ولكن لم يبين لنا هذا العلامة حدود الاضطرار وملاكه ونحن نشاهد في بلداننا كل أنواع المحفزات من خلاعة وتبرج فهل نعمل بفتواه والرجل يعيش بعد البلوغ عشرين عاما بلا زواج؟!.

في حواراتي المختلفة مع بعض الإخوة كثيرا ما يربطون المتعة بالزنا ويدور نقاشهم عن الآثار بعيدا عن أصل مشروعيتها.

ولقد ثبت أنها شرعت ، والحديث عن نسخها يفتقد للدليل القوي ، وما جاء من روايات وأحاديث متهافته ومتضاربة لا يقوى على النهوض لمستوى دليل في مقابل ما أوردناه ، أما نهي عمر عنها فلا يجدي في مقامنا هذا كما بينا خصوصا وأن هنالك من نادى بحليتها من الصحابة.

أما كون المتعة زنا ، فهذا قول غريب يقودنا إلى إشكالات أشرنا إليها ، والزنا هو ممارسة الجنس بصورة غير مشروعة والمتعة غير ذلك فهي لا تختلف عن الزواج إلا في بعض الآثار سنذكرها إن شاء الله ..

وهنالك من يقول بعدم قبول المجتمع لها ، أقول إن تشريع الله تعالى لا يخضع لمدى قبول المجتمع له أو رفضه ، إنما يجب أن يخضع المجتمع لأحكام الله فتكون حاكمة عليه ، وما أكثر رفض المجتمعات قديما وحديثا للأحكام السماوية؟! فاجأت أحدهم بالسؤال : هل تقبل أن يتزوج أبوك زوجة أخرى وأمك


موجودة؟ فأجاب بسرعة : لا! قلت : ولم وقد شرع الله له في القرآن أن يتزوج أربعة؟!

وهنالك بعض الشبهات الجانبية تثار حول هذا الموضوع لا تقدح في صحته ، أما التعامل مع هذا الحكم كيف يكون فذلك بحث آخر ، مثلا ربما يقال أنه بعد انتهاء مدة عقد المتعة من الذي يضمن ألا تتزوج المرأة قبل تمام العدة؟ أقول إن للشريعة الإسلامية والرسالات السماوية عموما مميزات تفوقت بها على القوانين الوضعية لضبط المجتمع وأهم هذه الميزات والتي تعتبر ضمانة لعدم الاخلال بالقانون هي الإيمان والتقوى ، إذ أن أحكام الشريعة الإسلامية نزلت ليطبقها من يؤمن بالله واليوم الآخر والثواب والعقاب ، وإلا ما هو الضمان أن يكون الابن الذي يأتي من زوجتك هو من صلبك ، وكيف يمكننا أن نثق بأن المرأة المطلقة اعتدت كامل أيامها ، وكيف يتسنى لك أن تعلم أنك ابن أبيك إن كثيرا من الأشياء تتحكم فيها القيم والمبادئ والأخلاق والإيمان والتقوى والورع وتبقى المشكلة في ذات الإنسان وليس في التشريع ، وإذا فقد الالتزام النابع من الإيمان لم تكن الأحكام المجردة مانعة من انتهاك الحرمات وحدوث الفوضى ، وهذا تشريع ملك اليمين فهل نعتبره زنا أيضا وأن المجتمع لا يقبله وبالتالي نلغيه؟ وبعد قرون نكتشف أن زواج الرجل بأربع زوجات لا يلائم المجتمع فنلغيه وهكذا. إن حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة.

وإليك بيان تفصيلي عن الزواج المؤقت الذي لا يفترق عن الزواج الدائم إلا في بعض الآثار.


ما المقصود بالزواج المؤقت(١) :

عقد زواج بين الرجل والمرأة ضمن شروط شرعية محددة من أهمها : ـ

١ ـ الايجاب والقبول.

٢ ـ تحديد المدة ضمن صيغة العقد.

٣ ـ تحديد المهر.

٤ ـ إذن الولي إذا كانت البنت بكرا على رأي الكثير من الفقهاء.

٥ ـ انتفاء الموانع الشرعية من النكاح ، كالنسب أو السبب أو الرضاع أو الاحصان أو العدة أو غير ذلك.

٦ ـ لا يجوز للمسلمة أن تتمتع بالكافر ، كما لا يجوز للمسلم أن يتمتع بالمشركة غير الكتابية.

العناصر المشتركة بين الزواج الدائم والزواج المؤقت :

١ ـ العقد الشرعي المشتمل على الايجاب والقبول اللفظيين.

٢ ـ الآثار الشرعية المترتبة على العقد إلا ما استثنته الأدلة الخاصة.

٣ ـ أحكام الأولاد واحدة في الزواجين.

٤ ـ العدة واجبة على المرأة مع الدخول وعدم اليأس في الحالتين وبالنسبة للوفاة تجب العدة حتى وإن كانت المرأة صغيرة أو يائسة أو غير مدخول بها.

ــــــــــــــــ

(١) ـ التشيع السيد عبد الله الغريفي ص ٥٣٢.


* عناصر الاختلاف بين الزواجين :

١ ـ في الزواج المؤقت تحدد المدة والأجل وفي الدائم لا تحديد للمدة والأجل.

٢ ـ في المؤقت يشترط ذكر المهر وفي الدائم لا يشترط ذلك.

٣ ـ في المؤقت لا طلاق بل تبين المرأة بانتهاء المدة أو بهبة المدة لها أو الوفاة ، وفي الدائم لا تبين المرأة إلا بالطلاق أو الوفاة إلا في الحالات الاستثنائية كالارتداد والفسخ فتبين المرأة بلا طلاق.

٤ ـ في المؤقت لا توارث بين الزوجين إلا مع الشرط عن بعض الفقهاء ، وفي الدائم يتوارث الزوجان إلا في حالات استثنائية كالقتل أو كون الزوجة غير مسلمة.

٥ ـ في المؤقت لا نفقة للزوجة إلا مع الشرط ضمن العقد وفي الدائم تجب النفقة إلا في الحالات الاستثنائية كالنشوز.

٦ ـ في المؤقت لا قسم للزوجة ولا تجب مضاجعتها ولا مقاربتها في كل أربعة أشهر مرة وفي الدائم يجب ذلك.

٧ ـ في المؤقت تستحق المرأة المهر كاملا وإن لم يدخل بها إذا لم يكن ذلك بسبب مانع من قبلها ، وفي الدائم لا تستحق المهر كاملا إلا مع الدخول.

هذا هو زواج المتعة كما شرعه الدين وهو رحمة الله تعالى للإنسان الذي خلق ضعيفا ، وقد قال تعالى في سورة النساء بعد بيان أنواع الزواج المختلفة بما فيها الزواج المؤقت ( يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا ) (١)

ــــــــــــــــ

(١) ـ سورة النساء : آية / ٢٨.


 ولكن أبت الأمة كعادتها إلا أن تضيق على نفسها كما فعلت أمة بني إسرائيل. ونتوج بحثنا بروايات

عن أهل البيت (ع) : ـ

* عن أبي بصير قال : سألت أبا جعفر الباقر (ع) عن المتعة فقال : « نزلت في القرآن ( فما استمتعتم به منهن ... الآية ) ».

* عن الإمام الصادق (ع) : قال « المتعة نزل بها القرآن وجرت بها السنة من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ».

* عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : سألت أبا عبد الله هل نسخ آية المتعةشيء؟

قال : لا ، ولولا ما نهى عنها عمر ما زنى إلا شقي.

ونذكر هنا بعض الملاحظات للذي يدعي بأن آية المتعة منسوخة بقوله تعالى ( والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ) (سورة المؤمنون : آية / ٥ ـ ٧).

أولاً : إن هذه الآية جاءت في سورة المؤمنون وهي مكية وآية المتعة جاءت في سورة النساء وهي مدنية فكيف يكون المتقدم نزولا ناسخا للمتأخر!.

أما ما ذكروه بأن الآية حددت نوعين من النكاح فقط : الزواج وملك اليمين ..

فالمتعة أيضا زواج كما بينا والأمر واضح ، وبالنسبة للروايات التي تحرم المتعة فهي غير صحيحة لتعارضها مع الأحاديث القائلة بحليتها كما أن أخبار


التحريم أخبار آحاد ، والنسخ لا يثبت بأخبار الآحاد ، ثم إن هنالك تناقضا واضحا في روايات التحريم فبعضها يقول بأن التحريم صدر يوم خيبر وأخرى في يوم الفتح وثالثة في تبوك ورابعة في عمرة القضاء وخامسة في حجة الوداع الخ. وأخيرا إن روايات التحريم معارضة بروايات أهل بيت النبوة (ع) المتواترة والدالة على إباحة المتعة إلى يوم القيامة.

خاتمة

في ظل أمواج الفتن ما أحوج الإنسان إلى أن يجد سفينة النجاة لتأخذ به إلى بر الأمان ، وما أحوجه إلى التعرف على المعتقد السليم الذي من خلاله يستطيع أن يعيش واقع حياته اليومية باطمئنان حتى يلقى الله وقد وفى بعهده وميثاقه.

وتبقى مشكلة التعصب الأعمى وعدم التسليم للحق والتمرد عليه تكبرا ، مما يجعل بيننا وبينه حجابا إذا أردنا التمسك به والبحث عنه ، إذ أنه لا بد من التأكد مما نحن عليه ، على ألا يكون التوارث أبا عن جد هو المرتكز لفهم فلسفة الحياة ، ولا يمكن أن نحقق العبودية في أنفسنا وهي غاية الخلق(١) إلا عبر الطريق الذي أمرنا الله به ولا يمكن أن تكون الوراثة التي نبذها القرآن هي الضمانة لصحة ما نعتقده والمسلمون انقسموا لفرق ومذاهب كل يدعي وصلا بليلى ، والظلمات كثيرة والنور واحد وهذا هو مقصود حديث الفرقة الناجية ، فليصبح الإنسان كالمجنون وهو يبحث لكي يختار الصواب.

ــــــــــــــــ

(١) ـ الآية ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) .


إن الأمة الإسلامية تعيش تحديا حضاريا في كل الجوانب لم يترك العدو لها مجالا إلا وحاول من خلاله أن يبث سمومه ، وفي واقعنا المعاش نجد الكثير من المذاهب التي تلبست بلباس الدين ودعت إليه بينما كانت تخدم مصالح الأعداء وتحمل في داخلها معاول هدم رسالة السماء ، وأبرز مصداق لذلك الوهابية التي انتشرت في طول البلاد الإسلامية وعرضها مستغلة الظروف الاقتصادية في الدول النامية ولم تعتمد على المعتقد السليم ولا على الفكر الصحيح أو المنطق في الحوار بل ظهرت عبر مؤسساتها وأموالها ، جاعلة الدين كتلة جامدة لا تتفاعل وواقع الحياة ، لذلك تتركها دوائر الاستعمار لتسرح بينما تصب على الشيعة كل أنواع التضليل.

هنالك كثير من الأسباب تقف حائلا بين المرء والحقيقة عليه أن يتجاوزها ولقد حاولت ذلك فكان الانتقال عبر محطات التاريخ للوقوف على المنعطفات الخطيرة التي مرت بها الأمة الإسلامية فتفرقت شيعا وأحزابا ، لم يكن همي سوى الحقيقة الحقيقة وحدها دون الالتفات إلى ما سيعترضني من مشاكل في سبيل ذلك ، ولقد حاول البعض عندما انهزم بالدليل والبرهان أن يتهمني تارة بالشيوعية وهي التي لم يستطع نسفها غير علماء الشيعة بقيادة الشهيد الصدر فكيف يلتقي الشيعي مع الشيوعي اللهم إلا إذا اشتبهت الأحرف على السامع وتارة يقولون عنا جمهوريين ، هذه الجماعة التي ولدت فكرتها ميتة لأنها عارضت كلشيء القرآن والسنة والعقل ، قامت باجتهاد فرد وانتهت بانتهائه من على مسرح الحياة ، أما التشيع فأنا لم أنتجه من محض خيالي ، إنما وجدت أنه ولد حينما ولدت الرسالة ، وشهد الأعداء قبل الأصدقاء بأهلية أهل البيت (ع) لتحمل أمانة السماء والتاريخ يشهد لهم بذلك فما ذنبي إذا كان الدليل يأخذ بعنقي إلى


حيث النور ، ومن يملك دليلا خلاف قولنا وإذا كان هنالك حق غير مذهب أهل البيت (ع) فهاتوا برهانكم إن كنتم صادقين.

وتارة أخرى يتهموننا بأننا نسعى لإثارة الفتن ، ولعمري متى كان البحث عن الحق إثارة للفتنة؟ ومتى كان كشف الزيف دلالة على ذلك؟ أن الذين يوزعون هذه التهم إنما يبررون لأنفسهم ويحاولون الانتصار لها بعد هزيمتها داخليا.

عندما بدأت بحثي لم يقم في نفسي أن أطرحه للآخرين وإنما هو تكليف شرعي وتلهف للكشف عن الحق الذي به قامت السماوات والأرض ، وظمأ للارتواء من منابع الرسالة الصافية التي لم تكدرها الجاهلية بأنجاسها ، ووجدته بحمد الله عذبا ثجاجا في ولاية علي بن أبي طالب (ع) وأتباعه الذين قال فيهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله « والذي بعثني بالحق نبيا لو أن رجلا لقي الله بعمل سبعين نبي ثم لم يلقه بولاية أولي الأمر من أهل البيت ما قبل الله منه عدلا ولا صرفا ».

كما روى الإمام الصادق (ع) عن أبيه عن جده (ع) قال : مر أمير المؤمنين (ع) في مسجد الكوفة ومعه خادمة قنبر رجلا قائما يصلي فقال : يا أمير المؤمنين ما رأيت رجلا أحسن صلاة من هذا. فقال علي (ع) : يا قنبر فوالله لرجل على يقين من ولايتنا أهل البيت خير ممن له عبادة ألف سنة ، ولو أن عبدا عبد الله ألف سنة لا يقبل الله منه حتى يعرف ولايتنا أهل البيت ، ولو أن عبدا عبد الله ألف سنة وجاء بعمل اثنين وسبعين نبي ما يقبل الله منه حتى يعرف ولايتنا أهل البيت وإلا أكبه الله على منخريه في نار جهنم وغيرها من الروايات التي تجعل الإنسان يقف متأملا وهو يحاول أن يهتدي إلى الطريق.


وعلى فرض عدم صحة هذه الروايات ، يجب على الإنسان دفعا للضرر المحتمل ـ كما يقولون ـ أن يبحث عن الحق أنى كان ، ولقد ادعى أهل البيت (ع) حق الولاية وتواتر المنقول عنهم أن أعمال العبد يتوقف قبولها على ولايتهم وبدونها يسقط عمله. بينما لا نجد أن أحدا من الصحابة ادعى مثل هذا الحق وبالخصوص الخلفاء الثلاثة فالإيمان بهم بالتالي ليس من أصول الدين إنما هو أمر فرعي يحتاج إلى نقاش.

أخيراً

إن الاهتداء إلى الحق ليس عبقرية ذاتية ، إنما نعمة من الله تعالى ينعم بها على من يشاء من عباده ، وما على الإنسان إلا التوجه المخلص لله تعالى حتى يريه الحق حقا فيتبعه ويريه الباطل باطلا فيجتنبه ، ولقد تكفل البارئ عز وجل بهداية المجاهدين فيه إلى سبله.

خطبة فاطمة (ع) شعلة الحق

إنها خطبة يعجز الإنسان عن وصفها ، ويؤمن ويصدق بأنها معجزة احتجت بها أمام الخليفة الأول أبي بكر ، ودقة معانيها وقوة بيانها تؤكد صحة نسبتها للطاهرة المعصومة فاطمة بنت محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله وأذكر جزءاً منها في هذا المقام تتمة للفائدة.

قالت سلام الله عليها :

« الحمد لله على ما أنعم ، وله الشكر على ما ألهم ، والثناء بما قدم ، من


عموم نعم ابتداها ، وسبوغ آلاء أسداها وتمام منن أولاها ، جم عن الاحصاء عددها ، ونأى عن الجزاء أمدها ، وتفاوت عن الادراك أبدها ، وندبهم لاستزادتها بالشكر لاتصالها واستحمد إلى الخلائق بإجزالها ، وثنى بالندب إلى أمثالها.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، كلمة جعل الإخلاص تأويلها ، وضمن القلوب موصولها ، وأنار في التفكر معقولها ، الممتنع من الأبصار رؤيته ، ومن الألسن صفته ومن الأوهام كيفيته ، ابتدع الأشياء لا منشيء كان قبلها ، وأنشأها بلا احتذاء أمثلة امتثلها كونها بقدرته ، وذرأها بمشيته ، من غير حاجة منه إلى تكوينها ، ولا فائدة له في تصويرها ، إلا تثبيتا لحكمته ، وتنبيها على طاعته ، وإظهارا لقدرته ، تعبدا لبريته وإعزازا لدعوته ، ثم جعل الثواب على طاعته ، ووضع العقاب على معصيته ذيادة لعباده من نقمته ، وحياشة لهم إلى جنته.

وأشهد أن أبي محمدا عبده ورسوله اختاره قبل أن أرسله وسماه قبل أن اجتباه ، واصطفاه قبل أن ابتعثه ، إذ الخلائق بالغيب مكنونة ، وبستر الأهاويل مصونة ، وبنهاية العدم مقرونة علما من الله تعالى بمايل الأمور ، وإحاطة بحوادث الدهور ومعرفة بمواقع الأمور.

ابتعثه الله إتماما لأمره ، وعزيمة على إمضاء حكمه ، وإنفاذا لمقادير رحمته ، فرأى الأمم فرقا في أديانها ، عكفا على نيرانها عابدة لأوثانها ، منكرة لله مع عرفانها ، فأنار الله بأبي محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله ظلمها ، وكشف عن القلوب بهمها (١) ، وجلى عن الأبصار غممها وقام في الناس بالهداية فأنقذهم من الغواية ، وبصرهم من العماية ، وهداهم إلى الدين القويم ، ودعاهم إلى

ــــــــــــــــ

(١) ـ أي مبهماتها وهي المشكلات من الأمور.


 الصراط المستقيم.

ثم قبضه الله إليه قبض رأفة واختيار ، ورغبة وإيثار فمحمد صلى‌الله‌عليه‌وآله من تعب هذه الدار في راحة قد حف بالملائكة الأبرار ورضوان الرب الغفار ، ومجاورة الملك الجبار ، صلى الله على أبي نبيه وأمينه ، وخيرته من الخلق وصفيه ، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته.

ثم التفتت سلام الله عليها غلى أهل المجلس وقالت : أنتم عباد الله نصب أمره ونهيه ، وحملة دينه ووحيه ، وأمناء الله على أنفسكم ، وبلغاؤه إلى الأمم ، زعيم حق له فيكم ، وعهد قدمه إليكم ، وبقية استخلفها عليكم. كتاب الله الناطق والقرآن الصادق ، والنور الساطع ، والضياء اللامع ، بينة بصائره ، منكشفة سرائره ، متجلية ظواهره مغتبطة به أشياعه ، قائد إلى الرضوان أتباعه ، مؤد إلى النجاة استماعه به تنال حجج الله المنورة ، وعزائمه المفسرة ، ومحارمه المحذرة ، وبيناته الجالية ، وبراهينه الكافية ، وفضائله المندوبة ، ورخصه الموهوبة ، وشرائعه المكتوبة.

 فجعل الله الإيمان تطهيرا لكم من الشرك ، والصلاة تنزيها لكم عن الكبر ، والزكاة تزكية للنفوس ، ونماء للرزق ، والصيام تثبيتا للإخلاص ، والحج تشييدا للدين ، والعدل تنسيقا للقلوب ، وطاعتنا نظاما للملة ، وإمامتنا أمانا من الفرقة والجهاد عزا للإسلام والصبر معونة على استيجاب الأجر ، والأمر والنهي عن المنكر مصلحة للعامة ، وبر الوالدين وقاية من السخط ، وصلة الأرحام منسأة في العمر ومنماة للعدد ، والقصاص حقنا للدماء ، والوفاء بالنذر تعريضا للمغفرة ، وتوفية المكاييل والموازين ، تغييرا للبخس ، والنهي عن شرب الخمر ، تنزيها عن الرجس واجتناب القذف ، حجابا عن اللعنة ، وترك السرقة ، إيجابا للعفة ، وحرم


 الله الشرك إخلاصا له بالربوبية فاتقوا الله حق تقاته ، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ، وأطيعوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه فأنه إنما يخشى الله من عباده العلماء.

ثم قالت : أيها الناس اعلموا ، أني فاطمة وأبي محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله أقول عودا وبدءا ولا أقول ما أقول غلطا ، ولا أفعل ما أفعل شططا ، لقد جاءكم رسول الله من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم. فإن تعزوه وتعرفوه تجدوه أبي دون نسائكم ، وأخا ابن عمي دون رجالكم ، ولنعم المعزى إليه صلى‌الله‌عليه‌وآله فبلغ الرسالة صادعا بالنذارة مائلا عن مدرجة المشركين ضاربا ثبجهم آخذا بأكظامهم داعيا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ، يكسر الأصنام وينكت الهام ، حتى انهزم الجمع وولوا الدبر ، فتضرى الليل عن صبحه وأسفر الحق عن محضه ، ونطق زعيم الدين ، وخرست شقاشق الشياطين ، وطاح وشيظ النفاق ، وانحلت عقد الكفر والشقاق ، وفهتم بكلمة الإخلاص في نفر من البيض الخماص وكنتم على شفا حفرة من النار ، مذقة الشارب ، ونهزة الطامع وقبسة العجلان ، وموطئ الأقدام تشربون الطرق وتقتاتون القد والورق ، أذلة خاسئين ، تخافون أن يتخطفكم الناس من حولكم ، فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمد صلى‌الله‌عليه‌وآله بعد اللتيا والتي وبعد أن مني ببهم الرجال وذؤبان العرب ، ومردة أهل الكتاب ، كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ، أو نجم قرن للشيطان أو فغرت فاغرة من المشركين قذف أخاه في لهواتها فلا ينكفئ حتى يطأ جناحها بأخمصه ، ويخمد لهبها بسيفه مكدودا في ذات الله ، مجتهدا في أمر الله ، قريبا من رسول الله سيدا في أولياء الله ، مشمرا ناصحا ، مجدا كادحا ، لا تأخذه في الله لومة لائم ، وأنتم


 في رفاهية من العيش وادعون فاكهون آمنون تتربصون بنا الدوائر وتتوكفون الأخبار وتنكصون عند النزول وتفرون من القتال.

... ثم تنتقل الصديقة (ع) للحديث عن الانقلاب كما وضحنا ثم تحدثت عن منعها الإرث ولقد ذكرنا كلماتها في بداية البحث وبعد ذلك رمت بطرفها نحو الأنصار وقالت :

يا معشر النقيبة وأعضاد الملة وحضنة الإسلام ما هذه الغميزة في حقي والسنة عن ظلامتي. أما كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أبي يقول : « المرء يحفظ في ولده »؟ سرعان ما أحدثتم وعجلان ذا إهالة ولكم طاقة بما أحاول وقوة على ما أطلب وأزاول ، أتقولون مات محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ فخطب جليل : استوسع وهنه واستنهر فتقه ، وانفتق رتقه ، وأظلمت الأرض لغيبته وكسفت الشمس والقمر ، وانتثرت النجوم لمصيبته ، وأكدت الآمال وخشعت الجبال ، وأضيع الحريم ، وأزيلت الحرمة عند مماته فتلك والله النازلة الكبرى ، والمصيبة العظمى لا مثلها نازلة ولا بائقة عاجلة ، أعلن بها كتاب الله جل ثناؤه في أفنيتكم ، وفي ممساكم ومصبحكم ، هتافا وصراخا ، وتلاوة وألحنا ، ولقبله ما حل بأنبياء الله ورسله حكم فصل وقضاء حتم :

( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين ) أيها بني قيلة أأهضم تراث أبي؟ وأنتم بمرأى مني ومسمع ومنتدى ومجمع تلبسكم الدعوة ، وتشملكم الخبرة ، وأنتم ذوو العدد والعدة والأداة والقوة وعندكم السلاح والجنة توافيكم الدعوة فلا تجيبون ، وتأتيكم الصرخة فلا تعينون ، وأنتم موصوفون بالكفاح ، معروفون بالخير والصلاح ، والنخبة التي انتخبت


والخيرة التي اختيرت لنا أهل البيت.

ألا وقد قلت ما قلت على معرفة مني بالخذلة التي خامرتكم والغدرة التي استشعرتها قلوبكم ، لكنها فيضة النفس ونفثة الغيظ وبثة الصدر وتقدمة الحجة ، فدونكموها فاحتقبوها دبرة الظهر نقبة الخف باقية العار ، موسومة بغضب الجبار ، وشنار الأبد موصولة بنار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة ، فبعين الله ما تفعلون وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون وأنا ابنة نذير لكم بين يدي عذاب شديد فاعملوا إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون(*) .

* * * *

ــــــــــــــــ

(*) ـ مقاطع من خطبة الزهراء من كتاب الإحتجاج للطبرسي.


المصادر

١ ـ القرآن الكريم.

٢ ـ تفسير القرآن العظيم / ابن كثير.

٣ ـ التفسير الكبير / الفخر الرازي.

٤ ـ في ظلال القرآن / سيد قطب.

٥ ـ صفوة التفاسير / محمد علي الصابوني.

٦ ـ صحيح البخاري.

٧ ـ صحيح مسلم.

٨ ـ صحيح الترمذي.

٩ ـ سنن أبي داوود.

١٠ ـ سنن ابن ماجه.

١١ ـ مسند أحمد بن حنبل.

١٢ ـ المستدرك / الحاكم.

١٣ ـ الإصابة في تمييز الصحابة / ابن حجر العسقلاني.

١٤ ـ أسد الغابة في معرفة الصحابة / ابن الأثير.

١٥ ـ نهج البلاغة.

١٦ ـ وسائل الشيعة / الحر العاملي.

١٧ ـ الإحتجاج / الطبرسي.


١٨ ـ السيرة النبوية / ابن هشام.

١٩ ـ تاريخ الأمم والملوك / الطبري.

٢٠ ـ البداية والنهاية / ابن كثير.

٢١ ـ الإمامة والسياسة / ابن قتيبة.

٢٢ ـ الكامل في التاريخ / ابن الأثير.

٢٣ ـ تاريخ ابن خلدون.

٢٤ ـ تاريخ ايعقوبي.

٢٥ ـ المغاري للواقدي.

٢٦ ـ مروج الذهب / المسعودي.

٢٧ ـ شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد المعتزلي.

٢٨ ـ الملل والنحل / الشهر ستاني.

٢٩ ـ العقد الفريد / ابن عبد ربه الأندلسي.

٣٠ ـ الغدير / العلامة الأميني.

٣١ ـ الفكر الإسلامي مواجهة حضارية / العلامة السيد محمد تقي المدرسي.

٣٢ ـ التشيغ نشوؤه ـ مراحله ـ مقدماته / السيد عبدالله الغريفي.

٣٣ ـ دور الشيعة في بياء الحضارة الإنسانية / جعفر السبحاني.

٣٤ ـ الزواج المؤقت / محمد تقي الحكيم.


الفهرس

الاهداء..................................................................... ٥

المقدمة..................................................................... ٧

الفصل الأول.............................................................. ١٥

لماذا هذا الكتاب.......................................................... ١٥

الفصل الثاني.............................................................. ٢٧

البحث في التاريخ ضرورة................................................... ٢٩

أولاً : ـ التاريخ في القرآن :................................................. ٢٩

ثانياً : ـ التاريخ ضرورة للحاضر.............................................. ٣٠

ثالثا ـ نماذج من انحرافات الأمم السابقة في القرآن الحكيم :..................... ٣٢

القصة الأولى : بلعم بن باعوراء مع نبيه موسى (ع)........................... ٣٧

الفصل الثالث............................................................. ٤٥

الشيعة والتشيع............................................................ ٤٧

التشيع والفرس :........................................................... ٥٠

ظلال التشيع في السودان.................................................. ٥١

الفصل الرابع.............................................................. ٥٧

حوار في بداية الطريق...................................................... ٥٩

البداية.................................................................... ٦٤

ماذا بين أبي بكر وفاطمة (ع)؟............................................. ٦٦

فاطمة (ع) في القرآن...................................................... ٦٩

فاطمة (ع) بلسان أبيها..................................................... ٧٣

موقف الزهراء (ع) هو « الفيصل »......................................... ٨١

عصمة الزهراء (ع)......................................................... ٨٣

بماذا طالبت الزهراء (ع)................................................... ٨٧

أولاً : المطالبة باسترداد فدك التي لها ملكيتها.................................. ٨٩


ثانياً : مطالبتها بإرث الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله......................................... ٩٠

ثالثا : المطالبة بسهم ذي القربى............................................. ٩١

فدك الرمز................................................................. ٩٩

الخلفاء واقتحام الدار.................................................... ١٠٥

استشهاد الزهراء (ع)..................................................... ١١٨

الزهراء صرخة مدوية عبر التاريخ........................................... ١٢٥

الفصل الخامس.......................................................... ١٢٧

تمهيد :.................................................................. ١٢٩

بالشورى أم بالتعين....................................................... ١٣٠

* مفهوم الشورى عند أهل السنة والجماعة غير واضح :..................... ١٣٠

* التعيين ضرورة :........................................................ ١٣٣

* علي بن أبي طالب أول خليفة للنبي (ص) :.............................. ١٣٦

١ ـ حديث الغدير :..................................................... ١٣٧

٢ ـ حديث المنزلة :...................................................... ١٤٠

٣ ـ حديث الانذار...................................................... ١٤٠

٤ ـ حديث الراية :...................................................... ١٤١

* مناظرة للمأمون العباسي في فضل علي (ع)(١) ........................... ١٤٤

أهل البيت (ع).......................................................... ١٥٣

هم أولو الأمر بعد النبي (ص)............................................. ١٥٣

* حوار حول العصمة في حديث الثقلين................................... ١٥٦

الفصل السادس.......................................................... ١٦٥

الانقلاب................................................................ ١٦٥

ماذا حدث؟............................................................. ١٦٧

مع عدالة الصحابة....................................................... ١٦٩


* القرآن وعدالة الصحابة :.............................................. ١٦٩

* السنة وعدالة الصحابة :............................................... ١٧٤

* الصحابة عند شيعة أهل البيت (ع) :................................... ١٧٦

* مصيبة الأمة :.......................................................... ١٧٨

* حديث العشرة المبشرين المزعوم :...................................... ١٧٨

السقيفة................................................................. ١٨٠

علي (ع) والخلافة....................................................... ١٨٤

خلافة علي (ع) ١٨٩

* حرب الجمل :......................................................... ١٩٠

* عائشة بنت أبي بكر :.................................................. ١٩٠

صفين................................................................... ١٩٥

* رسالة محمد بن أبي بكر لمعاوية :....................................... ١٩٧

عض أفعال معاوية........................................................ ٢٠١

* اغتصابه الخلافة بالقهر................................................. ٢٠١

الفصل السابع........................................................... ٢٠٥

كيف يرون معاوية ويزيد :................................................. ٢٠٧

مع الحسين (ع).......................................................... ٢١٠

من هو الحسين (ع)....................................................... ٢١٤

نزول الركب المقدس في كربلاء.............................................. ٢١٨

السجود على التربة الحسينية................................................ ٢٢٢

الفصل الثامن............................................................ ٢٢٧

من ركام الباطل إلى النور.................................................. ٢٢٩

فقرات.................................................................. ٢٣١

من أدعية أهل البيت (ع)................................................. ٢٣١


* ـ من دعاء الصباح لأمير المؤمنين (ع).................................... ٢٣١

* ـ من دعاء يوم عرفة للإمام الحسين (ع) :................................ ٢٣٢

* ـ مناجاة الشاكرين : للإمام زين العابدين (ع) :........................... ٢٣٣

* قبسات من نور آل محمد :............................................. ٢٣٣

* التقية :................................................................ ٢٣٦

* أما من الكتاب العزيز :................................................. ٢٣٨

* أما من السنة :......................................................... ٢٤٠

* الوضوء :.............................................................. ٢٤٢

* أخبار من مصادر سنية توضح وجوب المسح دون الغسل :................ ٢٤٥

* الجمع بين الصلاتين :.................................................. ٢٤٧

الأدلة من السنة :........................................................ ٢٤٩

* الأدلة من طريق أهل البيت (ع) :....................................... ٢٥٠

* الزواج المنقطع « المتعة » :............................................ ٢٥١

الدليل القرآني :......................................................... ٢٥١

ما المقصود بالزواج المؤقت :............................................. ٢٥٩

العناصر المشتركة بين الزواج الدائم والزواج المؤقت :...................... ٢٥٩

* عناصر الاختلاف بين الزواجين :........................................ ٢٦٠

عن أهل البيت (ع) : ـ................................................... ٢٦١

خاتمة................................................................... ٢٦٢

أخيراً.................................................................... ٢٦٥

خطبة فاطمة (ع) شعلة الحق.............................................. ٢٦٥

المصادر................................................................. ٢٧١

الفهرس.................................................................. ٢٧٣